استمرار النظام المباركي من دون مبارك؟

يرى توماس ديملرهوبر من معهد العلوم السياسية في جامعة إيرلانغن الألمانية أنه رغم تنحي مبارك، إلا النخب السلطوية في مصر ستتحكم على المدى المتوسط في الإرث السياسي وتوظفه لصالحها، ما يجعل طريق مصر إلى الديمقراطية صعبا ومفتوحا على كل الاحتمالات.

يرى توماس ديملرهوبر من معهد العلوم السياسية في جامعة إيرلانغن الألمانية أنه رغم رحيل مبارك، إلا النخب السلطوية في مصر ستتحكم على المدى المتوسط في الإرث السياسي وتوظفه لصالحها، ما يجعل طريق مصر إلى الديمقراطية صعبا ومفتوحا على كل الاحتمالات.

ميدان التحرير، جنود مصريون، الصورة أ.ب
" إن الجيش يمثل في البنية المتنوعة للنخبة السياسية الحاكمة في مصر أحد الأعمدة الساسية للسلطة والشرعية"

​​

خلال ثمانية عشر يوما من الاحتجاجات وبعد فشل الأجهزة الأمنية في الحفاظ على الاستقرار تحول الجيش المصري، وفي شكل متصاعد، إلى مركز اهتمام السياسة ووسائل الإعلام. إن المجتمع المصري الذي خرج في احتجاجات ضد النظام القائم، رأى في الجيش شريكا في مطلبه نحو التغيير و الانتهاء من عصر مبارك. لكن اعتقاد المتظاهرين بحياد الجيش مقارنة بجهاز الشرطة والأجهزة الأمنية، يبدو عند رؤية دقيقة للتاريخ المصري أمرا لم يتحقق إلا بشكل جزئي. إن الجيش هو المصدر الرئيس للسلطة. ولقد قام بإنقلاب على النظام الملكي المدعوم من بريطانيا سنة 1952، ليعطي البلاد أول رئيس لها: جمال عبد الناصر ، بل وحتى الرؤساء الذين أعقبوه، أنور السادات وحسني مبارك، فإنهم يستمدون جزءا كبيرا من شرعيتهم من مسيرتهم العسكرية.

إن الجيش يمثل في البنية المتنوعة للنخبة السياسية الحاكمة في مصر أحد الأعمدة الساسية للسلطة والشرعية. لكن مع ذلك شهد دور الجيش المصري خلال العقود الأخيرة تحولا كبيرا في دوره، ففي زمن عبد الناصر كان الجيش يلعب دورا سياسيا كبيرا، ليتراجع ذلك الدور بدءا من السبعينيات. وخصوصا مبارك عمل جاهدا على إشراك المدنيين في جهاز السلطة من أجل التخلص من الأخطار المحدقة بحكمه ـ مثلا وزير الدفاع، الذي كان يحظى بشعبية كبيرة، أبو غزالة 1989 ـ لكن في المقابل لم يتم المساس بالامتيازات كلها التي كانت للجيش وخصوصا لكبار قادته وضباطه. وكتعويض عن حضورهم الضعيف في الحياة السياسية، وخصوصا بعد توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل دعم نظام مبارك الأنشطة الاقتصادية لكبار قادة الجيش، إذ تحول الجيش المصري منذ الثمانينيات من القرن المنصرم فاعلا اقتصاديا كبيرا في القطاع العقاري أو في صناعة الأدوات المنزلية وإنتاج الخبز المدعوم من الدولة أو إعداد مناطق سياحية جديدة على البحر الأحمر، حتى إن مساهمة الجيش المصري في اقتصاد البلاد أصبحت تقدر بعشرين في المائة سنويا.

تحولات النخبة في مصر

لعب الجيش دورا كبيرا في مصر. وحتى في أيامنا هذه فإن الجيش من يقود عملية الانتقال السلس للسلطة. هذا "الانبعاث الجديد" للجيش له وقع المفاجأة، وخصوصا بعد عقدين من اللبرلة الاقتصادية التي شهدت دورا كبير ا لكبار المقاولين في العملية السياسية في البلاد. وبفضل علاقاتهم الجيدة مع نظام مبارك تمكن عدد من كبار المقاولين من بناء إمبراطوريات اقتصادية كبيرة تسيطر على الأسواق، وعبر دخولها إلى البرلمان أو حصولها على وظائف عليا، تمكنت من ممارسة تأثير كبير على سياسة البلاد، وقد بدا واضحا أن هذه الأوليغارشية الاقتصادية ستزيح الجيش في وقت قريب من هرم السلطة.

نهاية الأوليغارشيات

مبارك والسادات، الصورة ا.ب
"إن الهدف الرئيس للجيش يكمن في الحفاظ على دوره الرئيسي في البلاد. وإلى ذلك الدور ينتمي أولا الحفاظ على الدعم العسكري الأمريكي والذي يقدر بالمليارات سنويا"

​​

لم تكن النخب الاقتصادية منسجمة في وقت من الأوقات، فقد شهدت خلافات كثيرة بين الأسر الكبيرة، تعلقت بممارسة النفوذ والسيطرة على بعض القطاعات. لكن ما جمعها هو المصلحة المشتركة في خصخصة محسوبة للاقتصاد المصري تعود بالفائدة على القطاع الخاص الكبير. وقد حاول نظام مبارك لعب دور الحكم في السنوات الماضية وقام في هذا السياق بتتبع بعض حالات الفساد، وهكذا تمكن النظام من أن يقدم للغرب صورة عن نفسه، تظهره كنظام قضائي مستقل.

ولا يمثل الانقلاب العسكري الناعم تحولا راديكاليا في النخبة الحاكمة، لكن مقاولين مثل أحمد عز عن الحزب الوطني الحاكم وصاحب أكبر شركة للحديد والذي تمكن بفضل منصبه السياسي وصفقات مشبوهة و احتيالات مصرفية من التحكم من جهة بسوق الحديد في مصر ومن ناحية خرى من جمع ثروة بالمليارات، هذا الشخص لن يلعب في المستقبل دورا سياسيا، لأنه راكم أيضا الكثير من العداوات في السنوات الماضية.

لكن بعض أرباب الشركات تصرفوا في مرحلة التحول هذه بذكاء ، وعلى رأسهم أسرة ساويريس القبطية التي وقفت في وقت مبكر إلى صف الثورة، لقد كان ذلك نتيجة منطقية لاستراتيجية الأسرة والتي قام أبناءها الثلاثة في السنوات الأخيرة، عبر الاستثمار في وسائل الإعلام ، مثلا شراء جريدة المصري اليوم النقدية اتجاه النظام، من تسويق أنفسهم كقوة تقف إلى صف التغيير، كما عمدوا لتحصين أنفسهم ومصالحهم عبر القيام باستثمارات على مستوى عالمي.

طنطاوي، الصورة د.ب.ا
"تحول الجيش المصري منذ الثمانينيات من القرن المنصرم فاعلا اقتصاديا كبيرا"

​​ إن الزواج الواضح بين القطاع الخاص والسلطة السياسية عبر حصول المقاولين الكبار على مقاعد برلمانية أو مناصب وزراية منذ عام 2004 والذي تجلى أيضا في الدور الكبير الذي كان يلعبه ابن مبارك، جمال، أصبح اليوم جزءا من الماضي. لكن لن يطرأ تغيير كبير على الأسر المسيطرة على السوق، على الأقل لأسباب ماكرواقتصادية. فالثورة في مصر ستقود إلى إعادة ترتيب للنخبة وليس إلى تهميش كامل لبعض مجموعاتها. وسيقوم الجيش أو سياسيون ينحدرون من الجيش بسد ثغرات التحول السياسي الحالي، خصوصا وأن حوافزا اقتصادية مماثلة تحركهم أيضا.

النظام الزبوني بعد مبارك

إن الهدف الرئيس للجيش يكمن في الحفاظ على دوره الرئيسي في البلاد. وإلى ذلك الدور ينتمي أولا الحفاظ على الدعم العسكري الأمريكي والذي يقدر بالمليارات سنويا ويمثل ما يقرب من نصف ميزانية الجيش المصري. وثانيا، المحافظة على الدور المربح في الاقتصاد المصري. وثالثا، نقل سلطات الحكومة في سرعة إلى فاعلين مدنيينن . لكن يبقى السؤال عن شكل هذه السلطة المدنية. شخصية مبارك أمكن استبدالها، لكن ليس من الواضح أي تاثير لرحيله على النظام الزبوني الذي يقف على قمة هرمه. فالمفارقة في نظام مبارك، أنه حتى دون مبارك فإنه سيظل مرتبطا بالنظام السياسي المصري. أجل، لقد حل خريف الديكتاتوريين العرب في الشرق الأوسط، لكن النخب السلطوية التي ستظل بعد سقوط الرموز الديكاتاتورية، ستتحكم على المدى المتوسط في الإرث السياسي وتوظفه لصالحها، حتى إنه يمكن القول بأن طريق مصر إلى الديمقراطية سيكون صعبا ومفتوحا على كل الاحتمالات.

توماس ديملرهوبر
ترجمة: رشيد بوطيب
مراجعة: هشام العدم
حقوق النشر: قنطرة 2011

قنطرة

سقوط الأنظمة السلطوية في مصر وتونس
مشروع مارشال لدعم الديمقراطيات العربية الوليدة
نحن نعيش لحظة تاريخية بامتياز، لأننا شهود على تاريخ الثورات السلمية في تونس ومصر ولحظة تمرد الشعب الليبي على الدكتاتور معمر القذافي. لذلك على الغرب دعم الديمقراطيات العربية الوليدة وصوغ خطة بناء على غرار مشروع مارشال، الذي ساهم في إرساء الدييقراطية في غرب أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، كما يدعو شتيفان فايدنر في تعليقه التالي.

حوار مع الناشطة المصرية نوارة نجم:
"لا بد من سرعة الإنجاز للقضاء على أذناب نظام مبارك"
الناشطة المصرية نوارة نجم وفي حوار مع هبة الله إسماعيل تبدى تفهمها لتمهل المجلس الأعلى للقوات المسلحة في اتخاذ القرارات الخاصة بالتغيير، إلا أنها تشدد على ضرورة السرعة في الإنجاز للقضاء على "أذناب" الرئيس المخلوع مبارك ونظامه.

مصر بعد مبارك:
"يجب على الغرب أن يتراجع عن سياسة النفاق"
دقت ساعة الحقيقة بالنسبة للجميع في مصر، وعلى الرغم من أن المشاكل الكبرى مازالت قائمة رغم رحيل مبارك، إلا أن ثورة ميدان التحرير من شأنها أن تؤسس لحقبة جديدة، والآن يتوجب على الغرب أن يدعم بقوة الديمقراطية الوليدة في الشرق الأوسط كما يقول الخبير المعروف رودولف شيميلي في هذا التعليق.