"حرب العراق حطّمت النظام العالمي"

Blick auf das brennende World Trade Center in New York nach dem Anschlag am 11.9.2001. Zwei Flugzeuge sind an diesem Morgen kurz hintereinander in die Türme des World Trade Center gerast.
مركز التجارة العالمي المشتعل في نيويورك في 11 سبتمبر/أيلول 2001. (Photo: picture-alliance / dpa | Hubert Boesl)

غيّرت هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 السياسة الخارجية الأمريكية جذريًا، وأطلقت سلسلة من الحروب التي أعادت تشكيل الشرق الأوسط. وبعد مرور 25 عامًا، يتحدث جيلبرت الأشقر عن تداعيات الرد الأمريكي على الهجمات، وتأثيره الممتد على المنطقة.

حوار: يانيس هجمان

قنطرة: هناك مقولة شائعة عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول: أن الناس يتذكرون بالضبط اللحظة التي انتشر فيها الخبر؛ كيف كانت ردة فعلك في ذلك اليوم؟

جلبير الأشقر: كانت ردة فعلي الأولى هي "يا إلهي!". في ذلك الوقت، كان عدد الضحايا يُقدَّر بأكثر من الحصيلة النهائية التي بلغت حوالي نحو ثلاثة آلاف شخص. كأغلب الناس، شعرت بالرعب عند رؤية انهيار ناطحتي السحاب، فقد كانت جريمة فظيعة. أما ردة فعلي التالية، فكانت الخوف من العواقب، حيث كان واضحًا أن الكثير من العنف من جانب الولايات المتحدة قادم، وهذا بالضبط ما حدث في حربيّ أفغانستان والعراق.

هل أدركت أن الحدث شكّل منعطفاً تاريخياً؟

بالطبع، وكما أكدت جميع التعليقات في ذلك الوقت، أنها المرة الأولى التي تتعرض فيها الولايات المتحدة لهجوم على أراضيها القاريّة. وكان هجومًا كبيرًا للغاية أدى إلى تعاطفٍ تام مع الأمريكيين في البلدان الغربية.

ولكن ما لفت انتباهي هو التفاوت الهائل المصاحب لغياب التعاطف الحقيقي تجاه كوارث أكبر بكثير كانت تحدث في بلدان الجنوب العالمي.

Gilbert Achcar

جلبير الأشقر هو أستاذ فخري في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) التابع لجامعة لندن. وُلد عام 1951 في السنغال، ونشأ في لبنان، وعاش في باريس وبرلين، وفي لندن حيث يقيم منذ عام 2007. من بين مؤلفاته: "صدام الهمجيات" (2002)، و"السلطان الخطير: السياسة الخارجية الأمريكية والشرق الأوسط" (2007)، و"العرب والمحرقة النازية" (2010)، و"الشعب يريد: بحث جذري في الانتفاضة العربية" (2013)، و"الحرب الباردة الجديدة" (2024)، و"غزة: معنى الكارثة" (2026).

مثل ماذا؟

على سبيل المثال الحرب في الكونغو آنذاك أو وباء الإيدز الذي كان في ذروته في التسعينيات، فقد قُتل الملايين ولم يكترث أحد تقريبًا.

هل يمكن مقارنة هذه الأحداث ببعضها البعض؟ فقد قُتل الثلاثة آلاف شخص الذين أشرت إليهم في هجمات مُنسقة وقعت في يوم واحد.

ما أريد قوله هو أن الحروب أو الهجمات أو الأوبئة في دول الشمال العالمي تجذب اهتمامًا أكبر بكثير. وقد أطلقتُ على هذا اسم "التعاطف النرجسي"؛ أيّ الميل إلى التماهي مع "أشخاص يشبهوننا"، مقابل تعاطف أقل بكثير مع من نراهم مختلفين عنا. لا يزال العالم يسير هكذا حتى اليوم؛ خذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول والإبادة الجماعية في غزة على سبيل المثال.

سنتحدث لاحقًا عن أوجه التشابه بين السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. فلنركز الآن على الحروب في أفغانستان والعراق، التي تأثرت بها المنطقة حتى يومنا هذا؛ كيف تنظر إلى تلك التطورات من منظور اليوم؟

استغلت إدارة جورج بوش أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول كذريعة؛ فقد كانت الإدارة تتألف من أشخاص عازمين على غزو العراق، رغم أن العراق لم تكن له صلة بتنظيم القاعدة أو بالهجوم. 

نعلم الآن من الشهادات، بما في ذلك شهادتي كوندوليزا رايس (مستشارة الأمن القومي آنذاك) وكولن باول (وزير الخارجية)، أنهم ناقشوا ما يجب فعله، فور وقوع الهجمات. أراد دونالد رامسفيلد (وزير الدفاع) وآخرون غزو العراق على الفور، لكن باول جادل بأن هذا لن يكون مفهومًا، لأن تنظيم القاعدة كان متمركزًا في أفغانستان.

وأخيرًا، توصلوا إلى حل وسط: أفغانستان أولًا، والعراق ثانيًا. اضطروا لغزو أفغانستان فقط انتقامًا من تنظيم القاعدة. أما ما أرادوه حقًّا فهو العراق، لأنه غني بالنفط، ويمثل موقعًا استراتيجيًّا في منطقة الخليج.

منذ الغزو، مرّ العراق بسنوات من عدم الاستقرار، وشهد حربًا أهلية، وصعود تنظيم داعش، وتزايد نفوذ الميليشيات المدعومة من إيران، وبقيت الولايات المتحدة متدخلة عسكريًّا لسنوات. أما في أفغانستان، فلم تنسحب القوات الأمريكية إلا في عام 2021، مما مهد الطريق لعودة حركة طالبان. تبين أن الحربين كانتا كارثتين، أليس كذلك؟

شُنَّت هذه الحروب متجاهلةً الدرس الأهم المستفاد من حرب فيتنام: ألا وهو عدم الانجرار إلى حروب طويلة الأمد؛ بل توجيه ضربة سريعة ثم التوقف عند ذلك الحد. غير أن بوش الابن فعل العكس تمامًا. قمت بجولة في الولايات المتحدة للترويج لكتابي "صدام الهمجيات" (The Clash of Barbarisms) مطلع عام 2003، أيّ قبل شهر واحد من الغزو. وفي كل مكان ذهبت إليه، كنت أقول إن الغزو سيخلق فوضى في العراق الذي سيتحول إلى ورطة بالنسبة للولايات المتحدة.

Remote video URL

Here you can access external content. Click to view.

في الأول من مايو/أيار 2003، أعلن جورج بوش الابن الانتصار على نظام صدام حسين، لكن القوات الأمريكية ظلت في العراق لسنوات تالية.

كان العنوان الفرعي للكتاب باللغة الإنجليزية "إعادة صنع الفوضى العالمية الجديدة"، ما الذي فعلته أحداث الحادي عشر من سبتمبر بالنظام الدولي؟

كان العنوان المذكور نقيضًا لعنوان كتاب صامويل هنتنغتون الشهير "صدام الحضارات: إعادة صُنع النظام العالمي الجديد"، وقد واجهته بأطروحة "صدام الهمجيات". فالصراعات الدائرة لم تكن مواجهة بين حضارات بحد ذاتها، بل صراعًا بين النزعات الهمجية الكامنة في حضارة كل طرف.

فيما يتعلق بالنظام العالمي الجديد، يتعين علينا العودة قليلاً إلى الوراء؛ ففي عام 1990، شهدنا نهاية الحرب الباردة وما صاحبها من دعوات لإعادة إطلاق النظام العالمي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية؛ وهو نظام دولي قامت بنيته الأساسية على منظمة الأمم المتحدة وسيادة القانون الدولي. لقد شكّل ذلك تقدمًا كبيرًا للبشرية، لكنّه تعطل بسبب الحرب الباردة.

وفي عام 1990، تعهّد جورج بوش الأب بإحياء ذلك النظام تحت مسمى "النظام العالمي الجديد"، ومن المفارقات أن هذا الوعد جاء في خطاب شهير ألقاه بوش الأب في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 1990. غير أن الولايات المتحدة، التي وعدت بالالتزام بالقانون الدولي، عادت بعد فترة وجيزة لتنتهك تلك القواعد ذاتها انتهاكًا صارخًا.

هل كانت تلك ظاهرة جديدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول؟ ففي عام 1999 تحديدًا، تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) في كوسوفو دون تفويض من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

صحيح، لكن غزو العراق كان انتهاكًا أشد جسامة؛ إذ تبددت معه وعود تجديد النظام العالمي القائم على القواعد. وأدت هذه الديناميكية، بدورها، إلى تحول روسيا إلى دولة ذات نزعة عدوانية بشكل متزايد، مع التدخل في جورجيا في عام 2008، وأوكرانيا في عام 2014، وسوريا في عام 2015، وأوكرانيا مرة أخرى في عام 2022. علاوة على ذلك، شنّت الولايات المتحدة ضد إيران في وقت سابق من هذا العام أهم حروبها منذ غزو العراق.

لقد وصفتَ مقاربة النخب الحاكمة الغربية للإسلام بأنها "استشراقية"، وذلك لاعتناقها فكرة مفادها أن الشعوب المسلمة تعاني من "إدمان ثقافي" على الاستبداد؛ وهي فكرة كانت تندرج في نموذج "صراع الحضارات". لكن، بعد ذلك، اندلعت الانتفاضات العربية عام 2011. فهل غيّر ذلك من نظرة الولايات المتحدة إلى المنطقة؟

لقد حطمت انتفاضات عام 2011 المنظور الاستشراقي تجاه الإسلام والعرب؛ غير أن صعود جماعة الإخوان المسلمين في مصر واستبدالها عام 2013 بنظام أكثر استبدادًا مما كان قبل عام 2011، جددا هذا المنظور الرجعي. وهكذا عادت بقوة الفكرة القائلة إن الشعوب المسلمة غير متوافقة ثقافيًا مع القيم الحديثة والديمقراطية والعلمانية.

وبماذا ترد على المنظور الاستشراقي؟ فلم ينشأ أيّ نظام ديمقراطي في هذه المنطقة التي تُعّد الأقل ديمقراطية في العالم، حيث لا تزال الحريات في تراجع مستمر.

إن ما يُعرف بـ "الاستثناء الاستبدادي" في المنطقة هو، إلى حدٍ كبير، نتاج للتدخل الغربي؛ فقد دأبت القوى الغربية لعقود على تقديم دعم كامل لأكثر أنظمة المنطقة رجعيةً واستبدادًا، بدءًا من التحالف الوثيق للغاية بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، التي روّجت للأصولية الإسلامية في إطار مواجهتها للحركة القومية اليسارية. كما تتنافس الحكومات الغربية، التي تدعي أنها تجسّد حقوق الإنسان، على كسب ودّ المشايخ الخليجية الاستبدادية الثرية، وتسعى الحكومات الأوروبية للتقرب من حكام مستبدين، كالرئيس التونسي الحالي، سعيًا للحصول على مساعدتهم في كبح موجات الهجرة.

في عام 2011، كانت الأنظمة الموالية للولايات المتحدة هي التي واجهت التحدي الأكبر من الانتفاضات الشعبية، هل كان الأمر بمثابة رفض للتدخل الأمريكي في المنطقة؟

لقد كان أول نظامين طالتهما الموجة الثورية في عام 2011 مواليين للغرب بالفعل؛ وهما تونس ومصر، لكن تلتهما ليبيا واليمن ثم سوريا، وهي دول لا يمكن وصف أي منها بدقة بأنها "موالية للولايات المتحدة". بيد أن غزو العراق قد ساهم حقاً في دفع شعوب المنطقة نحو التجذّر؛ فقد أثار مشهد الجيش الأمريكي وهو يحتلّ دولة عربية صدمةً لدى الناس. غير أن السبب العميق لـما عُرف باسم "الربيع العربي" في عام 2011 كان اقتصاديًا واجتماعيًا؛ فالمنطقة تعاني من أزمة هيكلية عميقة انكشفت عام 2011، وما زالت تتفاقم منذ ذلك الحين.

تعيق الأنظمة القائمة في العالم العربي التنمية الاقتصادية؛ ولهذا السبب، فإن المنطقة محكوم عليها بالبقاء في حالة من الأزمات وعدم الاستقرار ما دام هذا النوع من الأنظمة مهيمناً. وأيّ اعتقاد بإمكانية عودتها إلى نمط "الاستقرار الاستبدادي" الذي ساد في أواخر القرن العشرين هو من باب الوهم.

ففي دول مثل مصر أو المغرب، يتراكم الغضب الاجتماعي الذي سينفجر مجددًا عاجلًا أم آجلاً. ولطالما سجلت المنطقة أعلى معدلات بطالة الشباب في العالم على مدى عقود عدة. ولنأخذ المغرب مثالاً على ذلك؛ فقد شهد حراكًا لافتًا قاده "جيل زد"، كما صُدم العالم مؤخرًا بمشهد الآلاف من الشباب وهم يسبحون للوصول إلى سبتة؛ وهذان مظهران مختلفان لحالة السخط التي تنتاب الشباب.

لقد أشرت إلى غزة سابقًا. يمكن القول إن هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول كان منعطفًا مثلما كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، مع وجود أوجه تشابه معينة بينهما: فقد أدت الهجمات الإرهابية واسعة النطاق إلى إثارة تعاطف قوي في أجزاء مختلفة من العالم، وزيادة التقاطب، وتضخيم التيارات الأيديولوجية التي كانت موجودة.

التشابه الواضح هو أن الحكومات في كلتا الحالتين كانت لديها نوايا مسبقة لفعل ما ارتكبته في النهاية. مثل أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول بالنسبة لبوش، كان السابع من أكتوبر/تشرين الأول فرصة قدمتها حماس لأكثر الحكومات تطرفًا إلى اليمين في تاريخ إسرائيل. كانت تلك الحكومة بحاجة إلى فرصة لإعادة احتلال غزة. فبغض النظر عن الاعتبارات الأخلاقية، ومن وجهة نظر استراتيجية بحتة، كانت هجمات حماس غير الحكيمة وغير الحصيفة خطأ الحساب الأكثر كارثية في تاريخ النضالات ضد الاستعمار.

على مدى عقود، كان لزامًا على الحكومات الإسرائيلية التعايش مع القيود التي يفرضها السياق الدولي؛ وهي قيود أبقتها ضمن حدود معينة، مثل الامتناع عن ضمّ معظم الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل عام 1967. غير أن هذه الكوابح تلاشت بعد السابع من أكتوبر؛ إذ لم تكن إسرائيل خاضعة لحكم أقصى اليمين الصهيوني -الذي تشمل أجندته التطهير العرقي- فحسب، بل كانت الولايات المتحدة ذاتها، "الشقيق الأكبر" لإسرائيل، تُديرها أكثر إدارتين أمريكيتين تأييدًا للصهيونية في عهدي بايدن وترامب. فإن التقاء التوجهات هذا هو ما جعل كارثة غزة أمرًا ممكنًا.

في كتابك الأخير حول الأحداث التي أدّت إلى أزمة غزة، أبديت نبرة متفائلة، حيث كتبت: "عسى أن يُعكس هذا الارتداد في العلاقات الدولية نحو الهمجية". كيف يمكن عكس مسار الفوضى الدولية الذي سبق أن شخّصته بعد أحداث سبتمبر/أيلول؟

أنا لست متفائلًا، بل آملاً. التفاؤل هو الاعتقاد بأن الأفضل سيحدث، أما الأمل فهو الاعتقاد بأن ما هو أفضل ممكن. لكنّها ستكون معركة صعبة، وهناك أسباب كثيرة للتشاؤم مع صعود أقصى اليمين عالميًا، من ترامب إلى نتنياهو، ومن مودي إلى لوبان وحزب البديل من أجل ألمانيا.

ومع ذلك هناك بوادر تثير الأمل؛ فتغير الرأي العام بشأن غزة أمر يبعث على الارتياح، لا سيما وأن الجيل الشاب يتبنى نظرة أكثر انفتاحًا على العالم وتضامنًا إنسانيًا يتجاوز الحدود. ويُعد هذا تقدمًا للبشرية؛ فالناس باتوا يتفاعلون بشكل متزايد مع ما يرونه فظيعًا، حتى وإن كان يقع بحق شعوب لا يشعرون معها برابطة تلقائية. وهذا يدل على إمكانية تجاوز "التعاطف النرجسي".

فإن تبنّي أعدادًا متزايدة من الناس، ولا سيما في الولايات المتحدة، للاشتراكية الديمقراطية، وتحقيق مرشحيها انتصارات انتخابية، يمثلان تحولًا تاريخيًا بالغ الأهمية، ويؤشران إلى صعود قوى تقدمية مضادة. آمل أن تنحسر موجة أقصى اليمين الراهنة، وأن تتمكن القوى التقدمية في نهاية المطاف من استعادة زمام المبادرة وتولي قيادة المشهد.

 

ترجمه من الإنجليزية: محمد مجدي

قنطرة ©