صعود اليمين المتطرف يعمّق مخاوف المهاجرين
حين دخل محمد بسام مركز الاقتراع في مدينة شفيرين صباح انتخابات ولاية مكلنبورغ-فوربومرن، كان يفكر أيضًا في اعتبارات شخصية تتجاوز التصويت نفسه: زوجته المحجبة، وطفله، والحياة التي بناها في ألمانيا خلال السنوات العشر الماضية.
وشهدت ثلاث ولايات ألمانية انتخابات خلال سبتمبر/أيلول، تصدّر فيها حزب "البديل من أجل ألمانيا" نتائج الانتخابات في ولايتي مكلنبورغ-فوربومرن وساكسونيا-أنهالت، فيما حلّ ثالثًا في برلين. ويُصنَّف الحزب من هيئة حماية الدستور بوصفه "يمينيًا متطرفًا مثبتًا" في بعض الولايات، بينها ساكسونيا-أنهالت.
لم يتفاجأ بسام بتصدّر الحزب المناهض للهجرة نتائج الانتخابات في ولاية مكلنبورغ-فوربومرن بنسبة 38.2 في المئة، مقابل 35.5 في المئة لمنافسه الأبرز الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الذي صوّت له. فقد كان خطاب الحزب المعادي للمهاجرين واللاجئين، وما يصفه بسام بـ"العنصرية"، حاضرًا في حياته اليومية بمدينة شفيرين قبل الاقتراع بسنوات.
ويشير أيضًا إلى ما حققه الحزب في ولاية ساكسونيا-أنهالت، حيث حصل على 43.8 في المئة من الأصوات، وهي أعلى نسبة يحققها في انتخابات برلمان إحدى الولايات الألمانية منذ تأسيسه عام 2013. ورغم تصدّره نتائج الانتخابات في الولايتين، فإن ذلك لا يعني توليه الحكم تلقائيًا، لكنه بات أقرب من أيّ وقت مضى إلى الوصول إلى السلطة على مستوى الولايات.
ومع ذلك، أثارت النتائج مخاوف كثيرة، لا سيما بين المهاجرين والسكان من أصول مهاجرة، من تنامي العنصرية واحتمال الترحيل، في ظلّ سياسة الحزب الرامية إلى الحدّ من الهجرة وتوسيع عمليات الترحيل والترويج لما يسميه "إعادة الهجرة". وقد تحدث أولريش سيجموند، أحد أبرز وجوه الحزب في ساكسونيا-أنهالت، عن إمكانية استخدام معدات عسكرية في إطار حملات مستقبلية لـ"إعادة" المهاجرين وترحيلهم.
"ألماني على الأوراق الرسمية فقط"
وصل بسام، إلى ألمانيا عام 2016 هربًا من الحرب في سوريا، وبنى فيها أسرة، ويعمل مديرًا لصالة في أحد المطاعم ويدفع ضرائبه، كما تطوع لنحو عام ونصف في مبادرة لمساعدة لاجئين آخرين، قبل أن يحصل على الجنسية الألمانية منذ ثلاث سنوات. لكن ذلك، في نظره، لم يغيّر الطريقة التي ينظر بها كثيرون إليه، وحين يُسأل من أين جاء، يقول إنه من سوريا.
يشعر بسام أن ملامحه العربية وشعره الأسود يسبقان جواز سفره في تشكيل نظرة الآخرين إليه، ويقول: "معي الجنسية، لكنني ألماني على الأوراق الرسمية فقط. الناس ما زالوا يعاملونني كأجنبي".
لكن قلقه الأكبر على زوجته التي وصلت ألمانيا عام 2023 عن طريق لم الشمل، لكنها لم تحصل على الجنسية بعد، ويقول إن نظرات الناس إليها بسبب حجابها تؤلمه، وإن المضايقات التي تعرّضت لها جعلته يقلق حين تستخدم المواصلات وحدها. لذلك، كان يشعر بالخوف من أن ينعكس صعود اليمين المتطرف على معاملتها وعلى حياتهما بشكل أكبر.
يستذكر حادثة وقعت له في إحدى الحدائق أثناء وجوده مع أحد أصدقائه. فبحسب روايته، لاحظ بعض الأشخاص خوفهما من الكلاب، فبدأوا بتوجيه كلابهم نحوهما بقصد إخافتهما. صحيح إنه لم يتعرض أيّ منهما للأذى، إلا أن الموقف ظلّ عالقًا في ذاكرته.
ويقول إن مثل هذه الحوادث قد تنتهي خلال دقائق، لكنها تترك أثرًا يتجاوز لحظتها، فمع تكرارها وتراكمها، يشعر بأن أسرته لا تحظى بالقبول الكامل في المدينة التي يعيش فيها.
يضيف: "أنا لا أخاف من سياسة الحزب بقدر ما أخاف من الشارع"، موضحًا أن القرارات السياسية تمرّ عبر البرلمان، لكن يخشى أن تمنح نتيجة الانتخابات الأخيرة بعض مؤيدي حزب البديل شعورًا بأن "السلطة أصبحت معهم"، بما قد يشجعهم على مزيد من المضايقات والعداء تجاه المهاجرين في الحياة اليومية. ويسمي ذلك بـ"التطفيش": أن تصبح المعاملة اليومية مرهقة إلى حدّ يجعل الإنسان يرغب في الرحيل.
ومع ذلك، لا يفكر بسام في مغادرة ألمانيا، لكنه قد ينتقل إلى ولاية أخرى، مثل برلين، إذا ضاقت به الحياة في شفيرين.
حياة تتوقف على الإقامة
أما علي، الذي طلب الاكتفاء بذكر اسمه الأول، فهو مصري الجنسية ويبلغ 32 عامًا، ويعيش أيضًا في مكلنبورغ منذ عام 2014، لم يستطع التصوّيت بالانتخابات، لكنه تابع نتائجها بقلق، إذ قد تؤثر في مستقبله من دون أن يكون له صوت فيها، وهو وضع يصفه بأنه "يثير العجز والخوف".
يعمل علي في أحد المطاعم ويحمل تصريح عمل مؤقتًا، لكنه لا يزال ينتظر البتّ في طلب تسوية وضعه القانوني والحصول على إقامة منتظمة، الذي قدّمه بمساعدة محامٍ. ويخطط للزواج من خطيبته التي لا تزال في مصر، ثم لمّ شملها معه في ألمانيا، لكن تنفيذ هذه الخطط يبقى مرتبطًا بحصوله على الإقامة. يقول إنه يسمع أحيانًا إهانات عنصرية في الشارع ولا يرد عليها؛ إذ يخشى أن يتحول أيّ احتكاك إلى مشكلة بينما لا يزال وضعه القانوني معلقًا.
يحمل علي كذلك ذكرى مؤلمة من مطعم كان يعمل فيه ببلدة باد کلاینن، فقد جاء زميله التركي ذات يوم بالحلوى، احتفالًا بولادة ابنه الذكر الذي كان ينتظر قدومه، وفي اليوم التالي، قُتل على يد رجل ألماني، هاجمه أثناء عمله عام 2025. يقول إن فقدانه وشعوره بعدم الأمان أثّرا فيه قرابة عام، وإنه غادر البلدة لاحقًا.
لم تثبت التحقيقات دافعًا عنصريًا للجريمة، وأشارت النيابة إلى احتمال تأثر المسؤولية الجنائية للمتهم بمرض نفسي، لكن علي يرى أن الهجوم كان بدافع الكراهية، مشيرًا إلى أن الرجل، بحسب روايته، لم يكن يبدو عليه أيّ سلوك غير طبيعي، وأنه بقي في المطعم نحو ساعتين حتى خلا المكان، قبل أن يستل سكينًا من المطبخ ويهاجم العاملين. وأعادت الحادثة إلى ذهن علي ما يراه اختلافًا في توصيف وتناول الجرائم بحسب أصول مرتكبيها. ويقول: "عندما يرتكب ألماني جريمة قتل، تُطرح أعذار مثل المرض النفسي، لكن عندما يرتكب مهاجر الجريمة نفسها، يُطلَق عليه فورًا وصف الإرهابي".
ارتياح حذر في برلين
في برلين، حصل حزب اليسار على 25.7 في المئة من الأصوات، في نتيجة بعثت ارتياحًا لدى بعض المهاجرين، بينهم أميت*، هندي الجنسية، الذي يعيش في العاصمة منذ خمس سنوات. وحلّ "البديل من أجل ألمانيا" ثالثًا بحصوله على 16.3 في المئة.
يقول إن تركيز اليسار على أزمة السكن وتكاليف المعيشة، بدلًا من تحميل المهاجرين مسؤولية المشكلات، يجعله يشعر بأمان أكبر. ومع ذلك، ينتظر ليرى إن كان الحزب سيتمكن من تنفيذ وعوده.
في الوقت نفسه، يثير تنامي قوة "البديل من أجل ألمانيا" مخاوف أميت على مستقبله، ويقول إن مشاهدة مقاطع فيديو لأنصار الحزب وهم يهتفون "أجانب، ارحلوا" جعلته يشعر بقشعريرة، مضيفًا أنه "إذا وصل الحزب إلى السلطة وأُجبرنا على الرحيل، فسيعني ذلك ضياع خمس سنوات من العمل الشاق لبناء حياة في ألمانيا، والاضطرار إلى البدء من الصفر في الوطن".
فيما يتمسّك آخرون بالبقاء والتصدي لصعود اليمين المتطرف، من بينهم الألماني-السوري عزالدين فندي، صاحب أحد المتاجر والمولود في ساكسونيا-أنهالت، الذي يقول لقنطرة: "نحن مع المدينة، نحن مع ألمانيا، نحن جزء من الوطن. نعمل وندفع الضرائب ونوفّر فرص العمل. لسنا عبئًا على الحكومة الألمانية، بل نحن منتجون".
*تم تغيير الاسم
© قنطرة