"المحرقة أعادت تشكيل الإنتاج المعرفي حول الإسلام"
قنطرة: أستاذة شميدتكه، سيصدر كتابك الأخير "عالمة في الدراسات الإسلامية وضحية للهولوكوست: القصة المأساوية لهيدفيغ كلاين" في شهر يوليو/تموز. من هي هيدفيغ كلاين، وما الذي دفعكِ لتأليف هذا الكتاب؟
سابينا شميدتكه: وُلدت هيدفيغ كلاين في 19 فبراير/شباط 1911 في أنتويرب، وهي الابنة الثانية لأبراهام وولف كلاين وريشا كلاين (اسمها قبل الزواج ماير)، ونشأت في هامبورغ لأسرة يهودية أرثوذكسية، حيث عاشت مع والدتها وشقيقتها الكبرى تيريز وجدتها لأمها غريتشن، وقد أُبلغ عن فقدان والدها على الجبهة الشرقية خلال الحرب العالمية الأولى، وأُعلن عن وفاته رسميًا عام 1926.
كانت باحثة شابة لامعة في الدراسات الإسلامية، ومُتخصصة في اللغة العربية واللغويات، وقد درست في جامعة هامبورغ، حيث تخصصت في الدراسات الإسلامية، وتفرعت بالدراسات السامية وفقه اللغة الإنجليزية، واجتازت امتحانات الدكتوراه في 18 ديسمبر/كانون الأول 1937، وحصلت على أعلى درجة ممكنة في كل من أطروحتها وامتحانها الشفهي، ولكن لكونها يهودية، حُرمت في نهاية المطاف من شهادة الدكتوراه بموجب قوانين التمييز العنصري النازية. وفي 11 يوليو/تموز 1942، رُحّلت إلى معسكر أوشفيتز، حيث قُتلت، وكانت تبلغ من العمر حينها 31 عامًا فقط.
وما جذبني في البداية إلى هيدويغ كلاين هو الجدل الدائر حول مشاركتها في قاموس هانس فير العربي الشهير، وعلاقة القاموس المزعومة بالترجمة العربية لكتاب هتلر "كفاحي".
هل يمكن أن تحدثينا قليلاً عن المشهد السياسي والفكري بجامعة هامبورغ في أوائل الثلاثينيات عندما كانت كلاين هناك؟
عندما التحقت هيدفيغ كلاين بجامعة هامبورغ في الفصل الصيفي من عام 1931، كانت جمهورية فايمار لا تزال قائمة، ورغم التداعيات السلبية للأزمة الاقتصادية العالمية، وتصاعد الصراعات السياسية، وتنامي معاداة السامية، إلا أنها تمكنت من مواصلة دراستها والتركيز قيها. غير أن هذا الواقع تبدّل جذريًا مطلع عام 1933، حين كانت لا تزال في منتصف مسيرتها الجامعية.
واشتهرت جامعة هامبورغ بتطبيقها السريع والفعّال للأيديولوجية العنصرية النازية، أكثر من معظم الجامعات الألمانية الأخرى، وقد أُجبر نحو 20% من أعضاء هيئة التدريس في كلية الفلسفة على ترك الجامعة.
مع ذلك، تمتعت كلاين في البداية بقدر من الحماية، إذ حافظ معهد تاريخ وثقافة الشرق الأدنى على قدر من الاستقلالية والابتعاد عن النفوذ النازي. ولعل الحضور اللافت للطلاب والمحاضرين القادمين من الشرق الأوسط داخل القسم أسهم في الحد من تأثير السياسات النازية على الحياة الأكاديمية اليومية.
لذا، كانت هناك فقاعة غريبة داخل الجامعة حيث استمرت روح الزمالة الأكاديمية الحقيقية حتى في الوقت الذي أصبح فيه العالم الخارجي عدائيًا وخطيرًا بشكل متزايد على اليهود.
ما طبيعة الجدل الدائر حول مساهمة كلاين في معجم اللغة العربية الذي وضعه عالم اللغويات الألماني الشهير هانس فير؟ وما الموقف الذي يقدمه كتابكِ في هذا الشأن؟
منذ عام 2014، تناولت العديد من المدونات والمقالات الإلكترونية مشاركة كلاين في إعداد قاموس اللغة العربية المعاصرة لهانز فير، وذهبت إلى أن هذا المشروع كان مرتبطًا بمحاولة إعداد ترجمة عربية معتمدة لكتاب هتلر "كفاحي". وقد انتشرت هذه الرواية على نطاق واسع، وأصبحت أساسًا لعدد كبير من المقالات الموجزة ومنشورات المدونات.
إلا أن كتابي يثبت أن هذا الربط لا يستند إلى أساس تاريخي، وأنه لا توجد أي علاقة بين المشروعين. فقد نشأ هذا الادعاء نتيجة تفسير خاطئ لرسالة كتبها فيرنر أوتو فون هينتيغ، رئيس قسم الشرق في وزارة الخارجية الألمانية، عام 1938. ولم تتضمن الرسالة اقتراحًا بإعداد قاموس عربي-ألماني، أو الإشراف على مشروع من هذا النوع، بل كانت مجرد طلب موجّه إلى مكتبة وزارة الخارجية لتوفير معاجم اللغة التي ذكرها وإضافتها إلى مقتنياتها.
غير أن بعض الباحثين والمترجمين اللاحقين فهموا الرسالة على نحو مختلف، وافترضوا أن فون هينتيغ كان يعبّر عن أسفه لغياب قاموس عربي-ألماني، وهو ما أدى إلى الربط الخاطئ بين مشروع القاموس ومشروع ترجمة "كفاحي". والحقيقة أن المشروعين كانا منفصلين تمامًا؛ إذ كان قاموس اللغة العربية المعاصرة مشروعًا أكاديميًا يندرج ضمن تقاليد راسخة في علم المعاجم العربية في الغرب، بينما كانت ترجمة "كفاحي" جزءًا من مشروع دعائي، ولم تربطهما أيّ صلة.
المستعربة اليهودية التي لا أحد يعرفها
هيدفيغ كلاين مستشرقة مختصة في اللغة العربية، شاركت إبان الحقبة النازية في إعداد قاموس كان من المفترض أن يساعد في ترجمة كتاب أدولف هتلر "كفاحي" إلى اللغة العربية. غير أن هذا لم يساعدها: فقد قتلها النازيون في معسكر الإبادة أوشفيتز عام 1942. هذا القاموس يعتبر أفضل القواميس العربية في العالم، ومع ذلك لم يُشَر فيه إلى مصيرها. شتيفان بوخن يسلط الضوء لموقع قنطرة على هذه الباحثة اليهودية الألمانية.
من الضروري أيضًا تصحيح التصورات الشائعة بشأن حجم مساهمة كلاين في إعداد القاموس. فلا خلاف على أنها شاركت في المرحلة التحضيرية للمشروع، لكن المسألة الأساسية تتعلق بحجم مساهمتها الفعلية وطبيعة الدور الذي لعبته. إذ تذهب رواية متداولة إلى أنها كانت صاحبة العمل الحقيقي في إعداد القاموس، بينما اكتفى هانس فير بنشره باسمه.
وقد أتاح لي البحث إعادة بناء المراحل الأولى من تاريخ القاموس، وتحليل أدوار المشاركين فيه، وتتبع إسهام كل منهم. وتُظهر النتائج أن كلاين عملت في المشروع منذ نحو سبتمبر/أيلول 1941 وحتى ربيع أو أوائل صيف عام 1942، وأنها كانت واحدة من بين عشرة إلى اثني عشر باحثًا شاركوا في استخراج المادة اللغوية من المصادر المنشورة بالطريقة نفسها، ورغم أن مساهماتها اتسمت بجودة علمية عالية، كما هو شأن جميع أعمالها، فإن حجمها الكمي لم يكن كبيرًا مقارنة بإجمالي العمل الذي أُنجز.
ولا يهدف هذا التصحيح إلى التقليل من الصعوبات التي واجهتها كلاين أثناء مشاركتها في المشروع، أو إلى تبرير الطريقة التي عوملت بها خلال تلك الفترة، كما أن الغاية ليست الدفاع عن سمعة هانس فير، حتى وإن كانت الأدلة تشير إلى أن الاتهامات التي تصفه بالتعاطف مع النازية لا تستند إلى أساس تاريخي. وإنما يتمثل الهدف في تصحيح الوقائع التاريخية، ودحض الروايات المضللة التي أضرت، قبل أي شيء آخر، بإرث كلاين العلمي.
وفي الواقع، فإن القصة الحقيقية أكثر قوة وإقناعًا من الروايات المتداولة؛ فهي تحكي سيرة باحثة يهودية شابة تمتعت بموهبة استثنائية، وواصلت عملها العلمي الدقيق حتى في الوقت الذي كان فيه عالمها ينهار من حولها.
ما الرسالة التي تأملين أن يحملها القراء معهم بعد قراءة هذا الكتاب، ولا سيما فيما يتعلق بتأثير المحرقة على الدراسات الأكاديمية للإسلام؟
آمل أن يدرك القراء أن قصة حياة كلاين المأساوية تتجاوز بكثير حدود مصير فرد واحد، فهي تكشف جانبًا أوسع يتعلق بالطريقة التي أعادت بها المحرقة تشكيل إنتاج المعرفة حول الإسلام بصورة جذرية، ليس في ألمانيا فحسب، بل على المستوى العالمي.
فقد أدى وصول النازيين إلى السلطة عام 1933 إلى زعزعة البنية المؤسسية التي قام عليها هذا المجال العلمي، كما تسببت المحرقة في القضاء على جيل كامل من الباحثين اليهود الذين كان لهم إسهام بارز في دراسة الإسلام، واللغات السامية، وثقافات الشرق الأوسط، فبعضهم قُتل في معسكرات الاعتقال، بينما أُجبر آخرون على الفرار إلى المنفى في أنحاء مختلفة من العالم، ولم يتمكن كثيرون منهم من استعادة مواقعهم في الحياة الأكاديمية.
وكان فقدان معارف هؤلاء العلماء وخبراتهم ومشاريعهم البحثية وشبكاتهم العلمية خسارة لا تُعوض، كما أن النفوذ الألماني الطويل في هذا التخصص تراجع بصورة مفاجئة؛ فلم تعد اللغة الألمانية لغة التواصل الأساسية في الأوساط الأكاديمية، ودخل مجال دراسة الإسلام مرحلة جديدة مختلفة جذريًا.
وتجعل قصة كلاين هذا التاريخ الواسع أكثر قربًا وإنسانية، لقد كانت إمرأة ذات موهبة استثنائية والتزامًا علميًا عميقًا. ومع ذلك، انتهت حياتها في سن الحادية والثلاثين فقط لأنها كانت يهودية.
آمل كذلك أن يساهم هذا الكتاب في تصحيح الصورة المثيرة التي أحاطت بقصة كلاين في السنوات الأخيرة. فهي تستحق أن تُذكر على حقيقتها: باحثة موهوبة، وعالمة لغوية مكرّسة، وامرأة امتلكت شجاعة فكرية استثنائية، لا بوصفها جزءًا من رواية مثيرة، بل باعتبارها شخصية علمية وإنسانية فريدة بحد ذاتها.
وأرجو أيضًا أن يكون هذا الكتاب تكريمًا للأشخاص الذين حاولوا مساعدتها، ومن بينهم رودولف ستروتمان، وآرثر شاده، ورودولف سعيد-رويته، وكارل راثجينز، وغيرهم كثيرون، حتى وإن لم تنجح جهودهم في إنقاذها في النهاية، فمواقفهم الإنسانية في مواجهة نظام قائم على نزع الإنسانية عن الآخرين تمثل جزءًا أساسيًا من هذه القصة.
وكما قالت مارغوت فريدلاندر، الناجية من المحرقة التي اخترت كلماتها عنوانًا لهذا الكتاب: "Seid Menschen!" أي "كونوا بشرًا!". وربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي يمكن أن يحمله أيّ قارئ من هذه القصة.
نشر معهد الدراسات المتقدمة في جامعة برينستون نسخةً أطول من هذه المقابلة.
ترجمه من الإنجليزية: م. تايلور
قنطرة ©