هوية عالقة بين لغتين وثقافتين

يوسف رخا في لقطة جانبية (Foto: Noornaga - Own work, CC BY-SA 4.0, https://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=101362897))
الروائي المصري يوسف رخا. (Photo: Noornaga/own work/CC BY-SA 4.0)

"عودة مسلم" كتاب جديد للكاتب يوسف رخا، يستعيد فيه مسارًا فكريًا امتد عقودًا، بين اللغة والهوية والدين والجنس وأسئلة الانتماء، فيما شكّلت أحداث السابع من أكتوبر وما أعقبها من إبادة في غزة منعطفًا حادًا، أوصل الكاتب إلى حدّ القطيعة مع إيمانه بالغرب الليبرالي.

تقرير: توغرول فون منده

يُعدّ كتاب "عودة مسلم" (Postmuslim)، كما اختار الكاتب تسميته بالعربية، عملًا يتحدى التصنيفات السهلة؛ إذ تتداخل فيه السيرة الشخصية مع المقالات والذكريات الأدبية والتأملات السياسية، فضلًا عن مراجعة ثقافية للذات. ولا تأتي هذه العناصر في صورة أقسام منفصلة ومنظمة، بل تتشابك وتتداخل في طبقات سردية، ومن هذا التداخل تحديدًا يستمد النص قوته.

يمكن قراءة "عودة مسلم"، كتتوّيج لرحلة طويلة خاضها صاحب رواية "المعارضون" (The Dissenters)، المولود في القاهرة عام 1976، منذ أن بدأ الكتابة في تسعينيات القرن الماضي. ويعود الكتاب إلى موضوعات شغلت أعماله المبكرة، مثل التاريخ المصري، والاحتكاك بين الماضي والحاضر، والثقافة الإسلامية والثورة، والجنس، والسؤال المتكرر حول كيفية التعبير الأدبي عن الهوية المصرية الحديثة.

تميّزت مسيرة رخا الأدبية بالتنقل بين العربية والإنجليزية؛ فقد استخدم العربية منذ شبابه، قبل أن يعمل لاحقًا صحفيًا وكاتبًا باللغة الإنجليزية، وصدر كتاب "عودة مسلم" هو الآخر بالإنجليزية.

فاللغة عند رخا ليست مجرد مسألة أسلوب، بل تتحول إلى فضاء تتشكّل فيه الهوية، ويتجلى ذلك بوضوح في الأجزاء التي يتناول فيها شبابه؛ فقد فتحت الموسيقى والأدب، وقبل كل شيء الكتب المكتوبة بالإنجليزية، أمامه عالمًا يتجاوز محيطه المباشر.

"عودة مسلم" ليوسف رخا(Graywolf Press)
غلاف كتاب "Postmuslim" الصادر بالإنجليزية. (Cover: Graywolf Press)

"عقدة الخواجة"

لا يقدم رخا تطوره الفكري على أنه لحظة استنارة مفاجئة، بل نابع من تحول تدريجي في المنظور. ففي مرحلة ما، لم يعد العالم الذي نشأ فيه يبدو له أمرًا بديهيًا أو مسلّمًا به، بل أخذ كل شيء يهتز ويتزعزع: الدين، والجنس، وأدوار النوع الاجتماعي، والأعراف الاجتماعية. وأصبح الفضاء الثقافي الناطق بالإنجليزية بمثابة وعد بنمط حياة مختلف.

بدا تصور رخا لنفسه مثيرًا للاهتمام؛ إذ يرى أن نسخة ناطقة بالإنجليزية من ذاته قد تشكّلت على امتداد حياته، لتعيش إلى جانب نسخته الناطقة بالعربية. فالإنجليزية لا تحل محل العربية؛ إذ تظلّ اللغتان حاضرتين، تتنافسان وتتداخلان، ويرفض رخا فكرة أن على المرء في نهاية المطاف أن يختار إحداهما.

وفي هذا السياق، يحتل مفهوم "الخواجة" (Khawaga) مكانة محورية؛ فهو مصطلح شائع في مصر يُستخدم للإشارة إلى الأجانب الغربيين. في تصور رخا، كان الخواجة يمثل في البداية صورة الأجنبي؛ غريبًا جذابًا في الوقت نفسه، لأنه بدا مألوفًا له على نحو غير متوقع.

يتجسد هذا التوتر بوضوح في فصل "عقدة الخواجة" (The Khawaga Complex)، حيث يستعيد رخا فيه لحظة وصوله إلى إنجلترا في فبراير/شباط 1996، وتوقعاته المسبقة في عيش حياة شخصية أكثر حرية، محاطًا بغرباء غربيين. وعلى امتداد الفصل، يتشابك احتكاكه بتاريخ الثقافة الأوروبية خلال إقامته في إنجلترا مع تجربة جسدية ملموسة لشعوره بالاختلاف.

صراع داخلي

تمثل علاقات رخا بشريكات مختلفات، وكذلك علاقته بأهله، جزءًا مهمًا من ذكرياته؛ إذ غيّر لقاؤه بامرأة تتحدث الإنجليزية، كانت قد قدمت إلى القاهرة قبل سفره إلى إنجلترا وأصبحت أول شريكة حقيقية له، علاقته باللغة والهوية. وقد تجاوزت الحميمية بينهما الحدود الثقافية واللغوية، وأفرزت نسخته الناطقة بالإنجليزية، التي وصفها رخا لاحقًا.

بدت الفكرة مثيرة للاهتمام ومقلقة في آن واحد: يتحدث رخا عن "القتل" البطيء للخواجة الذي بداخله، واستبداله بنسخة ناطقة بالإنجليزية من ذاته، في استعارة لصراع ثقافي داخلي. فالخواجة ليس مجرد "الآخر" الغربي، بل شخصية يحملها رخا في داخله، يتبناها أحيانًا ويرفضها في أحيان أخرى؛ لتتشكّل هويته في خضم هذا التوتر.

ويشكّل هذا المنظور محورًا أساسيًا في نقد رخا للغرب، الذي ظلّ يستحضر شعارات الديمقراطية والحرية، في حين تعاني المجتمعات العربية من الحروب والتدخلات الخارجية والدمار.

ومع ذلك، فإن "عودة مسلم" ليس مجرد سجال مناهض للغرب؛ فسيرة رخا الذاتية مطبوعة بعمق بالأدب الإنجليزي والموسيقى الغربية والفلسفة الأوروبية وتجربته في إنجلترا. ولأن الغرب أصبح جزءًا من تاريخه، فهو قادرٌ على النظر إليه بنظرةٍ نقدية. وينبع هذا النقد من قربه من الغرب، ومن خيبة أمله.

في الوقت نفسه، يتناول رخا الإسلام من منظور تاريخي باعتباره تحررًا من الجهل، بينما ينظر إليه في تجربته المعاصرة، باعتباره قيدًا تتعارض حدوده بصورة متزايدة مع حياته.

لذلك، لم يكن ابتعاده عن الدين نابعًا من اعتبارات نظرية فحسب، بل أيضًا من إدراكه أن العالم الذي قرأ عنه وسمع به وتعرّف إليه كان أوسع من عالم الأعراف الدينية الذي نشأ في كنفه.

"الغرب لا يكترث بي"

تشكل أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما أعقبها من الإبادة الجماعية في غزة، نقاطًا مرجعية أساسية يُعيد رخا من خلالها تقييم العلاقة بين الغرب والعالم العربي، وهو لا يتناولها بصفته مراقبًا غير معني بها. ففي فصل "الغرب لا يكترث بي" (The West Doesn’t Give a Shit About Me)، تتجلى هذه القطيعة مع إيمانه بالوعد الليبرالي الديمقراطي الذي بدا جذابًا للغاية في شبابه.

وهنا يكمن أحد أبرز التوترات في "عودة مسلم": يقطع رخا صلته بالأصولية الدينية، لكنه لا يجد في المقابل شعورًا متماسكًا وغير مشروط بالانتماء إلى الغرب الليبرالي.

ولا يضفي رخا طابعًا رومانسيًا على الماضي؛ فمعالجته لما يسميه "الحنين المَرَضي" لدى العرب والمسلمين إلى إنجازات حضارية سابقة، تتسم بالنقد الذاتي؛ إذ يدرك خطر استحضار أمجاد غابرة بدلاً من السعي إلى تحسين الحاضر. فالتاريخ يمكن أن يوفر الاستقرار، لكنه قد يتحول أيضًا إلى سجن.

وقد يجد القارئ الذي يتوقع تسلسلًا زمنيًا منظمًا في "عودة مسلم" نفسه تائهًا؛ إذ يتنقل رخا بين عقود زمنية ومدن وموضوعات مختلفة. ولا يقدم نفسه بطلاً للعلمنة، ولا ضحية للسياسة الغربية؛ فالعلمنة، في منظوره، لا تعني ببساطة استبدال الدين بالعقلانية، بل قد تعني التعايش مع الآثار الثقافية للدين الذي نشأ المرء في كنفه، من دون الاستمرار في اتباع تعاليمه بالكامل.

يمثل "عودة مسلم" محطة مهمة في التطور الأدبي والشخصي ليوسف رخا؛ فالكتاب لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه سيرة حياة مكتملة بقدر ما ينبغي أن يُقرأ باعتباره عملية مستمرة من التأمل الذاتي وإعادة فحص التجربة الشخصية.

وربما هذا هو أيضًا موضع الدلالة الحقيقية للعنوان: لا تصف كلمة "postmuslim" شخصًا ترك ماضيه وراءه، بل شخصًا تعلّم أن يقرأ ذلك الماضي ويفسره بطريقة مختلفة.

 

يوسف رخا: "عودة مسلم: شهادة"
دار النشر: جراي وولف برس
سبتمبر/أيلول 2026

 

ترجم النص من الألمانية بأدوات ترجمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي: محمد مجدي

قنطرة ©