الإسلام كبرنامج للاستجمام والنقاهة
يرى الباحث والصحفي الألماني ميشائيل لودرس أن الإسلاميين الجدد لا يهتمون بالمشاكل الاجتماعية وبإصلاح مجتمعاتهم، بل يعملون كحال المجموعات الطلابية الماركسية في السابق على خلق "واقع جديد" لهم تكون فيه الرموز وبلاغة النقد اللاذع أكثر أهمية من الواقع الحي نفسه.
الالتقاء بالغريب هو بمثابة التقاء الإنسان بنفسه. ويعتمد الأمر على مدى درجة الثقة بالنفس، فقد ينظر المرء إلى الغريب وإلى الرؤى الأخرى الموجهة نحوه من هناك إما كمصدر للخطر أو كإثراء. ويبدو أن اعتبار ذلك من قبيل الإثراء ليس بتلك الظاهرة الواسعة الانتشار في مجتمعاتنا الغربية.
وإلا فكيف بوسعنا تفسير تقييم هذه المجتمعات لا للأصولية الإسلامية فحسب بل للإسلام بكامله كرجوع غريب السمات إلى ماض يعتبر من الناحية التاريخية بحكم من أكل الدهر عليه وشرب؟
ما هو اليوم معنى مفاهيم مثل "ألماني" أو "فرنسي" أو "هولندي"؟ وما هو دور الهوية القومية في إطار التكامل الأوروبي والعولمة؟ لقد أخذت الدولة بالمفهوم القومي تفقد أهميتها وطاقاتها التي تكسب مضمون الوجود والإحساس بالانتماء إلى وطن ما معانيهما.
لكن القيم التي يعلن عنها بديلا لذلك كالديموقراطية ودولة القانون مثلا هي مفاهيم نبيلة وإن لم يتحسسها المواطن في حياته اليومية، فهي لا تصبغ على هوية الفرد الطابع الأصيل المتميز. فأوروبا رغم منجزاتها المتعلقة بالحرية تفتقد على عكس الحال لدى الإسلام إلى المرجعيات الجماعية.
أما الإسلام فيوفر للمؤمنين مصدرا للنفوذ الأخلاقي ومستندا روحيا يفوق كثيرا الحال لدى الكنائس المسيحية في غضون القرون الماضية. عبارة "مسلم في أوروبا" تعني أنهم يملكون هوية خاصة بهم ويشعرون بالانتماء إلى مجموعة يجعل الإيمان أعضاءها بمثابة الأخوة.
القرآن كمرشد
هذه الرسالة لها وقع الاستفزاز داخل مجتمع علماني تؤدي فكرة التعددية لديه إلى إحساس الفرد بالغرابة والضياع بدلا من أن تقوي دعائم إحساسه بالهوية. هذا لاسيما وأن اختفاء مظاهر الدين من الأجهزة العامة للدولة في أوروبا الغربية يفهم على أنه أمر يخدم الحرية.
يتضح المعيار الاستفزازي للإسلام مثلا على ضوء النقاش الدائر حول الحجاب. صحيح أن هناك حججا جيدة ضد ارتداء الحجاب. لكن الصخب الذي ساد الجدل الدائر مؤخرا حول ذلك يكشف النقاب عن وجود قدر كبير من البلبلة لدى غير المسلمين.
على وجه عام لا يكاد موضوع ما يثير حفيظة الناس هنا أكثر من موضوعي المرأة والإسلام والإسلام والعنف. في المجتمعات التقليدية الإسلامية هناك تلاحم بين الدين والحياة اليومية، سواء فيما يختص أكل المسلمين والمساجد التي يؤدون فيها فريضة الصلاة وكيفية تشكيلهم لروابطهم الاجتماعية والسياسية. كل ذلك يحدث استنادا على القرآن.
هذا وإن أضعف ظهور العصر الحديث لا سيما في غضون السنوات الثلاثين أو الأربعين الأخيرة من نفوذ العائلة وسلطة رجال الدين. وقد بدأ الإسلام الذي يعيشه المرء في حياته اليومية يتحرر بصورة متزايدة من مرجعياته الشرق أوسطية، في نفس الوقت أصبح القرآن بمثابة المرشد في إطار الاحتياجات والتطلعات الفردية.
المقياس على ذلك مداخلات الإنترنت التي تقدم فيها عروض تبدأ بالمساعدة للتغلب على مشاكل الحياة وتصل إلى الدعوة للجهاد. في العادة يقف وراء ذلك خطباء أقحموا أنفسهم لتبوء هذا الدور وزعموا بأن ما يقولونه يعبر عن روح الإسلام. من بينهم وعاظ لديهم أساليب بارعة في الظهور والبلاغة شبيهة بأساليب وعاظ التلفزيون الأمريكيين وآخرون يعمدون إلى تبرير أعمال الإرهاب والعنف.
الملفت للاهتمام أن الذين قاموا بأعمال الحادي عشر من سبتمبر/أيلول وكذلك الشخص الذي أودى بحياة تيو فان غوخ ينتمون إلى نمط جديد من أنماط الإسلام الأصولي. فهم ينشطون تحت شعار الأمة الإسلامية ولكنهم يعطون هذا المصطلح تعريفا جديدا.
فهي في نظرهم أمة "خيالية" تعطي لمن تعرض من المسلمين للضياع مرتكزا أيديولوجيا وهوية جماعية جديدة. لهذا ليس من المدهش أن هذه الأصولية الجديدة قد انتشرت بقوة في "الشتات" خاصة أو في صفوف مسلمين يعانون من الضياع والتمزق الحضاري داخل الطبقات الاجتماعية العالية في المجتمعات العربية.
التطهير من الكفر
هؤلاء الأشخاص لا يولون على عكس حال الإسلاميين التقليديين إلا أهمية ضئيلة للمشاكل الاجتماعية ولإصلاح المجتمع وتفاصيل شؤون النفوذ والسلطة. بل يعملون كحال المجوعات الطلابية الماركسية في السابق على خلق "واقع جديد" لهم تكون فيه الرموز وبلاغة النقد اللاذع أكثر أهمية من الواقع الحي نفسه.
ففيما حدد البعض أولوياتهم في مفهوم مجتمع المواطنة اتسمت الأولوية لدى البعض الآخر بتطهير الدين من الكفر أو في الدعوة إلى الجهاد. تقليديا يرتبط مفهوم الجهاد بمنطقة أو إقليم معين ما كالحال لدى حماس أو حزب الله.
أما الأصولية الجديدة فهي عالمية التوجه وتستهدف مواقع بالغة الأهمية كأبراج المصارف أو كالمخرج السينمائي تيو فان غوخ الذي اعتبر قاتله انطلاقا من عالمه "خيالي" نمطه في الفن تطاولا على القيم الدينية.
الأصولية ظاهرة عالمية
ليست الأصولية الجديدة ظاهرة إسلامية بحتة، كما أنها لا تدعو بالضرورة إلى استخدام العنف. فمن الأمثلة الشبيهة بها الحركات الإنجيلية الأصولية في الولايات المتحدة أو ما يطلق عليهم "دعاة البعث المسيحي" الذين رجحوا كفة الرئيس بوش في انتخابات الدورة الثانية للرئاسة.
إنهم يعمدون إلى تقسيم العالم إلى "خير" و"شر". هذا ولديهم تأثير على السياسة الدولية، كحال أجندة الأصوليين الجدد الذين لا يمانعون حتى من التحالف مع الإسلاميين لوجود مصالح مشتركة.
من أمثلة ذلك حركة حزب التحرير ذات النفوذ القوي في آسيا الوسطى وباكستان وبعض دول الشرق الأوسط. هذه الحركة تدعو إلى اعتماد المقاومة السلمية ضد الديكتاتوريين الطغاة وتملك شبكة اتصالات جيدة في مواقع أنشطتها.
يتم من مركز الحركة في لندن تنسيق نشاطاتها والتشاور ومن ثم ينشر ذلك في الإنترنت. وقد تم إلقاء القبض على ثلاثة بريطانيين مسلمين (اثنان منهم كانا قد اعتنقا الإسلام لاحقا) في مصر في أبريل/نيسان 2002 بتهمة الدعاية لأهداف الحزب هناك. هناك إذن تلاحم بين الأصوليين (الجدد) وبين الأفراد الباحثين عن معنى وهوية لحياتهم.
في السياق الأوروبي لم تبلغ الأصولية الجديدة المتخطية للمعايير القومية على الإطلاق ذروة نشاطها ونفوذها بعد. وهذه الظاهرة يلاحظها المرء لدى الأجيال الثانية أو الثالثة للمهاجرين العرب في فرنسا وأسبانيا وبريطانيا على وجه خاص.
وتعتبر الأشكال الجديدة للدين تعبيرا عن التحول الاجتماعي الذي أخذ يطرأ على نحو سريع جدا خاصة على الشباب المنحدرين من أصول عربية. فأجيال الآباء اتسمت بالتأقلم وتقبلت تهميش دورها داخل المجتمعات الأوروبية لكونها رأت حياتها هناك أفضل من حالة البؤس الاجتماعي في مواطنها.
أما الشباب فإنهم يتمردون على هذا الوضع ويبحثون عن مركز مناسب لهم في مجتمعات أوروبا كما يبحثون في نفس الوقت عن هوية جديدة لهم تقع في الوسط بين الإسلام وأوروبا.
هذا وتقوم الأصولية الجديدة ذات الوجوه المتعددة بتوظيف هذا التوجه لصالحها. فيشمل ذلك المسائل المتعلقة بنمط الحياة الحديثة: الإسلام كبرنامج للاستجمام والنقاهة.
من أمثلة ذلك موضة الملابس وكسب المال بسرعة وبطرق مشروعة وكيفية تعرف المؤمن المسلم عبر شبكات العالم الافتراضي على امرأة مسلمة مناسبة له. هنا خاصة موقع الاستفزاز بالنسبة لأوروبا. "الكفار" أيضا يبحثون عن الطريق المناسب لهم، وإن لم يجدوه بعد!
بقلم ميشائيل لودرس
ترجمة عارف حجاج
صدر المقال في صحيفة فرانكفورتر روندشاو
حقوق الطبع ميشائيل لودرس
ميشائيل لودرس باحث في الدراسات الإسلامية، كاتب وصحفي مقيم في برلين
قنطرة
حياة في سبيل الجهاد
فكرة عالمية وأعداد كبيرة من خلايا الإرهاب المحلية: هجمات القاعدة تشكل إجابة على الفراغ الناجم عن تحول الحركات الإسلامية التقليدية إلى تنظيمات بورجوازية. تحليل بقلم باحث الدراسات الإسلامية راينهارد شولتسه
هل يحق إجراء مفاوضات مع حركات إسلامية تستعمل العنف؟ حركات إسلامية تستعمل العنف؟
الإسلام السياسي يشكل في منطقة الشرق الأوسط عامل قوة لا يسع أحد إنكاره في إطار في دعم الديموقراطية في المنطقة، هذه هي خلفية اتفاق وزراء خارجية الاتحاد الأوربي في لقائهم الأخير على جواز إجراء حوار مع منظمات إسلامية متطرفة، حسب رأي الباحث والصحفي ميشائيل لودرس