حين يسقط شعار "القوة الصاعدة" أمام صدمة الواقع
في الوقت الذي كان العالم يتفاعل مع أحداث سبتة منذ مدة، احتاجت الحكومة المغربية أربعة أيام لتخرج عن صمتها إزاء التدفق المفاجئ لعشرات الآلاف من المهاجرين المغاربة وغير المغاربة نحو المدينة الخاضعة للحكم الإسباني منذ أربعة قرون ونيف. جاء الرد عبر المتحدث باسم وزارة الداخلية الذي استعرض في بلاغ صحفي، السردية الرسمية لواقعة "الهروب الجماعي"، ملقيًا باللوم على "عدة عوامل متداخلة، في مقدمتها استغلال الفضاء الرقمي، وترويج معلومات مضللة، ونشاط عصابات الاتجار بالبشر (...)".
لكنه التفّ على تقديم إجابات مباشرة عن الأسئلة الجوهرية التي تؤرق المغاربة: لماذا يزحف آلاف المواطنين من أرض محررة إلى ثغر محتل بحثًا عن الخلاص؟ تكشف هذه الصورة عن كيفية تقدير الدولة لحدث غير مسبوق في تاريخ المغرب المعاصر، سيبقى في الذاكرة الجمعية.
عرّت هذه الأحداث واقعًا مؤلمًا لم نكن بحاجة لتجرع مرارته بخسارة عشرات الأرواح غرقًا لنستوعب أبعاده. وقد جاءت بالتزامن مع الاحتفال بالذكرى 27 لعيد العرش، على بعد كيلومترات قليلة من مدينة تطوان التي تحتضن المراسم الرسمية، ومع ذلك لم تحظ الفاجعة سوى ببلاغ صحفي يتيم بعد أيام من الصمت المطبق. في المقابل، تسارعت التطورات في الجانب الإسباني، حيث تحرك رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بسرعة نحو سبتة، وخرج الملك فيليبي السادس عن صمته المعهود في القضايا السياسية الشائكة، مطالبًا الحكومة باتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف محاولات اقتحام المدينة من المهاجرين.
أشعلت هذه التطورات أزمة داخلية متصاعدة في مدريد، سرعان ما امتدت أصداؤها إلى أروقة الاتحاد الأوروبي، واكتسبت بعدًا دوليًا لافتًا مع دخول واشنطن وتل أبيب على خط الاشتباك السياسي مع بيدرو سانشيز، بسبب مواقفه الإنسانية من الحرب الإسرائيلية على غزة. وتجلى ذلك، في التراشق الرقمي على منصة إكس بين داني دانون، مندوب إسرائيل الدائم لدى الأمم المتحدة، الذي قال في تغريدة: "ربما قبل أن تواصل إعطاءنا الدروس، حان الوقت لكي تشرح للعالم لماذا لا تزال تحتفظ بجيوب استعمارية في إفريقيا"، في إشارة إلى مدينتي سبتة ومليلية اللتين يطالب المغرب باسترجاعهما، قبل أن يرد عليه وزير النقل الإسباني أوسكار بوينتي قائلاً: "كل شيء أصبح أكثر وضوحًا"، في تعليق فُسر بأنه تلميح لدور إسرائيلي في الأحداث.
هكذا تجاوزت الأحداث نطاقها المحلي، لتتحول منذ الساعات الأولى إلى ورقة ضغط ومساومة في حلبة صراعات جيوسياسية، يوظفها كل طرف بما يخدم مصالحه وأجنداته. وسط هذا الرخم، بدا الصمت الرسمي المغربي أمام هول الفاجعة مستغربًا، ولا يتناغم مع السردية الرسمية التي تروّج للمغرب كقوة إقليمية صاعدة.
تفسيرات متعددة
مع تطورات الأحداث، توالت التفسيرات لفك شيفرات هذا المشهد المعقد؛ فذهب بعضها إلى ربط ما جرى بتقلبات البوصلة السياسية داخل إسبانيا تجاه المغرب، بدءًا من زيارة رئيس الوزراء سانشيز إلى الجزائر الشهر الماضي، وتداول البرلمان الإسباني مشروع قانون يقضي بمنح الجنسية الإسبانية لأحفاد الصحراويين المولودين إبان الحقبة الاستعمارية، إلى جانب تعقيدات ملف إعادة فتح الجمارك التجارية مع سبتة ومليلية. فيما قرَن آخرون الحدث بتحولات ملف الهجرة، لا سيما قرار المحكمة العليا الإسبانية الصادر في 8 يوليو/ تموز الماضي، القاضي بعدم قانونية الإرجاع الفوري للمهاجرين غير النظاميين، فضلًا عن قرار الحكومة الإسبانية مطلع العام الجاري، عزمها تسوية أوضاع نحو 500 ألف مهاجر غير نظامي.
من جانبها، تبنّت إسبانيا رواية مفادها أن تفسيرًا مضللًا لحكم قضائي بشأن تعذّر إعادة المهاجرين من الحدود، وهو التفسير الذي روّجت له شبكات الاتجار بالبشر على نطاق واسع، كان وراء تصاعد تدفقات المهاجرين نحو سبتة. غير أن هذه الرواية تبدو غير كافية لتفسير ما حدث؛ إذ يصعب تصور تحرك عشرات الآلاف باتجاه مدينة لا يتجاوز عدد سكانها 83.5 ألف نسمة بصورة عشوائية ومن دون توجيه أو تنظيم، ما يطرح احتمال وجود جهة ما دفعت بهذا التحرك، بهدف توجيه رسالة سياسية إلى طرف بعينه.
شكّلت هذه الأزمة فرصة مثالية لليمين المتطرف في أرجاء أوروبا لتصفية حساباته مع بيدرو سانشيز، ذاك الصوت اليساري المتزن الذي عرى بموافقه النفاق الأوروبي المزدوج حيال الإبادة الجماعية في غزة والتصعيد في إيران. فقد هرعت حكومة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، إلى تعليق اتفاقية "شنغن" لحرية التنقل مع إسبانيا مؤقتًا، وفرض رقابة صارمة على الحدود معها، وهو ما أثار احتجاجًا إسبانيًا. وردّ سانشيز بالتشديد على أن التعاطي مع الهجرة يجب أن يقوم على احترام المعاهدات الأوروبية والتضامن بين الدول، مشيرًا إلى أن بيانات وكالة فرونتكس تظهر أن إسبانيا سجلت 234,760 حالة عبور غير نظامي منذ عام 2021 مقابل 478,600 حالة في إيطاليا، أيّ أقل من نصف الرقم المسجل في إيطاليا.
صورة مثالية مناقضة للواقع
عودةً إلى المغرب، حيث تحولت أجساد مواطنيه إلى وقود في حرب جيوسياسية بين الأوروبيين، بعدما بلغ عدد الضحايا 90 قتيلًا وفقًا للسلطات الإسبانية، تبدو الروايات والتبريرات، مهما تعددت، عاجزة عن تفسير واقع مؤلم بات فيه الهروب يتجاوز كونه مخاطرة فردية ليغدو حلمًا جماعيًا يائسًا. وفي مغرب تواصل أدواته الرسمية الترويج لصورة مثالية يتردد صداها في العالم الافتراضي، لكنها تبدو منفصلة عن الواقع المعيش، يجد النظام نفسه أمام أسئلة حارقة، لا الحكومة، التي تُعدّ جزءًا من المشكلة أكثر من كونها جزءًا من الحل، دفاعًا عن صورة "المغرب الصاعد" التي استغرق بناؤها سنوات وأصبحت رأسمالًا رمزيًا يصعب التفريط فيه.
ثمن التطوير يدفعه السكان
بينما يواصل أسود الأطلس تألقهم في كأس العالم 2026، تواصل الجرافات في الدار البيضاء والرباط تمهيد الطريق لاستحقاق عام 2030، حيث سيشارك المغرب في استضافة البطولة، إلا أن كلفة هذه الاستعدادات تلقي بظلالها الثقيلة على السكان المحليين.
أولا؛ تبقى الرواية التي تستند إلى "الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي" و"ترويج معلومات مضللة"، بحديث بلاغ وزارة الداخلية، موضع تساؤل والتباس كبيرين، فالشائعات قد تنجح في التحريض، لكنها حتمًا عاجزة عن تجنيد آلاف الأشخاص ودفعهم للتحرك نحو المجهول، ما لم تكن هناك قابلية ذاتية واستعداد مسبق. كما أن هذا الطرح يمس في العمق - دون وعي من أصحابه - بصورة المؤسسة الأمنية والأجهزة الاستخبارية التي صنعت اسمها في مكافحة الإرهاب والتطرف عالميًا، فكيف لعيون لا تنام أن تفشل في رصد تحركات بهذا الحجم، سواء كانت افتراضية أو واقعية؟
ثانيًا؛ لا تعني الأرقام والمؤشرات الكلية، التي تمنح المغرب الصدارة أحيانًا، أن الوطن بخير، ففي ذات الرقعة التي يبلغ عدد سكانها نحو 36.8 مليون نسمة، يتجاور نحو 7500 مليونير، بينهم 423 شخصًا من فاحشي الثراء، جنبًا إلى جنب مع 2.5 مليون شخص يعانون الفقر متعدد الأبعاد، أي ما يعادل 6.8% من السكان عام 2024. وهذا ما يعني أن العلّة ليست في قدرة الاقتصاد على إنتاج الثروة، وإنما في عدالة توزيعها بين أبناء الوطن الواحد؟
ثالثًا؛ تبعث أزمة أحداث سبتة رسالة واضحة إلى الطبقة السياسية قبيل الانتخابات البرلمانية الشهر القادم، فحين يختار أكثر من 40 ألف مواطن، وفق الإحصائية الرسمية المغربية، من مختلف الأعمار البحر بكل احتمالات الموت فيه، بدلًا من الرهان على مؤسسات وأحزاب وإدارة لم تعد تصنع الفارق في حياتهم، يصبح التحدي الحقيقي كيف يتصالح هؤلاء مع وطن صار الخروج منه أرحم من البقاء فيه؟
لم تكن الفاجعة عند أسوار سبتة المحتلة مجرد أزمة هجرة عابرة بقدر ما هي لحظة كاشفة وسقوطًا مدويًا لثقافة التسويق السياسي في المغرب التي اقتاتت طويلًا على تجميل الواقع بدلًا من تغييره، فحين تتحفنا الأرقام الرسمية بشعارات "القوة الصاعدة" بينما تلتهم الفوارق الاجتماعية آمال الشباب، تغدو الرسالة أوضح من أن تُغطى ببيانات حكومية يتيمة.
هكذا تجد الدولة نفسها أمام مفترق طرق حقيقي؛ إما استيعاب صدمة النزوح الجماعي باعتباره استفتاء شعبيًا ضد السياسات القائمة، وإما مشاهدة أبنائها حطبًا في الصراعات الآخرين الجيوسياسية. لقد ولى زمن الحلول الترقيعية، وإن لم تُعَد قراءة المشهد بجرأة وشجاعة، فإن السؤال لن يكون عمن سيحاول الرحيل غدًا، بل عما سيبقى من الوطن لمن قرروا البقاء.
© قنطرة