من هم الأمازيغ؟
ماذا نعرف عن الأمازيغ؟
يُعد الأمازيغ، السكان الأصليين لمنطقة تامازغا، التي تغطي مساحة شاسعة تمتد من جزر الكناري حتى المناطق الغربية من مصر، ومن البحر الأبيض المتوسط إلى منطقة الساحل والصحراء في أفريقيا.
عُرفت المنطقة تاريخيًا في المصادر العربية باسم "بلاد البربر"، وهو اسم فُرض عليها من الخارج، شأنه شأن تسميات أخرى عديدة، وتسعى تسمية "تامازغا" اليوم إلى استبدال هذه الأسماء والتعبير عن هوية السكان الأصليين للمنطقة.
ويبلغ إجمالي تعداد الأمازيغ بين 35 مليون حتى 40 مليون شخص حول العالم، ويعيش معظمهم في المغرب والجزائر، مع نسبة معتبرة في كل من ليبيا ومالي والنيجر؛ إضافة إلى مجموعات صغيرة في مصر وتونس وموريتانيا.
وتعتنق الأغلبية العظمى من الأمازيغ الإسلام، وقد مارسوا أيضًا المعتقدات الروحانية المسيحية واليهودية في الماضي، ويدل اسم "الأمازيغ" على هوية لغوية وثقافية لا دينية، ويُعرّف الشعب من خلال لغته.
لماذا يتزايد رفض مصطلح "البربر"؟
يفضل النشطاء الأمازيغيون، استخدام مصطلح الأمازيغية عن "البربر" الشائع؛ وذلك كجزء من مسعاهم لإعادة التفكير في المصطلحات وتوطينها.
وقد أطلق عليهم مؤرخ وفيسلوف العصور الوسطى ابن خلدون، مصطلح البربر إلا أنه ينطوي على مدلول سلبي، حيث تشير كلمة البربر، اللاتينية الأصل والمشتقة من اليونانية، إلى الغربة والغرابة، بالإضافة إلى البربرية والوحشية.
فيما استخدم الرومان هذا الاسم لوصم أي شخص يختلف عنهم، بيد أنها أصبحت تُستخدم لوصف الأمازيغ، وكتب رمزي روغي، مؤلف كتاب "اختراع البربر"، أن كلمة "بربري" ربما كانت تصف أيضًا فئة من العبيد.
ومع ذلك، يدافع المعارضون لإحياء الثقافة الامازيغية عن مصطلح بربر، بحجة أن الأمازيغية والتمازيغية مصطلحات مبتكرة من الفرنسيين، وهي مزاعم فندتها المصادر التاريخية.
ما هي اللغة أو اللهجات التي يستخدمها الأمازيغ؟
يتحدث الأمازيغ، العديد من اللهجات الأمازيغية: تشلحيت في المغرب، والقبائلية أو تقبايليت في الجزائر، وتماشق في ليبيا والنيجر ومالي، كما ظهرت لهجات فرعية أخرى، نتيجة الاستعمار والقومية عقب الاستقلال التي رسخت المسافة الجغرافية في حدود وطنية.
تُدّرس الأمازيغية اليوم في المدارس، وتستخدم في وسائل الإعلام كذلك، واعترفت بها المغرب كلغة رسمية في 2011، ولحقت بها الجزائر عام 2016، فيما استطاع أمازيغ ليبيا أن يتخذوا قراراتهم الخاصة بشأن لغتهم وثقافتهم، منذ الإطاحة بالديكتاتور الليبي معمر القذافي عام 2011.
كيف تعامل الأمازيغ مع سياسة التعريب؟
كانت عملية التعريب في فترة ما بعد الاستقلال، بمثابة نقمة أفسدت التماسك الوطني الذي طالما رُوج له شمال تمازغا؛ ففي ثلاثينيات القرن العشرين، وفي ظلّ جمود نضالهم ضد الاستعمار، تبنّى القوميون، اللغة العربية والإسلام كمرجعين أساسيين لهوية مجتمعاتهم.
وقال عبد الحميد بن باديس، أحد مؤسسي القومية الجزائرية، إن "الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا"، وتحولت مثل هذه الشعارات المناهضة للاستعمار إلى سياسات بعد الاستقلال، وأصبح الأمازيغي "الصالح" هو من يندمج ببساطة في المجتمع العربي الإسلامي.
فيما اتهم القوميون المغاربة، فرنسا بمحاولة تنصير الأمازيغ وفصلهم عن العربية والإسلام، ولا يزال هذا الإرث يطارد أجيالاً من الأمازيغ الذين ما زالوا يُتهمون إلى اليوم بالولاء لفرنسا، أو في كثير من الأحيان بالولاء لإسرائيل، خاصةً عندما يطالبون بحقوقهم.
كما روّجت الأحزاب القومية لسياسات التعريب في التعليم والثقافة بذريعة محاربة اللغة الفرنسية، حتى في الوقت الذي كان قادتها يرسلون فيه أبناءهم إلى المدارس الفرنسية، وقد ساهم هذا الدفاع الخطابي عن التعريب في التغطية على هيمنة اللغتين العربية والفرنسية على حياة الأمازيغ.
تركت عقودًا من التهميش الممنهج للأمازيغية العديد من الأمازيغ بلا خيار سوى: تبني الهوية العربية المهيمنة بشكل كامل. ولا يزال العربية مقدسة في العديد من الأحزاب السياسية وأفراد المؤسسة الدينية في جميع أنحاء المناطق الأمازيغية. فيما يبقى إرث التعريب مستمرًا، حتى لو يعد يُناقش بالطريقة نفسها.
هل يواجه الأمازيغ تمييزًا؟
لقد تحسن وضع الأمازيغ مقارنةً بالنصف الثاني من القرن العشرين، وتُعتبر الأمازيغية اليوم لغة دستورية في الجزائر والمغرب، وتُعرض رموز الأمازيغية - من خط تيفيناغ إلى العلم الأمازيغي - على المباني والوثائق الرسمية، ولم تعد الأسماء الأمازيغية غير قانونية، وهناك وعي واسع النطاق بقضايا الأمازيغ.
ومع ذلك، تظل اللغة العربية شبه مقدسة في قلب التيار القومي العربي في ولايات تامازغا الشمالية، رغم التحولات العميقة في وعي مواطنيها بهويتهم الأمازيغية، ونتيجة لذلك، غالباً ما يبقى وضع الأمازيغ كمواطنين من الدرجة الثانية في وطنهم قائمًا.
كما تأثرت الرعاية الصحية للأمازيغ أيضًا، نظرًا لعجز الأطباء والممرضين عن التواصل معهم، وعندما ضرب زلزالًا مدمرًا منطقة الأطلس الكبير المغربية ذات الأغلبية الأمازيغية عام 2023، لم يتمكن أوائل المسعفين من التواصل مع الضحايا الأمازيغ في تلك الكارثة.
حتى المعلمون المكلفون بالتدريس في المناطق ذات الأغلبية الأمازيغية تجدهم لا يتقنون لغة طلابهم؛ لذا يترك آلاف الأطفال مدارسهم الابتدائية في المغرب لأنهم يُجبرون على تعلم لغة "أجنبية" بدلاً من لغتهم الأم.
ما هي الحركة الثقافية الأمازيغية؟
تُعد أكاديمية البربر (Académie berbère)، التي أسسها مجموعة صغيرة من المغتربين الجزائريين في فرنسا عام 1966 بقيادة محند أعراب بسعود، بمثابة النواة الأولى للحركة الثقافية الأمازيغية (ACM)، التي تضم اليوم تكتلاً يضم مئات من منظمات المجتمع المدني.
واستهدفت أنشطة الأكاديمية، الرامية إلى إحياء الهوية الأمازيغية، المهاجرين والطلاب في أوروبا، لكن صداها وصل إلى الشباب الجزائري والمغربي، وتجلى تأثيرها بتأسيس الجمعية المغربية للبحوث والتبادل الثقافي (AMREC) عام 1967.
وسرعان ما نمت الحركة الثقافية الأمازيغية، بقيادة الأمازيغ المتعلمين، لتشمل مئات الجمعيات بحلول نهاية التسعينيات، ورغم بداياتها المتواضعة، نشرت الحركة وعيًا أمازيغيًا جديدًا، لا يمكن فيه فصل حقوق الأمازيغ في هويتهم عن عملية المساواة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
عقب المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان الذي عُقد في فيينا عام 1993، أدى تبني مفهوم "السكان الأصليين" إلى توسيع نطاق النضال الأمازيغي، وبالتوازي مع الحوار مع الحركة العالمية للشعوب الأصلية، لم تعد المطالب تقتصر على الاعتراف باللغة والثقافة الأمازيغيتين، بل امتدت لتشمل الحقوق في الأرض والموارد الطبيعية.
وقد شكّلت منظمة "تماينوت" (Tamaynut)، التي تمتلك فروعًا في مختلف أنحاء المغرب وفي بلدان المهجر، المركز الرئيسي لترويج مفهوم السكان الأصليين بوصفه إطارًا لنضال الحركة الأمازيغية.
هل يلعب الأمازيغ دورًا سياسيًا اليوم؟
لطالما تركز النشاط الأمازيغي عبر المجتمع المدني، كما يشارك نشطاء الحركة الثقافية الأمازيغية، بصفتهم مواطنيين طبيعيين، في الأحزاب السياسية والنقابات العمالية، فضلاً عن جمعيات حقوق الإنسان والجمعيات الثقافية.
أما في الجزائر، يُعرف حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وجبهة القوى الاشتراكية (FFS) بأنهما حزبان متجذران في الأمازيغية، ولعب كلاهما دورًا مهمًا في طرح المطالب الأمازيغية أمام السلطات، واتسم قادة الحزبين بالبراغماتية وعملوا على التفاوض بشأن التعايش مع النظام العسكري.
ومع ذلك، أدى عجز هذه الأحزاب عن إحداث التغيير إلى ظهور حركة انفصالية بقيادة فرحات مهني، المقيم في فرنسا، ويشغل مهني منصب رئيس "حركة تقرير مصير منطقة القبائل"، وقد أعلن في عام 2025 عن قيام "جمهورية القبائل الفيدرالية"، وهي الخطوة التي استخدمتها السلطات ذريعة لمواصلة شيطنة الحركة الأمازيغية.
وقد سمح المغرب بتأسيس الحزب الديمقراطي الأمازيغي بين عامي 2005 و2008، ورغم فترته القصيرة، إلا أنه كان أول حزب مغربي يحمل اسم "أمازيغي". علاوة على ذلك، تولى السياسي المغربي المحجوبي أحرضان، زعيم حزب الحركة الشعبية، معظم قضايا الأمازيغ، وقد أثار أسلوب تماهيه مع الدولة انتقادات النخب الأمازيغية.
تتجلى بوضوح العلاقة بين النضال الأمازيغي بوصفه نضالًا لشعب أصيل وجهود الدفاع عن حقوق الإنسان في حراك الريف بالمغرب بين عامي 2016 و2017، الذي رفع مطالب اجتماعية واقتصادية تخص المناطق الأمازيغية. وبالمثل نظمت حركة "على درب 96" الأمازيغية، اعتصامًا مستلهمًا من الوعي الأمازيغي استمر بين عامي 2011 و2019، احتجاجًا على استنزاف موارد المياه بسبب مناجم الفضة في جنوب شرق المغرب.
ترجمه من الإنجليزية: سارة عرفة
قنطرة ©