أفول الصهيونية؟
التقيت مؤخرًا برجل إسرائيلي مسن، غادر وطنه "بسبب الإبادة الجماعية"، كما وصفها، بل ويعتبر نفسه اليوم "مناهضًا للصهيونية"، وعندما سألته إن كان لا يكفي أن يعدّ نفسه غير صهيوني أو من أنصار ما بعد الصهيونية، أوضح أن هاتين المرحلتين كانتا بالفعل جزءًا من مسار حياته، في عملية تفكير ومراجعة امتدت لعقود. فهو ينحدر من عائلة يهودية صهيونية في الأرجنتين، وهاجر إلى إسرائيل في شبابه، وأصبح تبنّيه اليوم موقفًا مناهضًا للصهيونية، نابعًا من حزن عميق إزاء المسار الذي سلكته إسرائيل.
تحولت الصهيونية إلى أيديولوجيا الدولة في إسرائيل، ومع أن هذا التعريف لا يحيط بكل أبعادها، فإنه لا يمكن بعد 129 عامًا على انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل، مناقشة الصهيونية بمعزل عن سياسات الدولة الإسرائيلية وممارستها العسكرية الراهنة.
لهذا السبب يستخدم بعضهم، ومن بينهم شخصيات في حزب اليسار الألماني، مصطلح "الصهيونية القائمة فعليًا"، في استعارة لغوية تذكّر بالنقد الذي وُجّه سابقًا إلى "الاشتراكية الواقعية" بعد انحرافها عن مبادئها، لكن حتى بهذه الصيغة الحذرة، يبقى النقاش حول الصهيونية في ألمانيا بالغ الصعوبة. فمجرد انتقاد الصهيونية يثير تلقائيًا الشبهة بأن صاحبه ينكر حق اليهود في تقرير المصير، أو يكنّ العداء لإسرائيل، أو حتى يسعى إلى التقليل من شأن الهولوكوست.
ومن أجل إضفاء قدر أكبر من الموضوعية على هذا النقاش، أدعو إلى مقاربة تجمع بين الدقة التاريخية والوضوح السياسي والأخلاقي في ما يتعلق بالواقع الراهن.
من المؤكد أن الصهيونية اتسمت في مراحلها المبكرة بتعدد الأهداف والقيم؛ فقد سعى أنصار المنظور الثنائي القومية إلى التعايش السلمي مع العرب في فلسطين، وضمّ هذا التيار مفكرين بارزين، مثل مارتن بوبر، لكنهم ظلّوا في الواقع أقلية صغيرة لم تؤثر في مجرى الأحداث.
إلى جانب ذلك، ظهر تيار آخر غامض إلى حد ما بين الصهاينة الألمان، وسعى بدرجات متفاوتة إلى تجنب الصراع وعُرف بـ"الصهيونية التوافقية" أو "صهيونية التفاهم". وقد طرحت دراسة حديثة للمؤرخة ومديرة مركز اليهودية في برلين، أنيا زيغسموند، فرضية أنه حتى في وقت متأخر من عشرينيات القرن الماضي، لم يكن المطلب بإنشاء دولة يهودية بالمعنى الرسمي موقفًا سائدًا داخل الحركة الصهيونية؛ فقد كان بعضهم يحلم بنهضة دينية وثقافية، أو بتحرر ذاتي وانتماء عاطفي، وتقول زيغسموند إن الحركة آنذاك كانت تضم "تشابكًا كثيفًا من الدوافع".
ووفقًا لزيغسموند، حلم بعضهم بنهضة دينية وثقافية، وآخرون بتحرر ذاتي أو انتماء عاطفي، مما خلق ما تصفه بـ"تشابك الدوافع".
غير أن هذه النظرة المتعاطفة ينبغي أن تُستكمل بوقائع تاريخية أخرى، فثمة عنصران فكريان كانا حاضرين، بدرجات متفاوتة، في مختلف التيارات الصهيونية قبل قيام الدولة: فكرة التفوق اليهودي على السكان العرب الأصليين، ورؤية إقامة "إسرائيل الكبرى"، التي تشمل على الأقل كامل أرض فلسطين التاريخية.
على سبيل المثال، كان لويس برانديز، أول قاضٍ يهودي في المحكمة العليا الأمريكية، يرى أحقية إسرائيل المستقبلية في المطالبة بأجزاء من الأردن، ويُنسب إليه، بفضل مكانته الشخصية، دور بارز في توثيق العلاقة بين الصهيونية الأمريكية والبيت الأبيض، كما تحمل إحدى الجامعات الأمريكية اسمه.
وعليه، يمكن تتبع خيوط من الاستمرارية التاريخية تربط بين بعض أفكار الصهيونية المبكرة وبين القومية الإثنية المتشددة والتوسعية التي نشهدها اليوم، وتخلّت عن عناصر أكثر ليبرالية في الصهيونية كمن يُلقي بأكياس الرمل لتخفيف الحمولة، في توجه وصفته المؤرخة الألمانية-الإسرائيلية تامار أمار-دال بـ"الصهيونية الجديدة".
الاستعمار والصهيونية
أما في ألمانيا، يجرى تجاهل هذا "الفيل في الغرفة" في كثير من الأحيان؛ فعلى الرغم من ارتكاب جرائم جسيمة باسم الصهيونية، لا يتردد الألمان غير اليهود في إعلان أنفسهم صهاينة، في حين يُتهم حتى اليهود المناهضون للصهيونية بالتطرف أو معاداة السامية، بل إن انتقاد الصهيونية أو معارضتها أصبح اليوم أكثر حساسية مما كان عليه في فترات سابقة، حين كانت إسرائيل نفسها أكثر ليبرالية.
وبعبارة أخرى، كلما ازداد ما يُسمّى بالصهيونية "القائمة فعليًا" تطرفًا، بات نقدها أكثر صعوبة. ولا يمكن تفسير ذلك إلا من خلال الديناميكيات النفسية الخاصة بالمجتمع الألماني؛ وكأن حب الصهيونية يمنح نوعًا من التحرر من عبء الذنب التاريخي.
ولا تزال القدرة على مقاربة الصهيونية من منظور ضحاياها، كما دعا المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد قبل أربعة عقود، غائبة إلى حد كبير عن الخطاب الرسمي الألماني. ويثير ذلك مفارقة واضحة، إذ إن أخذ منظور الضحايا بعين الاعتبار يُعد من المرتكزات الأساسية لأيّ قراءة تاريخية رصينة في سياقات أخرى. أما الفلسطينيون، فما يزالون يُستبعدون من السردية السائدة، ويُهمَّش منظورهم بوصفهم طرفًا متضررًا في هذا السياق.
ورغم أن النقاش الألماني يعاني من قصور أخلاقي وتشوهات سياسية، فإن الخطاب المتضامن مع فلسطين ينبغي بدوره أن يتجنب التبسيطات المضللة وأن يحافظ على الحسّ التاريخي والسياقي. فلا شك أن السياسات الاستعمارية الأوروبية أسهمت في ولادة الصهيونية، ولكن لا يمكن اختزال إقامة دولة إسرائيل في كونها مشروعًا استيطانيًا استعماريًا فحسب.
كما أن هناك فرضية بأنه لولا الهولوكوست لما تمكنت الصهيونية أصلًا من الاستمرار، حيث نظر معظم اليهود في مطلع القرن العشرين، إلى مشروع تيودور هرتزل بريبة أو رفض، ويرى المؤرخ الألماني مايكل برينر أن الصهيونية ربما كانت ستنزلق إلى الهامش لولا صعود معاداة السامية في أوروبا.
تأمل عميق في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني
من أجل فهم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، تجادل عالمة الاجتماع إيفا إيلوز والمؤرخ مايكل برينر بأنه يجب رفض السرديات المُبسطة وتفكيكها قبل البحث عن مسارات للحل.
قد عبّر الفيلسوف الفلسطيني رائف زريق عن ذلك ذات مرة بقوله: "الصهيونية مشروع استيطاني استعماري، لكنها ليست ذلك فقط. فهي تجمع بين صورة اللاجئ وصورة الجندي، وبين الضعيف والقوي، وبين الضحية والجلاد"، غير أن الاعتراف بهذه الازدواجية التاريخية لا يبرر النكبة، ولا الاحتلال، ولا الإبادة الجماعية التي شهدها قطاع غزة مؤخرًا.
حجج عمر بارتوف
يتحدث المؤرخ عمر بارتوف في كتابه الجديد "إسرائيل: ما الذي سار على نحو خاطئ؟"، عن "تحول مأساوي" للصهيونية إلى أيديولوجية بنزعة عسكرية، وأدت في نهاية المطاف إلى إبادة جماعية. ويجادل بأن أي شخص لا يزال يدعم الصهيونية اليوم هو شريك في جرائمها، ويقول: "الصهيونية غير قابلة للإصلاح"، فكما هو الحال مع أيديولوجيات أخرى قادت في التاريخ إلى ارتكاب مذابح جماعية، لم تعد الصهيونية، في رأيه، قابلة للاستمرار.
هذا طرح لا يلقى ترحيبًا في ألمانيا؛ فكتاب بارتوف يصدر حاليًا بلغات عديدة، منها البولندية والفرنسية والإسبانية والبرتغالية وحتى الصينية التايوانية، لكن لم يجد له ناشرًا في ألمانيا، كما لم يجد ناشرًا في إسرائيل.
ومع ذلك، لا يصف بارتوف، الذي نشأ في عائلة صهيونية ليبرالية بارزة في إسرائيل، نفسه بأنه معادٍ للصهيونية، ما يعني أنه لا يتبنى الموقف الأكثر راديكالية في هذا النقاش.
ويرى بارتوف أن الصهيونية ظهرت في الأصل ردًا على القومية الإثنية التي نشأت في أوروبا الشرقية والوسطى، بعدما جرى استبعاد اليهود من الانتماء إلى تلك الأمم، ويضيف: "ثم فعلت الصهيونية ما تفعله جميع القوميات الإثنية: طالبت بمكان لنفسها وأزاحت الآخرين منه".
إقصاء النساء
بالنسبة له، يجب فهم الظروف التي أدت إلى ظهور الصهيونية، لأن اعتبارها مشروعًا إباديًا منذ البداية لا يتوافق مع الحقيقة التاريخية، وفي رأيه، لم يكن الانحدار السياسي والأخلاقي لإسرائيل أمرًا حتميًا بأيّ حال من الأحوال. ويعزو، من بين عوامل أخرى، فشل إسرائيل بعد قيام الدولة والنكبة، في إخضاع القومية الإثنية لضوابط ديمقراطية مستدامة، إلى غياب دستور للدولة.
ويرى المؤرخ البارز، أن هذا الغياب يعود إلى أنّ الوعد الذي تضمنه إعلان الاستقلال في مايو/أيار 1948، والقاضي بمنح "جميع المواطنين حقوقًا اجتماعية وسياسية متساوية كاملة، بغض النظر عن العرق أو الدين"، ظلّ وعدًا فارغًا وغير قابل للتنفيذ قانونًا، لكن هل كان هذا، كما يقترح بارتوف، نتيجة تقصير – أم كان مقصودًا؟
ويجادل بارتوف بأن إسرائيل، لا الصهيونية، ما تزال قابلة للإصلاح، شرط أن تتحرر من الصهيونية نفسها، أما إذا استمرت في التمسك بها، فإنها ستتحول، على المدى المتوسط، إلى "دولة منبوذة" آيلة إلى الانهيار من الداخل، وستفقد أهم داعميها، بمن فيهم الجماعات اليهودية حول العالم، التي باتت ترى في إسرائيل، بصورة متزايدة، مصدر خطر لا مصدر حماية.
حلّ الدولة الواحدة كرؤية للسلام
في السياق الأمريكي، حيث يدرّس بارتوف، لا تبدو هذه الأطروحات هامشية كما هو الحال في ألمانيا، فالصورة السلبية لإسرائيل آخذة في الانتشار بين الأمريكيين؛ إذ أظهر استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث، أن 80 في المئة من ناخبي الحزب الديمقراطي باتوا ينظرون إلى إسرائيل بصورة سلبية، كما تتزايد المسافة بين إسرائيل وبين اليهود الأمريكيين، لا سيما بين الأجيال الشابة.
وقد وصفت مجلة "ذا نيويوركر" مؤخرًا بالتفصيل أجواء التوتر داخل الأوساط اليهودية في الولايات المتحدة، في مقال تحت عنوان: "الخلاف حول غزة والصهيونية يمزق المجتمعات اليهودية".
كما تحدثت أرييل أنخيل، رئيسة تحرير مجلة "التيارات اليهودية" الأمريكية، مع صحيفة هآرتس، عن "تحول تاريخي فارق"، يتجلى في البحث عن يهودية تتمحور حول التقاليد اليهودية للعدالة، بدلًا من إسرائيل والصهيونية، وفي هذا السياق، بدأت تظهر في أماكن عديدة جماعات للصلاة وحلقات قراءة تتبنى توجهات غير صهيونية.
ووفقًا لتحليل لشاؤول ماجيد، أستاذ الدراسات اليهودية في جامعة هارفارد، فإن الإجماع الصهيوني بين اليهود الأمريكيين، الذي كان سائدًا منذ عام 1967، قد تحطم اليوم، ويكتب أن الفظائع في غزة كانت "كالمشرط الذي شقّ قلب اليهودية".
ويرى أن التحدي المطروح الآن يتمثل في استكشاف "واقع ما بعد الإجماع"، فالصهيونية، في نظره، لم تكتب نهايتها بعد، لكن بقائها يعتمد على "خلق مساحة لنقيضها"، ضمن ما يشبه سوقًا مفتوحة للأفكار اليهودية.
قد يكون لمثل هذا التحول تداعيات بعيدة المدى في الولايات المتحدة، ويسترعى انتباهنا، فاتساع الفجوة السياسية بين المجموعتين الرئيسيتين من اليهودية العالمية، في الولايات المتحدة وإسرائيل، من شأنه أن يُعيد رسم أفق المستقبل الإسرائيلي الفلسطيني جذريًا.
كما أن التفكير في نموذج مبنى على المساواة الكاملة في الحقوق المدنية لجميع السكان ضمن حل الدولة الواحدة – أيًا كان شكلها – ليس فكرة هامشية في الولايات المتحدة بالقدر الذي عليه في إسرائيل وألمانيا. ويقوم هذا التصور، على التخلي عن المبدأ الصهيوني الذي يفترض أن يشكل اليهود أغلبية ديموغرافية واضحة في الدولة.
ورغم أن هذا الطرح يقدم رؤية ديمقراطية ملهمة للسلام، فإنه لا يجد أيّ صدى في الخطاب الرسمي الألماني؛ فكل من لا يتمسك بفكرة التفوق اليهودي يثير الشكوك والريبة في ألمانيا، وهو ما يعكس، فهمًا ملتبسًا لدروس الهولوكوست، وإلا فماذا كان سيقول مارتن بوبر حيال ذلك؟
ترجمه من الإنجليزية: محمد مجدي
قنطرة ©