هل يغيّر تولّي امرأة رئاسة الحكومة واقع النساء؟
قنطرة: ترأس امرأة الحكومة في المغرب لأول مرة. هل كان تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للوزراء نهاية سبتمبر/أيلول مفاجأة؟
غزلان ماموني: المفاجأة الحقيقية هي أننا اضطررنا للانتظار حتى عام 2026 لنرى امرأة تتولى رئاسة الوزراء. نحن نعرف فاطمة الزهراء المنصوري بالفعل من خلال عملها عمدةً لمدينة مراكش ووزيرةً لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة. كما أنها منسقة القيادة الجماعية لحزب "الأصالة والمعاصرة" (PAM)، الذي فاز بالانتخابات البرلمانية في 23 سبتمبر/أيلول. ووفقًا للدستور، يجب على الملك تعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي يتصدر نتائج الانتخابات التشريعية. لذا، فإن اسم المنصوري كان متداولًا منذ أشهر.
لكن ثمة انتقادات بشأن تعيينها تدور في المغرب أيضًا، مفادها عدم إمكانية الالتزام بالبروتوكول الملكي، كون المنصوري، امرأة، لا يمكنها الصلاة بجانب الملك في المسجد. كيف تقيمين ذلك؟
هذا يعني أن الانتقادات الموجهة إليها لا تتعلق ببرنامجها، ولا بمسارها المهني، ولا حتى بنقصٍ في كفاءتها، بل تتركز حول مكان جلوسها في المسجد. مع أن البروتوكول ليس سوى أَعرافٍ وتقاليدَ، بينما الدستور هو الأسمى فوق الجميع. فالأحكام الواردة في الفصل 19 تُقرّ بوضوح المساواة بين الرجل والمرأة، في حين أن الفصل 47، الذي ينظم تعيين رئيس الحكومة، لا يتضمن أي شروطٍ جنسية أو تمييزية. وإذا ما تعارضت الأعراف مع الدستور، فالواجب تعديل الأعراف، وليس العكس إطلاقًا.
كيف يبدو وضع النساء في السياسة المغربية بشكل عام؟
التقدم يسير ببطء. ففي مجلس النواب الجديد، الذي يضم 395 مقعدًا، تشغل النساء 107 مقاعد، من بينها 90 مقعدًا بفضل نظام الكوتا (المحاصصة)، بينما لم تفز سوى 17 امرأة فقط عبر التنافس المباشر في الدوائر الانتخابية المحلية. وهذا يعني أنه لولا نظام الكوتا لكان البرلمان المغربي حكرًا على الرجال تقريبًا.
لكن في نهاية المطاف، لا يهم إن كانت المرأة برلمانية أو وزيرة أو رئيسة حكومة؛ فبمجرد خروجها من مكتبها، لا يُسمح لها – دون موافقة الأب – بتدبير الحساب البنكي الادخاري لأطفالها القصر ولا السفر بهم إلى الخارج. فوفقًا لمدونة الأسرة، يُعتبر الأب هو الولي الشرعي، ولا تنتقل الولاية إلى الأم إلا في حالة وفاته.
على ذكر مدونة الأسرة، كان الملك المغربي محمد السادس قد أعلن في عام 2022 عن إجراء إصلاحات على قوانين الأسرة هذه، المعروفة باسم "المدوَّنة"، فما مستجدات هذه التعديلات؟
حتى الآن، لم يتحقق شيءٌ ملموس. فبعد الإعلان الذي أصدره الملك في خطاب العرش لعام 2022، أجرت لجنةٌ استشاراتٍ وقدمت مقترحاتها إلى الملك، غير أن هذه المقترحات لم يُكشف عنها قط للعلن.
وبدوره، أحال الملك بعضًا من هذه المقترحات إلى "المجلس العلمي الأعلى" للبت فيها وإبداء الرأي. وقد أبدى المجلس بدوره اعتراضاتٍ على الإصلاح، ولا سيما في قضايا الإرث، ونسب الأطفال المولودين خارج إطار الزواج، إضافةً إلى تعدد الزوجات.
وفي أواخر عام 2024، قدّمت وزارة العدل ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية عرضًا شفهيًا للخطوط العريضة للإصلاح المزمع، والتي كان من المفترض أن تصوغ لجنةٌ بناءً عليها مشروعَ قانون. ومنذ ذلك الحين، لم نسمع أيَّ جديد.
ما رأيكِ في المقترحات الأولية؟
تتضمن تلك المقترحات تقدمًا حقيقيًا؛ فعلى سبيل المثال، سيكون بإمكان المرأة الاحتفاظ بحق الحضانة حتى لو تزوجت من جديد. كما سيتم احتساب العمل الرعائي غير المدفوع الأجر (الرعاية المنزلية) عند الطلاق لتقييم مساهمة كل من الزوجين في تكوين الأموال المشتركة للأسرة. وعلاوة على ذلك، يُضمن للزوج أو الزوجة الأرملة حق السكن مدى الحياة في مسكن الزوجية بعد وفاة الطرف الآخر. بيد أن هذا التقدم يتوقف عند النقطة التي تبدأ عندها المساواة الحقيقية.
نضال نسوي يصطدم بالاعتبارات الدينية
بينما ترتقب الناشطات النسويات في المغرب بفارغ الصبر الإصلاح المزمع إجراؤه على مدونة الأسرة، يلتزم الملك والهيئة المُكلفة بالإصلاح الصمت إزاء التعديلات الجديدة. بيد أن جدلا يلاحقها حول مدى التزام تلك المدوَّنة بمبادئ القرآن.
ماذا يعني ذلك؟
لقد رفض "المجلس العلمي الأعلى" مقترحاتٍ أساسية؛ إذ يُستبعد حتى في المستقبل السماحُ باستخدام اختبارات الحمض النووي (DNA) لإثبات النسب. وبذلك سيظل العديد من الأطفال المولودين خارج إطار الزواج محرومين من نظام النسب في المغرب، الذي يقتصر على الأب وحده. وهذا يعني استمرار معاناتهم مع وثائق الهوية، وفرص الالتحاق بالتعليم، والحصول على الإرث.
أما في أحكام المواريث، فسيبقى مَبدأ "التعصيب" قائمًا؛ بحيث يَتوجب على البَنات اللاتي ليس لديهن إخوةٌ ذكور اقتسامُ تركة أبيهن مع الأعمام أو أبناء العم. كما أن الإصلاح لم يَمَسّ مبدأ المساواة بين الرجال والنساء ممن يملكون درجة القرابة نفسها، كالأخ والأخت مثلًا.
فضلًا عن ذلك، سيتواصل حرمانُ النساء غير المسلمات من إرث أزواجهن المسلمين، لتبقى "الهِبةُ" في حياة الزوج هي الخيارَ الوحيد المتاح في هذه الحالة. وفي المقابل، تُعتبر مقترحاتٌ أخرى بمثابة تراجعٍ وانتكاسةٍ حقيقية.
وما هي تلك النقاط تحديدًا؟
سيظل زواج القاصرات ممكنًا في الحالات الاستثنائية، وإن كان ذلك بدءًا من سن السابعة عشرة. أما من الناحية العملية، فالنتيجة تماثل تماماً تحديدَ السن القانونية للزواج عند 17 عامًا.
وفيما يتعلق بتعدد الزوجات، الذي سيبقى مسموحًا به بإذن قضائي، فيمكن للزوج مستقبلاً التذرع بعقم الزوجة أو بأسباب صحية أخرى تعوق القيام بـ"الواجب الزوجي". ففي الوقت الذي يُفتَح فيه السجلُّ الطبي للمرأة للتفاوض حول واجباتها الزوجية، لن يُعتبَر الاغتصاب الزوجي جريمةً يعاقب عليها القانون، على الرغم من أننا نناضل من أجل ذلك منذ سنوات. وبالتالي، يُفرض على المرأة واجبٌ محدد، دون أن يُمنح لها أي حماية.
وباختصار؛ سيواصل الرجال التحكّم في ممتلكات المرأة، وإثبات نسب أبنائها والولاية عليهم، بل وحتى في جسدها. هذا القانون يعتبر نوعًا من العنف المعنوي، حتى ولو خَلا من الاعتداء الجسدي.
لم يطرح البرلمان الجديد إصلاح "المدونة" للنقاش إلى الآن. فهل اتضحت بعدُ ملامح القوى المؤيدة للإصلاح وتلك المعارضة له؟
في برامجها الانتخابية، لم يطالب بإصلاح مدونة الأسرة سوى حزبين اثنين فقط، وهما: "تحالف اليسار" وحزب "التقدم والاشتراكية"؛ حيث تطرّقا على سبيل المثال إلى إلغاء زواج القاصرات. في المقابل، يرفض حزب "العدالة والتنمية" الإصلاح بالكامل. أما الأحزاب الأربعة الأخرى التي تشكل معًا أغلبية المقاعد في البرلمان، فلم تتضمن برامجها أي ذكر لهذا الموضوع، ومن بينها حزب "الأصالة والمعاصرة" الذي تتزعمه رئيسة الوزراء المنصوري.
وماذا عن مجلس العلماء، الذي كانت لديه تحفظات على المقترحات الأولى؟
لقد وافق العلماء على معظم المقترحات ولم يرفضوا سوى القليل منها، غير أنها كانت النقاط الأهم والأكثر حسمًا. لكن من الناحية القانونية، ينبغي لنا تدقيق النظر؛ إذ إن "المجلس العلمي الأعلى" يملك صلاحية إصدار الفتاوى، وهي بمثابة إبداء رأي أو تقديم استشارة، وبالتالي فهي غير ملزمة قانونًا. فالأحكام الواردة في الفصل 71 من الدستور تنقل اختصاص تشريع قانون الأسرة إلى البرلمان حصرًا؛ فالمُشرّع هو من يصوغ القانون، وهو من يتحمل المسؤولية عن ذلك أمام الناخبين.
جراح الروح والجسد: إرث ناشطة أدبية نسوية رحلت مبكرةً
مليكة مستظرف كاتبة مغربية (1969-2006) تتمحور كتبها حول الجنس والنظام الذكوري وحقوق المرأة. وتركت بعد وفاتها عن عمر 37 سنة إرثا أدبيا مثيرا. ميلاني كريستينا مور قرأت ترجمة أحد كتبها لموقع قنطرة.
بصفتك محامية، أنتِ تدافعين أيضًا عن الناشطة النسوية إبتسام لشكر الملقبة بـ"بيتي"، المعتقلة بسبب نشرها صورة سيلفي ترتدي فيها قميصًا كُتبت عليه عبارة "الله IS LESBIAN". ما هي خلفيات هذه القضية؟
يعدّ الشعار المكتوب على القميص تحويرًا لشعار نسوي يعود إلى سبعينيات القرن الماضي، وكانت لشكر تهدف من ورائه إلى دعم إيرانيتين صادرٍ بحقهما حكمٌ بالإعدام. وقد التقطت الصورة في المملكة المتحدة، حيث لا يُعدّ هذا الفعل جريمة يُعاقب عليها القانون هناك. غير أنه في المغرب، صدر بحقها حكمٌ بالسجن لمدة 30 شهرًا وبغرامة مالية قدرها 50 ألف درهم (نحو 4,500 يورو) بتهمة ازدراء الأديان (الإساءة إلى الدين الإسلامي).
ومنذ 10 أغسطس/آب 2025، تقبع لشكر في السجن لتنفيذ عقوبتها. وهي متعافية من سرطان العظام وتضع طرفًا اصطناعيًا في ذراعها العلوي. وفي المعتقل، لم يتم استبدال هذا الطرف الاصطناعي وفق المعايير الطبية المحددة، مما أدى إلى انفصاله، حيث تعرضت لشكر لكسر وأصبحت غير قادرة على تحريك ذراعها. وتقتصر الرعاية الطبية المقدمة لها على مسكنات الألم (الباراسيتامول). إن هذا الوضع يشبه عقوبة إعدام لم يوقع عليها أي قاضٍٍ قطّ.
ماذا تعني قضية لشكر بالنسبة للحركة النسوية في المغرب؟
إنه تحذير يخصنا جميعًا. إذ يمكن سجن ناشطة نسوية تُحدث ضجة بسبب صورة – حتى وإن نُشرت في الخارج، حيث تحظى مثل حرية التعبير هذه بالحماية. فلا ينبغي لأي مغربية أو مغربي في الخارج أن يتجاهل ذلك. ولكن القضية تُعدّ أيضًا اختبارًا للمغرب. فالبلاد تُقدّم نفسها على أنها بلد إصلاحي تقوده امرأة على رأس الحكومة، ويمتلك دستورًا يكفل حرية التعبير. وسيوضح مصير إبتسام لشكر ما إذا كانت هذه الضمانات تنطبق أيضًا على النساء اللاتي لا يحظين بالرضا.
على أي حال، فإن الحركة النسوية لن تُرهَب. فلا يمكن إسكات النساء بحبس واحدة منهن، بل إن ذلك يوحّدهن.
ترجمه من الألمانية: عبد الرحمن عفيف
قنطرة ©