"الضفة الغربية تتحول إلى كانتونات"

دخان حريق يتصاعد في ساحة أرض ويظهر بالصورة أشخاص يراقبون المشهد.
سُجل أكثر من 1500 اعتداء للمستوطنين منذ بداية العام، وتوثق هذه الصورة إحراق حقول زراعية في قرية تل، غربي نابلس، في 18 يوليو/تموز 2026. (Photo: Picture Alliance / ZUMAPRESS.com | Nedal Shtieh)

تتحول الضفة الغربية تدريجيًا إلى كانتونات محاصرة بالمستوطنين الإسرائيليين، وسط تصاعد الاستيلاء على الأراضي والاعتداءات على الفلسطينيين منذ السابع من أكتوبر 2023. من الخليل، يتحدث عيسى عمرو عن تداعيات هذا الواقع وآفاق الدولة الفلسطينية.

حوار: أسماء الغول

قنطرة: بعد أحداث قرية قصرة في الضفة الغربية من حصار مستمر لأكثر من 50 يومًا، كيف تصف المشهد الاستيطاني في الضفة الغربية اليوم، وما الذي تغيّر خلال السنوات الثلاث الأخيرة؟

عيسى عمرو: لا يجب أن نقع في فخ الإعلام الغربي بالتركيز على حادثة واحدة، بل علينا النظر إلى الواقع ككل. فمنذ تشكيل الحكومة الإسرائيلية الحالية في نهاية 2022، بدأت سياسة عنف منظمة تهدف إلى دفع التجمعات الفلسطينية خارج مناطق سكنها. وفي الخليل وحدها، تعيش أكثر من ألف عائلة تحت قيود وحصار بسبب اعتداءات المستوطنين وإغلاق الحواجز، ولا تستطيع الحركة أو استقبال الزوار بحرية.

ويتكرر المشهد في مسافر يطا ومسافر بني نعيم ومحيط نابلس، ما يجعل قضية قصرة جزءًا من ظاهرة أوسع. وما حدث في حوارة قرب نابلس في مارس/آذار 2023، من هجمات وحرق وحصار، مثال على ذلك، وسط تحريض من سياسيين إسرائيليين، بينهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش. 

وخلال السنوات الثلاث الماضية، جرى تهجير أكثر من 118 تجمعًا فلسطينيًا، وسُجل منذ بداية العام أكثر من 1500 اعتداء، وفق ما تم توثيقه فقط، لكن حجم الاعتداءات الفعلي أكبر بكثير، ففي منزلي بالخليل نتعرض لمتوسط 4 اعتداءات يوميًا، وقد يتجاوز العدد 10 اعتداءات في عطلة نهاية الأسبوع، ولا نوثق جميعها.

ما أكثر نمط متكرر من هذه الاعتداءات؟ 

أبلغني بعض الناس في تل الرميدة بمنطقة الخليل أنّ المستوطنين بصقوا عليهم وهم بالشارع، وضربوا النساء وأغلقوا الشوارع، ناهيك عن السرقات، وتدمير وحرق المنازل الفلسطينية وإطلاق النار أيضًا.

ونتحدث هنا عن أرقام صادمة؛ كان وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير متهمًا في خمسين ملفًا جنائيًا وإرهابيًا لدى الشرطة الإسرائيلية قبل أن يصبح وزيرًا، وهو أحد المعجبين بـ"باروخ غولدشتاين"، منفذ مذبحة الحرم الإبراهيمي عام 1994، ووزع 300 ألف قطعة سلاح منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 حتى الآن على المستوطنين تحت عين الحكومة والكنيست. فعليًا قد أسّس مليشيات باسم الحماية والأمن.

وأستذكر حين حقّق معي الشاباك الإسرائيلي في المرة الأخيرة، قلت له إنّ ما يحدث ليس قانونيًا، وردّ: "لم يبق لدينا قانون، نحن نتصرف بمنطق القوة"، فقلت له إنّ الذي لا يحترم قانونه إما يغيره وإلا فإنّه يسير نحو التدمير.

A portrait of Palestinian Activist Issa Amro. (Private)

ناشط حقوقي فلسطيني، مولود في الخليل عام 1980، وأحد مؤسسي مجموعة "شباب ضد الاستيطان" في الخليل، التي تنظم أنشطة سلمية وتوثق انتهاكات حقوق الإنسان المرتبطة بالاستيطان والاحتلال. ويعترف به الاتحاد الأوروبي رسميًا كمدافع عن حقوق الإنسان. وفي عام 2024، حصل على جائزة "رايت ليفليهود" تقديرًا لعمله السلمي، وجائزة حقوق الإنسان وسيادة القانون الفرنسية-الألمانية.

ما الذي سمح خلال السنوات الأخيرة بهذا المستوى من التوسع والهجمات؟

أولًا؛ الانقسام الفلسطيني وضعف السلطة الوطنية الفلسطينية، إلى جانب غياب برنامج فلسطيني موحد داخل منظمة التحرير لإسناد العائلات وتمثيل الصوت الفلسطيني.

ثانيًا؛ صمت المجتمع الدولي، خاصة أن الكثير من المستوطنين يحملون جنسيات فرنسية وبريطانية وأمريكية وألمانية. وحين يعتدون علينا في منطقتنا بالخليل، كثير منهم لا يتحدث معنا إلا الإنجليزية، وبعضهم يتلقى دعمًا من مؤسسات موجودة في هذه الدول. المجتمع الدولي لا يريد تطبيق القوانين على المستوطنين وإسرائيل ونظامها المالي، بل إنّ أنظمته تسمح بهذه التبرعات. وفي الوقت نفسه، يواجه الفلسطينيون، حتى عند التقدم للحصول على تأشيرة أوروبية، إجراءات تدقيق أمنية مشددة.

ولكن هناك عقوبات أوروبية وعالمية؛ إذ أعلنت عدة دول أوروبية وكندا مؤخرًا عن قيود تجارية -أو فرضتها بالفعل- على السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية، في حين فرضت بعضها أيضًا حظرًا على سفر الوزيرين سموتريتش وبن غفير. وبالمثل، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على أفراد ومنظمات ضالعة في عنف المستوطنين، شملت تجميد أصولهم وحظر سفر الأفراد المدرجين في القائمة...

لا تتناسب العقوبات إطلاقًا مع حجم الانتهاكات على الأرض.

ورغم اتساع الوعي العالمي وحركة التضامن مع فلسطين الآن، إلا أن ذلك لا يزال يحتاج إلى ​المزيد من الحملات. ومن الأمثلة على ذلك؛ حملة منظمة العفو الدولية "أمنيستي" عام 2017 للحدّ من دخول بضائع المستوطنات إلى الأسواق الأوروبية.

يجب عودة مثل هذه الحملات، والتعامل مع كل ما يخصّ المستوطنات على أنه غير قانوني بما في ذلك التجارة، وينبغي أن تتحرك البرلمانات الأوروبية في هذا الاتجاه أيضًا، كما يجب التعامل مع المستوطنين على أنهم إرهابيين وأن يعاقبوا كمنظومة وليس كأشخاص.

هل تعتقد أن حدوث الإبادة في غزة سمحت لهم أن يزيدوا من جرائمهم في الضفة الغربية؟

طبعًا! أدّت الإبادة إلى انشغال العالم التام فيها وفيما يحدث بقطاع غزة، واستغل الاحتلال ذلك باستهداف الضفة دون أن يلتفت أحد إلى ما يفعلونه، وزادت الانتهاكات وكميتها بأسلوب عنيف وشرس غير مسبق، وأصبح المستوطنون يهجمون على المنازل ويطلقون النار بحرية، ومن غير المسموح لك الدفاع عن نفسك.

رأينا ما حدث مع الفلسطيني فاروق رمضان، الذي دافع عن نفسه وأرضه بعدما هاجمه مستوطن، إذ استولى فاروق على سلاح المستوطن وأطلق النار عليه. وانتهى الأمر بمقتل فاروق على يد الجيش الإسرائيلي واتهامه بالإرهاب وهدم منزله واعتقال أفراد من عائلته. ولو حدث هذا في أيّ دولة ثانية تحترم القوانين لا يتم الاقتصاص منه، فقد كان دفاعًا عن النفس بشكلٍ واضح.

علاوة على ذلك، منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، أُنشئت أو توسعت نحو 185 بؤرة استيطانية، وسط تخصيص الحكومة الإسرائيلية 8.5 مليارات شيكل أي نحو 2.8 مليار دولار للمستوطنات والمستوطنين والبنية الاستيطانية.

قرر وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في أغسطس/آب الماضي، نقل مسؤولية التعامل مع المستوطنين في الضفة الغربية من الجيش إلى الشرطة التابعة لبن غفير، ماذا يعني هذا؟

هذا الكلام غير دقيق وشعارات إعلامية مستهلكة؛ فالشرطة المدنية هي الجهة المخولة بالتعامل مع المستوطنين وتطبيق القانون المدني عليهم، لأنهم يخضعون أصلًا للقانون المدنيّ وليس العسكريّ. وهذا الترتيب قائم منذ البداية، وليس أمرًا جديدًا كما يُصوَّر.

أما الصلاحيات، التي يتم الحديث عن نقل مسؤوليتها للشرطة، فتتعلق باستهداف نشطاء السلام الإسرائيليين الذين يأتون إلى التجمعات الفلسطينية لحمايتها، من خلال منح الشرطة صلاحيات لطردهم.

وأنا شخصيًا، عندما أتعرض لاعتداء من المستوطنين، أتوجه بشكوى إلى الشرطة الإسرائيلية، بينما لا يتدخل الجيش. وحتى مجموعة "كسر الصمت"، التي تضمّ جنودًا إسرائيليين سابقين، تقول إن مهمة الجيش في الضفة تتركز على حماية المستوطنين، وليس محاصرتهم أو محاسبتهم.

كيف تفسّر الفجوة بين حجم الاعتداءات التي يواجهها الفلسطينيون وبين عدد المستوطنين الذي يتم محاسبتهم؟

لا توجد محاسبة حقيقية. وهناك عدة أسباب لذلك؛ منها تقليص عدد مراكز وأفراد الشرطة الإسرائيلية في الضفة الغربية، ما يضعف قدرتها على التعامل مع هذه الجرائم. إلى جانب وجود ثقافة محلية لدى بعض الفلسطينيين، للأسف، بأن لا تشتكي ولا تحاول ولا تتعب نفسك، لأن الشكوى في المحاكم الإسرائيلية لا تتبعها إرادة سياسية لمحاسبة المستوطنين. 

بناءً على هذا؛ كيف يمكن أن تبدو حياة الفلسطيني في الضفة بعد خمس أو عشر سنوات؟ 

الوضع سيئ جدًا، وقد يؤدي إلى مزيد من هجرة العقول والمستثمرين إلى الخارج. نحن نتجه نحو كانتونات محاصرة بالجيش والمستوطنين مع استمرار السيطرة على مزيد من الأراضي، وغالبًا سيطرة كاملة باتجاه ترحيل المجتمع الفلسطيني خارج الضفة الغربية إلى الأردن والدول العربية المجاورة. 

وليس في هذا الوصف مبالغة؛ فهناك نحو 925 عائقًا أمام حركة الفلسطينيين في الضفة الغربية، بين حواجز وبوابات وغيرها. 

إذن، هل نحن أمام نموذج جديد للسيطرة على الأرض الفلسطينية دون الحاجة إلى إعلان ضمّها رسميًا؟

أصبح الضمّ في الضفة الغربية واقعًا قائمًا؛ فهناك سيطرة على الأراضي ومصادر المياه والكهرباء، إلى جانب تقويض صلاحيات السلطة الفلسطينية بشكل كبير. لذلك، لا أرى أن مصطلح "الضمّ" وحده يعكس ما يحدث، فالضفة الغربية الآن أصبحت جزءًا من دولة إسرائيل.

هل ما يحدث اليوم يمكن عكسه سياسيًا وجغرافيًا، أم أننا وصلنا إلى نقطة أصبح فيها التراجع عن الاستيطان شبه مستحيل؟

هناك حاجة إلى إرادة دولية لإنهاء الاحتلال والاستيطان وتنفيذ قرار محكمة العدل الدولية الصادر قبل عامين، الذي اعتبر استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة والاستيطان غير قانونيين، ودعا إلى إنهائهما خلال عام. وقد مضت المهلة دون تنفيذ، ما يجعل تطبيق القرار خطوة أساسية نحو إنهاء الاحتلال والاستيطان، ويحتاج ذلك إلى موقف دولي جاد وفعّال.

إلى أيّ مدى غيّر الاستيطان شكل الضفة الغربية؟ وما تأثيره على مستقبل حلّ الدولتين؟

شبيبة التلال (مجموعة استيطانية تقود البؤر الاستيطانية الرعوية في الضفة الغربية)* تمكنت خلال السنوات الثلاث الماضية من الهيمنة على نحو 18% من الضفة الغربية وأكثر من 63% من مناطق (ج)، فيما تتجه الآن نحو مناطق (ب) و (أ).

ومن المفترض أن تسيطر السلطة الوطنية على 40% من الضفة الغربية متمثلة في مناطق (ب) و (أ)، إلا أن سيطرتها الفعلية لا تتجاوز 5 إلى 10%. (تُقسم الضفة الغربية طبقًا لاتفاقية أوسلو الثانية بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل إلى ثلاث مناطق رئيسية من الناحية الإدارية والأمنية، وهي المناطق (أ، ب، ج))*

يعني لا يوجد حلّ دولتين؟

لا يوجد حلّ دولتين، ولا يوجد حلّ أصلًا في ظلّ تواطؤ المجتمع الدولي بعدم محاسبة إسرائيل على جرائم الحرب التي ترتكبها.

وما الحل إذن؟

أولًا؛ نحن الفلسطينيون يجب أنْ نختار قيادة بديلة ونُفعّل منظمة التحرير، ونُشرك جميع القوى الفلسطينية فيها ونتوحد. وثانيًا؛ أن نعتمد برنامج تعزيز صمود ومقاومة شعبية وسلمية في الضفة الغربية وغزة.

ثالثًا؛ تأسيس حملة عالمية تعزل وتحاسب إسرائيل على الاستيطان وجرائمها في العالم، والضغط على الحكومات الغربية لتنفيذ القانون الدولي.

** إضافة المحرر 

قنطرة ©