ماذا ينتظر العراق بعد مغادرة القوات الأمريكية؟
تحديث المحرر: أتمت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، سحب القوات والمعدات الأمريكية من قاعدة أربيل الجوية، آخر قاعدة لها في العراق، في 30 سبتمبر/أيلول، منهية بذلك مهمتها العسكرية في إطار "عملية العزم الصلب" ضد تنظيم "داعش" في البلاد.
نُشر هذا المقال في "مجموعة الأزمات الدولية" بتاريخ 29 سبتمبر/أيلول. لقراءة النص الأصلي من هنا.
في 30 أيلول/سبتمبر، من المزمع أن ينهي التحالف الذي قادته الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) مهمته العسكرية في العراق. في حين كان البعض قد توقع أن يتأجل انسحاب القوات ونقل العتاد إلى ما بعد التاريخ المحدد، يبدو الآن أنهما سيُستكملان في الوقت المحدد. إن أكبر الوحدات المتبقية هي من الولايات المتحدة، التي احتفظت بأكبر وجود للقوات طوال مدة وجود التحالف. وقد سحب عدد من الدول الأخرى المشاركة في التحالف وحداته الصغيرة، بما في ذلك بولندا، التي أكملت انسحابها في مارس/آذار، وألمانيا، التي غادر جنودها في أغسطس/آب.
يغلق رحيل القوات فصلاً بدأ في عام 2014، عندما سيطر داعش على أجزاء كبيرة من البلاد وعادت القوات التي تقودها الولايات المتحدة – التي كانت قد غزت واحتلت العراق في عام 2003 ومن ثم انسحبت في عام 2011 – بناءً على دعوة بغداد. دأب عدد من المجموعات العراقية المسلحة التي تشكلت أولاً لمحاربة داعش على تصوير التحالف بصفته تهديداً. استحضرت هذه المجموعات المتحالفة مع إيران دائماً وجود التحالف كمبرر للاحتفاظ بأسلحتها وهيكلياتها القيادية خارج الدولة العراقية.
في الوقت الذي تستعد فيه قوات التحالف للمغادرة، أعلن رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أن على هذه المجموعات تسليم أسلحتها. لكن التحالف يغادر وسط حرب شرق أوسطية أثارتها الضربات الإسرائيلية–الأميركية على إيران، وشنت خلالها طهران وبعض المجموعات المتحالفة معها في العراق هجمات على أهداف أميركية في دول الخليج العربية، والأردن وعلى إقليم كردستان في العراق نفسه.
والسؤال هو ما إذا كانت بغداد تمتلك القدرة والإرادة على استعمال نهاية هذه المهمة العسكرية الأجنبية لاكتساب درجة أكبر من السيطرة على المجموعات المسلحة التي لديها الأسباب للاستمرار في قتال يتجاوز معارضة وجود التحالف، بصرف النظر عن المبررات التي تقدمها.
نهاية مهمة عسكرية
ينهي التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) – وهي ما يسميها الجيش الأميركي عملية العزم الصلب – مهمته بعد اثني عشر عامًا من تأسيسه. حينذاك، في عام 2014، استغل داعش عدم الاستقرار الذي ساد جزءًا كبيرًا من العالم العربي في أعقاب انتفاضات عام 2011، وساعده في ذلك الحصول على أسلحة تقليدية من القوات العراقية والسورية التي سرعان ما انسحبت من مدن كبرى مثل الموصل والرقة في وجه هجوم التنظيم.
واستغل التوترات الطائفية المتنامية في العراق والتصورات بوجود إقصاء سياسي في أوساط سكانه العرب السنة للسيطرة على جزء كبير من الأراضي الداخلية التي يقطنها السنة في البلاد. في يونيو/حزيران 2014، أعلن داعش إقامة خلافة في العراق وسوريا، وفي أوج قوته في مايو/أيار 2015، سيطر على ثلث الأراضي العراقية.
بعد إنهائه الاحتلال الأميركي للعراق قبل ثلاث سنوات فقط، قرر الرئيس الأميركي باراك أوباما حينذاك إعادة القوات لمنع داعش من التوسع أكثر وعكس مكاسبه في كلا البلدين. في السنوات التي تلت، دعمت الولايات المتحدة وعشرات من الشركاء في التحالف العمليات العسكرية ضد التنظيم في العراق وسوريا في الوقت نفسه الذي كانت تسعى فيه إلى المساعدة في إعادة بناء وتدريب الجيش العراقي، الذي كان قد انهار خلال أيام فحسب بعد هجوم داعش.
في حين أعلنت الحكومة العراقية انتصارها على داعش في ديسمبر/كانون الأول 2017، بعد استعادتها الموصل ومدن رئيسية أخرى من سيطرة التنظيم وأمّنت حدودها مع سوريا، استمر وجود التحالف. ظل في البلاد حتى بعد مارس/آذار 2019، عندما سقط معقل التنظيم في الباغوز في سوريا؛ وشكلت تلك الخسارة نهاية سيطرة التنظيم على آخر جزء من الأراضي التي كان قد سيطر عليها منذ بداية هجومه في عام 2014.
استمر وجود التحالف – الذي ضم وحدات كبيرة من فرنسا، والمملكة المتحدة وتركيا إضافة إلى الولايات المتحدة – لعدة أسباب:
أولًا، استمر في دعم القوات المسلحة العراقية في قمع ما تبقى من خلايا التنظيم على مدى سنوات بعد استعادة الباغوز. واستمر الجيش العراقي والقوات المسلحة لإقليم كردستان (البشمركة) في التعرض لهجمات مفاجئة وسريعة فيما يسمى المناطق المتنازع عليها، وهي منطقة تدّعي الحق فيها الحكومتان الاتحادية والإقليمية، التي وفرت تضاريسها الوعرة الكثير من أماكن الاختباء لمقاتلي داعش. تعرضت القوات الأميركية العاملة إلى جانب القوات العراقية لإصابات خلال غارة على خلية تابعة لداعش في محافظة الأنبار حتى أغسطس/آب 2024.
ثانيًا، استعمل التحالف العراق قاعدة شنَّ منها عمليات ضد داعش وجهات أخرى عبر الحدود في سوريا، حيث اندلعت حرب أهلية على مدى سنوات، وحيث تشاركت الولايات المتحدة مع قوات سوريا الديمقراطية ذات القيادة الكردية (قسد) حتى أبريل/نيسان.
يبدو أن خطر داعش قد تراجع كثيرًا. رغم الهجمات التي تشنها بقايا التنظيم أحيانًا، فإنه فقد جاذبيته الأيديولوجية. رغم أن بعض السكان في العراق وسوريا لا يزال لديهم مظالم استغلها داعش لحشد الدعم، فإن قلة من الناس ترغب أن تعيش مرة أخرى حقبة ما سُمي الخلافة، التي أثارت سنوات من الصراع ودمرت العديد من المجتمعات المحلية التي سعى التنظيم ظاهريًا إلى حمايتها.
إضافة إلى ذلك، فإن الثغرات الأمنية التي استغلها تنظيم الدولة في عام 2014 ضاقت أيضًا في كلا البلدين. لم تفرض السلطات الجديدة في سوريا بعد سيطرتها الكاملة على محافظات وحدود البلاد، لكن عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية التي كانت مستقلة سابقًا في الشمال الشرقي تحت قيادة الحكومة المركزية تساعد في تأمين المناطق التي لا تزال عرضة لهجمات داعش. في العراق، باتت قوات الدولة على جاهزية أعلى لصد أي تهديد محلي أو خارجي يمكن أن يشكله التنظيم.
رغم أن التحالف والحكومة العراقية يتشاطران التقييم القائل بأن القوات العراقية تستطيع مواجهة داعش بمفردها، فإن الانسحاب مهم سياسيًا لبغداد وواشنطن على حد سواء. على مدى سنوات، ورغم تعاونها مع قوات التحالف، نظرت بغداد إلى وجودها على أنه عبء، على الأقل لأن المجموعات المتحالفة مع إيران استغلته للادعاء بأن الاحتلال الأميركي لا يزال مستمرًا.
كما اتهمت تلك المجموعات الولايات المتحدة باستعمال موطئ قدمها في العراق لمراقبة إيران وأعضاء "محور المقاومة" – شركاءها في المنطقة. باتت هذه التهمة الأخيرة مبررًا للمجموعات العراقية للاحتفاظ بأسلحتها وهيكلياتها القيادية على نحو مستقل عن قوات الدولة العراقية.
قد لا تكون الديناميكيات السياسية المحلية في الولايات المتحدة واضحة تمامًا، لكنها تميل رغم ذلك إلى تأييد الانسحاب. لم يكن ترامب رافضًا للتدخل بشكل قطعي كما بدا أنه يروج لنفسه، لكنه عبَّر منذ وقت طويل عن معارضته لحرب العراق (التي كانت موضوعًا رئيسيًا لحملته في عام 2016) وكان قد فكر في الانسحاب من سوريا خلال فترته الرئاسية الأولى.
رغم ميله المتنامي للتدخل العسكري في فترته الرئاسية الثانية، فإنه استمر في التنديد بالحروب الأميركية التي لا نهاية لها، ولا سيما في الشرق الأوسط. ومن ثم فإن مغادرة العراق تنسجم مع خطاب الرئيس الأميركي المستمر منذ وقت طويل وأيضًا مع آراء شرائح مهمة من قاعدته السياسية. إلى الحد الذي كانت واشنطن قد زعمت فيه أن التحالف ظل موجودًا في العراق بناءً على طلب حكومته، فإن رغبة بغداد بانسحاب القوات شكل تعقيدًا منذ مدة من الزمن.
أخيرًا، كما لاحظ مسؤول أميركي لمجموعة الأزمات، وسط الحرب مع إيران، سيكتسب الانسحاب ميزة إضافية تتمثل في تقليص عدد الأهداف التي يمكن أن تصل إليها طهران بسهولة.
نظريًا، ينبغي أن يشكل الانسحاب محطة بارزة في علاقة العراق بالولايات المتحدة وفي طريقه الطويل نحو الوصول إلى وضع طبيعي بعد الفوضى والعنف اللذان حلّا في البلاد منذ الغزو الأميركي عام 2003. لقد رغبت سلسلة من الحكومات العراقية بعقد اتفاقيات تعاون أمني ثنائية بشروط العراق ومع الدول التي يختارها. بات بوسع بغداد الآن عقد هذه الاتفاقيات، ليس فقط مع الولايات المتحدة، بل أيضًا مع شركاء سابقين في التحالف مثل المملكة المتحدة وفرنسا.
لكن مهما كان الانسحاب ضروريًا من الناحية السياسية، لن تكون بغداد قادرة على الأرجح على تقديم رحيل التحالف على أنه لحظة احتفالية، بالنظر إلى أنه يتزامن مع الحرب الأميركية–الإسرائيلية مع إيران، التي حولت العراق إلى ميدان معركة. بدلًا من ذلك، سيركز توقيت الانسحاب المزيد من الانتباه على الآثار الجانبية لذلك الصراع.
على عكس ما حدث خلال الانسحاب الأميركي في عام 2011، لا يتعين على العراقيين توقُّع الحرب التالية، إذ إنها بدأت فعلًا بالتأثير في البلاد. ولذلك فإن مخاوف العديد من العراقيين لا تتمحور حاليًا حول مخاطر عودة داعش إلى الظهور، بل حول المجموعات المحلية المتحالفة مع إيران التي قد تقوم بأفعال تتحدى سياسة الحياد التي تتبناها الحكومة في الحرب الأميركية–الإيرانية، تضامنًا مع شركائها في "محور المقاومة"، ومن ثم تثير أعمالاً عسكرية انتقامية من أطراف خارجية.
كان من الصعب التنبؤ ببعض التعقيدات التي يمكن أن يشكلها الانسحاب للعلاقات العراقية–الأميركية عندما وُضع الجدول الزمني للانسحاب. جرى ذلك خلال لحظة متوترة أخرى، في أعقاب اندلاع حرب غزة، عندما قوض الدعم الأميركي للرد العسكري الإسرائيلي الوحشي على هجمات حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول الدعم الشعبي لعلاقات ثنائية وثيقة. في سبتمبر/أيلول 2024، عندما كان سلف الزيدي، محمد شياع السوداني رئيسًا للوزراء وكان جو بايدن رئيسًا للولايات المتحدة، اتفقت بغداد وواشنطن على نهاية تدريجية للمهمة العسكرية للتحالف.
كان من المزمع أن تبدأ بانسحاب التحالف من قواعد في العراق الفيدرالي بحلول سبتمبر/أيلول 2025، يتبعه الانسحاب النهائي من إقليم كردستان بحلول 30 سبتمبر/أيلول التالي.
الآن، وعلى خلفية الحرب الأميركية–الإيرانية، قد يجتذب الانسحاب قدرًا أقل من الاهتمام كمؤشر على استعادة البلاد من داعش، بل سيشكل اختبارًا لما إذا كانت حكومتها تستطيع ترميم سيادة العراق التي تعرضت لضربات كثيرة وحماية أمنها الداخلي في لحظة أزمة إقليمية.
كبح جماح المجموعات المسلحة
لقد أعلن الزيدي أن نهاية مهمة التحالف ينبغي أن تشكل بداية لنزع سلاح المجموعات التي تعمل على نحو مستقل عن الدولة. وقد حدد يونيو/حزيران 2027 موعدًا نهائياً لإكمال هذه العملية. وحجته السياسية مباشرة وواضحة: حالما تنسحب قوات التحالف، لا ينبغي أن تكون الفصائل المسلحة قادرة على استحضار وجود تلك القوات على الأرض للاحتفاظ بهيكليات عسكرية منفصلة. ومع إعلانه نهاية المهمة في 30 سبتمبر/أيلول، يتوقع أن ترحب بعض الفصائل بتطور يحقق مطالبها القديمة وأن ترد عليه بالتزامها بوقف الأعمال القتالية من جهتها.
لكن لن تفعل كل المجموعات المسلحة ذلك، بالنظر إلى التباينات فيما بينها والديناميكيات التي أحدثتها الحرب الأميركية–الإسرائيلية مع إيران. ظهرت قوات الحشد الشعبي كطيف من المجموعات المسلحة الشيعية المحتشدة لمحاربة داعش والتي دُمجت اسميًا لاحقًا في أجهزة الأمن الرسمية العراقية، حيث يحتفظ كثير منها بسلاسل قيادة مستقلة. إنها لا تشكل فصيلًا واحدًا، ولديها علاقات مختلفة جدًا مع طهران. لم تنخرط جميعها في هجمات خارج حدود العراق.
وبعض المجموعات، مثل عصائب أهل الحق، تبدو مستعدة للتفاوض بشأن علاقاتها المستقبلية مع الدولة. مجموعات أخرى، بما فيها فصائل مرتبطة بجماعات تصف نفسها بالمقاومة الإسلامية في العراق، مثل كتائب حزب الله وحركة النجباء، ترتبط أيديولوجيًا وعملياتيًا بشبكة إيران الإقليمية. وتتجاوز معارضتها للولايات المتحدة وجود قوات التحالف في العراق، وشكلت عاملاً ذا قيمة كبيرة يسهم في فرض إيران قوتها في الخارج.
هذه الفصائل الأخيرة هي التي شاركت في حرب الشرق الأوسط، فضربت أهدافًا مرتبطة بالولايات المتحدة والبنية التحتية للطاقة في بلدان مجاورة، بما فيها الأردن، والكويت، والسعودية. لقد عرَّضت أفعالها علاقات بغداد بدول الخليج العربية للتوتر، وكما لاحظنا أعلاه، عرَّضت العراق لرد عسكري انتقامي من قبل الولايات المتحدة والسعودية.
وهكذا، فإن لدى الزيدي أسبابه الخاصة للرغبة بكبح جماحها، بالنظر إلى أن حكومته لا تستطيع طمأنة جيرانها على نحو يحظى بالمصداقية، واجتذاب الاستثمارات أو اتباع سياسة خارجية حيادية بينما هناك جماعات مسلحة تتخذ قراراتها في الحرب والسلم على نحو مستقل عن إرادتها.
تشكل المفاوضات الجارية مع مجموعات بعينها مسارًا محتملًا، وإن يكن تدريجيًا، نحو وضع الطواقم والقدرات تحت سيطرة الدولة. كما أن من شبه المؤكد أن تستغرق وقتًا أطول بكثير مما تسمح به المواعيد النهائية التي حددها الزيدي.
إذا تعرقلت المحادثات، يمكن أن يواجه الزيدي ضغوطًا أميركية لاستعمال القوة ضد المجموعات التي أحجم رؤساء وزراء سابقون عن مواجهتها عسكريًا، خشية حدوث صراع شيعي داخلي وحصول احتكاك مع إيران. في مقابلة أجريت مع الزيدي في منتصف سبتمبر/آيلول، قال إن المجموعات التي تستمر بالعمل كميليشيات منفصلة ستعد خارجة عن القانون. لم يحدد بعد الإجراءات التي يمكن للحكومة أن تتخذها لضبط تلك التي تتحداه.
طالما ظلت طهران تعتمد على شركاء عراقيين وثيقين في حربها مع الولايات المتحدة، سيظل لدى هذه المجموعات مبرر للاحتفاظ باستقلالها العسكري، وقد تسعى إلى إطالة المفاوضات دون التخلي عن أسلحتها. حتى بعد انسحاب التحالف، من المرجح أن تشير إلى علاقات أمنية أخرى مع الخارج، بما في ذلك قاعدة تركية في شمال العراق، للدفاع عن موقفها.
لقد جادل البعض فعلًا بأن أي خطة لنزع السلاح يجب أن تعالج في الوقت نفسه وضع بشمركة إقليم كردستان، رغم أن المقارنة غير مناسبة: فقوات البشمركة يحكمها قانون محدد، وبموجب الدستور العراقي فيما يتعلق بمسؤولية الأقاليم الاتحادية عن تنظيم أمنها الداخلي وأمن حدودها. ولذلك ينبغي على الحكومة التمييز بين القوات العاملة تحت سلطة الدولة أو الإقاليم المعترف بها، والفصائل التي تشن هجمات دون أي تبرير من ذلك القبيل.
نقاط هشاشة إقليم كردستان
يتسم رحيل التحالف بأهمية خاصة لإقليم كردستان، إذ قدمت قواته الدعم للبشمركة، وظلت القوات الأميركية موجودة فيه حتى بعد مغادرة قواعد أخرى في العراق في سبتمبر/أيلول 2025. أربيل غير سعيدة برؤية رحيل هذه القوات؛ وقد وصف رئيس وزراء حكومة الإقليم، مسرور بارزاني، الانسحاب في هذه اللحظة بأنه "مُخزٍ"، لأنه قلق بالتأكيد بشأن كيفية إدارة التهديد الذي تشكله إيران والمجموعات المتحالفة معها، والتي استهدفت الإقليم على نحو منتظم على الأقل منذ بداية الحرب في فبراير/شباط.
يبدو أن بعض الضربات كانت مدفوعة بوجود القوات الأميركية، انسجامًا مع الهجمات على دول مجاورة أخرى تستضيف قواعد أميركية. لكن الضربات شبه اليومية أصابت أيضًا مجموعات معارضة كردية إيرانية موجودة في العراق وصفها مسؤول كردي لمجموعة الأزمات، بأنها تحذير لكردستان لإبقاء هذه المجموعات خارج الصراع الحالي.
من المؤكد أن انسحاب التحالف سيفاقم نقاط الهشاشة هذه؛ فقوات التحالف الموجودة في أربيل وفَّرت للإقليم مستوى معين من الدفاع الجوي. وسيعني رحيلها الوشيك فقدان هذه القدرات، الأمر الذي يكشف الإقليم أكثر أمام الهجمات بالصواريخ والمسيّرات.
لاحظ المسؤول الكردي لمجموعة الأزمات أن الهواجس بشأن الانسحاب "لم تكن تتعلق بالأمن والحماية فحسب، بل بالرسالة التي يبعثها ذلك إلى خصومنا"، الأمر الذي يعكس مخاوف من أن إيران وأطراف أخرى سترى في انسحاب الولايات المتحدة مؤشرًا على أنها لن تبدي اهتمامًا كبيرًا بمستقبل الإقليم.
لكن الدعم الأميركي لن ينتهي بشكل كامل بالضرورة، حتى لو تغير الأساس الذي يقدَّم بموجبه. حتى الآن، كان الدعم الأميركي للبشمركة محكومًا بمذكرة تفاهم بين البنتاغون ووزارة شؤون البشمركة في حكومة إقليم كردستان، وُقِّعت أوًلًا في عام 2016 ثم جددت آخر مرة في عام 2022.
لكن رغم أن الولايات المتحدة لا ترغب بتمديد الاتفاق، فإن السلطات الكردية ستستمر في الضغط على واشنطن والشركاء الآخرين في التحالف لتقديم المساعدة على شكل ضربات جوية، وتبادل للمعلومات الاستخبارية، والتدريب والعتاد – والتي لا يتطلب أي منها بالضرورة وجود للقوات داخل العراق – إضافة إلى تطمينات أوسع بتقديم المساعدة في وجه التهديد العسكري من إيران والمجموعات التي تدعمها.
قد يكون من المفيد أن حكومة الإقليم أعلنت في سبتمبر/أيلول إكمالها لإعادة تنظيم البشمركة التي طلبتها الولايات المتحدة وجرى التوافق عليها في مذكرة التفاهم التي انتهى أمدها. لكن التعاون المستقبلي سيتطلب مزيدًا من العمل لتحديد الشروط التي ستعمل بموجبها بغداد، وأربيل والشركاء الأجانب. من المؤكد أنه سيتعين على أربيل وبغداد، التي اتسمت علاقتهما بالتوتر، العمل معًا وعلى نحو وثيق أكثر.
لكن على الأقل في الوقت الحاضر، يقول المسؤولون الأكراد إنهم معجبون بالزيدي ويعتقدون أنه مخلص في عزمه المعلن محاولة معالجة مشكلة الميليشيات.
التطلع إلى المستقبل
عندما عاد ترامب إلى البيت الأبيض في فترته الرئاسية الثانية، كان جزء كبير من قاعدته يأمل ويعتقد أن إدارته ستتجنب المغامرات العسكرية وستسعى إلى إخراج البلاد من المستنقعات الإستراتيجية. وبدا أن بعض قرارات تعييناته، ولا سيما في البنتاغون، تعطي مصداقية لمثل ذلك التكهن، وكذلك وجهات نظر نائب الرئيس، جي. دي. فانس بشأن السياسة الخارجية.
لم يكن المسؤولون الذين سعوا إلى اتباع سياسة خارجية أكثر ضبطًا للنفس أو التركيز على التنافس مع الصين بتقليص الالتزامات في الخارج هم القوة المهيمنة داخل الإدارة الجديدة، لكنهم احتفظوا رغم ذلك بمناصب رئيسية. كانت كلتا هاتان المجموعتان تفضلان إعادة تقييم وضع القوات الأميركية في الشرق الأوسط، ولا سيما المهمات التي ورثتها في العراق وسوريا.
مهما كان النفوذ الذي يتمتع به هذا المعسكر، فإن تصوراته لم تكن موجهة بالقرارات السياساتية المتخذة في عام ترامب الأخير في منصبه، التي تميزت بالأحادية العدوانية والاعتماد على القوة العسكرية كأداة في عمل الدولة. لكن مسار السياسة الأميركية حيال العراق وسوريا يُعد استثناءً لتلك النزعة. تقول مصادر الإدارة لمجموعة الأزمات أن مسؤولين أميركيين رسميين، ولا سيما في البنتاغون، تحمسوا نتيجة الإطاحة غير المتوقعة بالرئيس بشار الأسد في سوريا فدفعوا من أجل إعادة تقييم وجود القوات الأميركية هناك، وكانت لهم اليد العليا في سلسلة من المناظرات السياساتية الداخلية حول المسألة.
تعززت هذه الجهود عندما بات واضحًا مدى الهشاشة التي أصبحت عليها القوات الأميركية في المنطقة نتيجة الصراع مع إيران. كما أن لدى المسؤولين آراء إيجابية بالزيدي، الذي زار واشنطن في يوليو/تموز، واستُقبل بحرارة من قبل ترامب. وهم مسرورون على نحو خاص بتعهدات الزيدي بشأن نزع سلاح القوات المسلحة. حتى أولئك المتشككون بمدى نجاح تلك الجهود يقدرون لهجة وثقة رئيس الوزراء العراقي.
من المرجح أن ما سيحدث تاليًا في العلاقات الأميركية–العراقية، سيعتمد على المسار غير المؤكد الذي تتخذه الحرب الأميركية مع إيران، إذ من المرجح أن يدفع صراع طويل إيران إلى حشد شركائها في العراق لاستعمال البلاد كقاعدة تشن منها هجمات على مصالح الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين. وذلك بدوره سيقوض العلاقة الثنائية ويمكن أن يؤدي إلى تحركات أميركية عقابية في وقت لا تزال واشنطن تتمتع فيه بنفوذ كبير، لا سيما وأنها تسيطر على جزء كبير من عائدات العراق النفطية المودعة في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
لقد استعملت إدارة ترامب النفوذ الذي توفره العائدات النفطية للولايات المتحدة مرتين في الضغط على العراق لاتخاذ إجراءات أكثر فعالية لتقليص نفوذ إيران. وفي الوقت الحاضر، خفف وصول الزيدي إلى السلطة التوترات، ويمنحه انسحاب الولايات المتحدة حجة لكبح جماح المجموعات المسلحة. وقد يكون هذا كافيًا بالنسبة له لتحقيق التقدم مع بعض المجموعات. لكن المشككين محقون في التساؤل حول مدى التقدم الذي سيكون قادرًا على تحقيقه.
سيكون من غير الواقعي نهائيًا توقع أن تتمكن بغداد من إجبار المجموعات على تسليم أسلحتها أو قطع علاقاتها مع إيران التي تشكلت على مدى سنوات من الصراع الإقليمي.
إن رمزية 30 سبتمبر/أيلول مهمة، لكن استقرار العراق سيعتمد في النهاية أكثر على ما إذا كانت الولايات المتحدة ستمنحه الوقت والمجال الكافيين لوضع المجموعات المسلحة تحت السيطرة المركزية، وما إذا كانت بغداد وواشنطن ستعملان معًا لحماية العراق من أسوأ آثار المواجهة الأميركية-الإيرانية في هذه الأثناء.