تغيّر المُناخ والتقويم يفاقمان المعاناة
يخوض سلطان عوله، 12 عامًا، رحلة شاقة يوميًا للوصول إلى مدرسته، ليس بسبب طول المسافة التي تمتد لنحو 8 كيلومترات من منزله بقرية دير الشيخ، في محافظة الحديدة الساحلية (غربي اليمن) فحسب، بل أيضًا بسبب ظروف الطقس القاسية بين لهيب الشمس والأمطار الغزيرة المفاجئة.
ولا تبدو المدرسة أفضل حالًا، إذ يجد سلطان، الذي يدرس في الصف السادس الابتدائي بمدرسة "عبد الله ابن المبارك"، نفسه وسط فصل مكتظ بالتلاميذ دون وسائل تهوية أو تبريد. ويقول: "أجبر نفسي على الحضور خوفًا من ضياع العام الدراسي، رغم أن البقاء داخل القاعة وسط هذا الحر والرطوبة يُنهكنا، وحين تمطر السماء، يصبح الوضع أكثر صعوبة مع هشاشة البنية التحتية للمدرسة".
بدأ سلطان وزملاؤه، في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، عامهم الدراسي في 20 يونيو/حزيران الماضي، مع مطلع فصل الصيف، في حين بدأ أقرانهم في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة عامهم الدراسي 31 أغسطس/آب، مع مطلع الخريف.
التقويم الهجري يقدّم موعد الدراسة
تتكرر المعاناة منذ أن قررت وزارة التعليم التابعة لجماعة أنصار الله الحوثي، المسيطرة على العاصمة صنعاء وعدد من المحافظات في شمال وغرب اليمن، اعتماد التقويم الهجري في برامج وأنشطة المؤسسات الرسمية، بما فيها الأنشطة التعليمية، بدلًا من التقويم الميلادي المعتمد سابقًا. وبررت السلطات اعتماد هذا التقويم باعتباره جزءًا من "ترسيخ الهوية المحمدية في مؤسسات الدولة".
آخر منابر الأدب في اليمن
كيف تصمد الثقافة رغم سنوات الحرب الطويلة والدمار؟ في اليمن، يواصل الكتّاب والشعراء مقاومتهم الثقافية عبر ورشٍ ومنتديات افتراضية داخل الوطن والمهجر. يقدم نادي القصة "إل مقه"، مثالًا على صمود الإبداع.
وتسبب القرار في اضطراب مواعيد الدراسة عامًا بعد آخر، بحكم قِصر السنة الهجرية مقارنة بالسنة الميلادية بنحو 10–11 يومًا. على سبيل المثال، تزامن انطلاق العام الدراسي في أول عام لتطبيق التقويم الهجري مع نهاية يوليو/تموز 2022، في حين بدأ هذا العام في 20 يونيو/حزيران، أيّ قبل نحو 40 يومًا من موعده في عام 2022.
ويتهم تربويون ونشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، وزارة التعليم التابعة للحوثيين بتجاهل الآثار السلبية لهذه السياسة، رغم المطالبات المتكررة بإعادة النظر فيها واعتماد نظام أكثر استقرارًا يتماشى مع المتطلبات التعليمية الحديثة.
ويعاني اليمن من انقسام إداري وسياسي عمّقته الحرب المستمرة منذ عام 2014، عقب سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء وعدد من المناطق في شمال وغرب البلاد، فيما تسيطر الحكومة المعترف بها دوليًا على جنوب وشرق البلاد.
ويقول مسؤول في إدارة التوجيه التربوي بوزارة التربية والتعليم في صنعاء، فضّل عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية، لـ"قنطرة"، إن الاعتراض على تلك القرارات غير ممكن، إذ "تتعامل السلطة مع أيّ شكوى كعداء وانقلاب وتمرد، ولهذا نتبع أيّ قرار حتى وإن كان يؤثر سلبًا على المواطن".
بدوره يصف عمار علي، 58 عامًا، معلم في إحدى المدارس بمحافظة حجة غربي اليمن، جانبًا من المعاناة داخل المدارس: "أجواء الحر والرطوبة القاسية تؤثر سلبًا على تركيز الطلاب وأدائهم الدراسي مما ينعكس مباشرة على تحصيلهم في ظلّ غياب أيّ دعم نفسي أو اجتماعي".
ويشير إلى أن بدء الدراسة مع فصل الخريف يكون أكثر ملاءمة للطلاب، إذ يجنب الأسر والطلاب النفقات الإضافية التي تفرضها درجات الحرارة المرتفعة والرطوبة خلال أشهر الصيف، لافتًا في الوقت نفسه إلى التحديات التي يواجهها نظام التعليم بسبب استمرار الحرب مثل تهالك البنية التحتية ونقص الخدمات الأساسية، إلى جانب انقطاع رواتب المعلمين منذ سنوات.
تداعيات صحية
يُعدّ اليمن من أكثر الدول عرضة للتأثر بتغير المناخ في العالم، ما يجعله يواجه صدمات مناخية شديدة، بما في ذلك السيول والجفاف وارتفاع درجات الحرارة. وبحسب تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2025، تتسبب هذه المخاطر في تضرر المدارس بالفيضانات، بينما يؤدي النزوح إلى اقتلاع الأطفال من فصولهم الدراسية. فيما يواجه نحو 18.3 مليون شخص في اليمن مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في ظلّ تداخل الصدمات المناخية مع الصراع والتدهور الاقتصادي واضطراب سبل العيش، بحسب خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية لعام 2026.
ويُحذّر الدكتور تميم النهاري، استشاري طب الأطفال في مستشفى الثورة العام بمحافظة إب (وسط اليمن)، من أن اكتظاظ الفصول وارتفاع الرطوبة وتقلبات الطقس ترفع معدلات العدوى التنفسية والأمراض الجلدية، فيما تزيد السيول والأمطار، مع غياب شبكات الصرف الصحي، من مخاطر الإصابة بالعدوى المعوية الناتجة عن تلوث المياه والغذاء.
ويشرح النهاري لـ"قنطرة"، أن صغار السن والمصابين بأمراض مزمنة هم الفئة الأضعف والأكثر عرضة لانتكاسات صحية، خاصة مع غياب آليات التنسيق المشترك بين القطاعين الصحي والتربوي لتأمين بيئة مدرسية سليمة.
تقول إيمان صالح والدة طالبة في الصف الرابع الابتدائي بمحافظة الضالع: "نكابد الأمرّين؛ أعباء مستلزمات الدراسة والأعمال الريفية من جهة، وتقلبات المناخ من جهة أخرى، لضمان استمرار تعليم ابنتنا".
وتضيف أن الطرق المؤدية إلى المدارس ترابية ووعرة، وما أن تهطل الأمطار حتى تتحول إلى مسارات زلقة وموحلة، "وتُجبر الطفلة على خوض طريق شاق تعود منه وهي غارقة بالبلل والوحل، الذي يؤدي إلى إصابتها بالأمراض مع كل موسم جديد".
وتضطر أسرة صالح، ككثير من الأسر في المناطق الريفية، على الزراعة ورعي الماشية لتأمين دخلها، إلى توفير الأدوات والكتب المدرسية في ظلّ نقصها في المدارس، إلى جانب ملابس إضافية لأطفالها، وتحمّل نفقات العلاج من الأمراض التي قد تصيبها جرّاء السير في الطرق المبتلة والموحلة.
المناخ يفاقم تسرب الأطفال
ولا يتوقف الأمر عند ذلك الحد، فقد أسهم الجفاف المستمر وتقلب أنماط هطول الأمطار في تراجع الإنتاج الزراعي، ما زاد الضغوط الاقتصادية على الأسر الأكثر احتياجًا، ومع تزامن مواعيد بدء الدراسة وذروة النشاط الزراعي ورعي الماشية، فقد اضطرت هذه الأسر إلى سحب أبنائها من الفصول والاستعانة بهم في الحقول، بما يعمّق أزمة التسرب المدرسي ويوسّع رقعة الأميّة.
وتشكل عمالة الأطفال في اليمن تحديًا كبيرًا، حيث يعمل 12.5% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و14 عامًا، وترتفع هذه النسبة إلى 15.4% في المناطق الريفية، وفق نتائج أصدرها الجهاز المركزي للإحصاء في اليمن بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) عام 2025. كما تقدر إحصاءات عدد الأطفال في سن الدراسة خارج المدرسة بنحو 3.2 مليون طفل.
ويُشير المحامي اليمني أياد الخالدي لـ"قنطرة" إلى أن غياب اللوائح التنظيمية التي تُلزم المؤسسات التعليمية بوضع بروتوكولات حماية للطلاب يفاقم الأزمة، ويوضح أن الأسر تفتقد أيضًا للآليات التي تتيح لها المطالبة بإرجاء المواعيد الدراسية لتفادي ذروة الحرارة والسيول دون خوف من إجراءات عقابية بحق أبنائهم، مشددًا على أن ملاءمة التقويم المدرسي مع المتغيرات المناخية أضحت استحقاقًا إنسانيًا وحقوقيًا ملحًا لحماية هذا الجيل.
© قنطرة