الحرب الأخيرة هذه أتت أسرع من كل مرة

إنه الانتقال الأسرع من حياة السلم الى حياة الحرب. قبل ذلك الصباح الفاصل لم يُنذر أحدٌ أحداً بشيء، ولم تظهر أي من العلامات المعتادة التي تشير الى أن الحرب مقبلة. بقلم حسن داوود

إنه الانتقال الأسرع من حياة السلم الى حياة الحرب. الدقائق التي سبقت الساعة التاسعة والثلث من يوم الأربعاء(12.7). ذاك هي غير الدقائق التي تلتها. قبل ذلك الصباح الفاصل لم يُنذر أحدٌ أحداً بشيء، ولم تظهر أي من العلامات المعتادة التي تشير الى أن الحرب مقبلة. بقلم حسن داوود

كان اللبنانيون مبتهجين بالتزايد الذي يشهده بلدهم في عدد السياح، سنة بعد سنة. «هذا العام سيصل العدد الى مليون وثلاثمائة ألف»، قال وزير السياحة أخيرا.

أما مشهد السيارات التي تحمل لوحات الدول القادمة منها فبدا متزايداً كل يوم في شوارع بيروت. لم يُنذر أحدٌ أحداً بشيء. اللبنانيون المقيمون في بلدان العالم، الذي ينتظرون شهري تموز وآب ليأتوا، كما في كل عام، الى لبنان، كان قد وصل عدد كبير منهم. قبل مجيئهم، وهم بعد في بلاد إقامتهم، أرسلوا لمعارفهم هنا أن يحجزوا لهم بطاقات لحفلات فيروز التي كان مقرراً لها أن تبدأ في يوم 14 تموز. كانت البطاقات هذه قد نفدت منذ أكثر من شهر، وها اننا نتساءل الآن، بما يشبه الانصراف عن المسائل المصيرية بأخرى هامشية، ماذا سيفعل أولئك الذين حصلوا على بطاقات ببطاقاتهم.

لقد تغيّر مشهد لبنان في يوم واحد. شارع فردان في بيروت فرغ زائروه فجأة وحلّ محلّ صخب مقاهيه، في أيام مشاهدة مباريات المونديال، كسل وخوف ظهرا على وجوه أولئك القليلين الذي توزعوا بعض الكراسي في مقهى «أموري». أما أهل الجنوب الذين اعتقدوا، حتى صباح الأربعاء ذاك، أن سنوات القصف والتهجير باتت شيئاً من ذكريات الماضي، فقد أعيدوا الى صورهم القديمة في التلفزيونات: عابرين مشياً على الأقدام فيما هم يحملون متاعاً قليلاً وضعوه في شنط صغيرة وفي أكياس نايلون، محاذرين التعثر والسقوط على أنقاض الجسور التي حطمتها الطائرات الإسرائيلية منذ ساعات.

"خطأ التوقيت"

هنا، في التعليق على عملية خطف الجنديين التي قام بها حزب الله وكانت ذريعة للقصف الاسرائيلي، لا تتوقف عبارة «خطأ التوقيت» عن الترداد. هذه العبارة تعفي قائليها من إعلان استنكارهم الصريح لعملية الخطف تلك، حيث ربما يكون بين السامعين من هو مؤيد لها.

حتى رجال السياسة الذين تستضيفهم التلفزيونات جعلوا من الكلام على التوقيت لازمة في حياة سياسية يغلب عليها الحذر الشديد وأخذ أمور لا حصر لها في الاعتبار. إذ يقول أحد ما بأن الخطأ في التوقيت يكون يضع نفسه في موضع وسط بين أولئك الذين قاموا بخطف الجنديين وقوى 14 آذار التي أصدرت بياناً غلب عليه شجب عملية الخطف لما تسببت به من خراب. إنهم مع الخطف الذي تتلوه ضربات اسرائيل الموجعة لكن يفضّلون إرجاءه إلى وقت آخر: حين خروج السياح والمصطافون من لبنان ويصيرون، هم اللبنانيون، لوحدهم فيه.

هذه الدعوة الى «التأجيل»، على رغم طابعها الكاريكاتوري، تدل على ذلك التراوح الذي لا ينتهي بين ذهاب لبنان الى السلم، ثم عودته منه الى الحرب. والأدهى من ذلك أن أهله يريدون أن يكون السلم، في فترته، مضاعفاً، أي أن يزيد عدد السياح سنة بعد سنة فيما الحرب لن تطوى صفحتها أبداً. ذلك يبدو قدر لبنان منذ العام 1976 حيث ما زال عليه، دون سائر البلدان العربية، أن يخجل من أن يقول إنه يستنكر الحرب وإنه حان له أن ينعم بالهدوء الذي ينعم به سواه.

يقول اللبناني «لكن الخطأ بالتوقيت» لأنه غير قادر على قول ما يريده. إنها تقيّة جماعية يستثنى منها رافعو شعار الحرب وحملة سلاحها. هؤلاء، منذ عقود كثيرة، أجيز لهم أن يعيّنوا ما هو ممنوع وما هو مسموح به في زمن يتكرر مستعاداً: منازل سويت بالأرض وفجوات هائلة أحدثها قصف الطيران ولاجئون عن بيوتهم يقطعون الطرقات المجرَّفة.

صمت العالم

هذه المرة كان على اللبنانيين أن ينجزوا، بسرعة غير مسبوقة في تاريخهم الحربي، الانتقال من حال السلم إلى حال الحرب. في يوم واحد تغير المشهد ناقلاً الجميع إلى قلب ما كانوه في أكثر أيامهم عسراً: فجأة ازدحمت السيارات على محطات البنزين، وامتلأت الأفران بطالبي الخبز، وتوقفت الامتحانات في الجامعات، ونشرت الصحف على صفحتها الأولى اشلاء الطفلة التي قتلها القصف الاسرائيلي هي وجميع أهلها في بلدة الدوير. وها هي الصحف ترفق الصورة بتذكيرنا أن مجزرة الدوير هذه نسخة عن مجزرة النبطية التي حدثت خلال قصف اسرائيلي جرى منذ سنوات، أو انها نسخة عن مجزرة المنصوري التي روعت اللبنانيين لتروعهم، بعد أيام قليلة من ذلك، مجزرة قانا.

هي مجازر تحسب في صالحنا اذ نعتبرها شهادة على الوحشية الاسرائيلية. هذه الوحشية التي تؤكدها اسرائيل، ونعيد تأكيدها نحن، في كل مرة، غير مدركين أن المشاهد الفظيعة هذه لم تعد تؤلم احداً سوانا. بل وربما يحسب في صالحنا ايضاًَ تدمير أكثر جسور لبنان، وربما جميعها، في هذه الهجمة الأخيرة، اذ هي دالة ليس فقط على وحشية اسرائيل بل ايضاً على صمت العالم ازاء الدمار الذي تحدثه.

على احدى المحطات التلفزيونية، ليل الخميس، ذكر اعلامي مؤيد لحزب الله كيف أن كل شيء دُمر يمكن، بل يسهل، اصلاحه. «البيوت، بحسب ما قال، يمكن بناؤها والجسور يتكفل بها سلاح الهندسة في الجيش». هذا وكانت الحرب ما زالت جارية وقت ما كان يقول ذلك، بدليل انه، فيما كان ينتهي من قوله، كانت طائرات اسرائيلية تستعد للانطلاق من أجل أن تقصف جسوراً أخرى وتقتل بشراً آخرين، وهكذا فعلت في اليوم التالي، وفي اليوم الثالث ايضاً.

ذلك يشبه ما قاله أحد كبار مسؤولينا في أول عهده واصفاً حالنا ازاء اسرائيل بقوله: "هي تدمّر ونحن نعمّر"، هكذا على نحو متصل لا نهاية لتكراره. وكان بقوله مزهوّا كأنما اسرائيل تدمر بلدها ونحن نعمّر بلدنا. لن يحتاج واحدنا إلى أمثلة كثيرة ليدرك ان الخلل ليس في العجز عن التعبير بل المنطق الذي لم نعد نحن، حتى نحن الذين عشنا تحت وطأته كل هذه السنين، نفهم كيف تعمل آلياته وكيف يستقيم في كلام.

حسن داوود
حقوق الطبع حسن داوود 2006

حسن داوود كاتب وصحفي لبناني

قنطرة

صراع الحمّص والكاتيوشا
بدأت الحرب في ذروة الموسم السياحي، وفي ذروة الجدال الدائر بين المختصمين من حلفاء سوريا وإيران من جهة، وجماعة 14 آذار التي قادت انتفاضة سلمية أخرجت الجيش السوري من لبنان من جهة ثانية. تحليل حازم الصوفي

بإمكان دول المجموعة ان تفعل أكثر من ذلك! !
انه لأمرٌ مقلق ان يحتاج ممثلوا القوى العظمى في العالم والمجتمعين في سان بطرسبورغ الى كل هذا الجهد كي يتفقوا بشق الأنفس على بيان مشترك لن يساهم بشكل فعال في تهدئة الوضع في الشرق الاوسط. تعليق بيتر فيليب

لعبة في أيادي الخارج
يبقى غالبية اللبنانيين على أمل بأن يروا بلدهم ناعماً بالسلام، بعيداً عن الانعزال والعسكرة. ولكن الواقع يقول: إن المصالح العربية والغربية سيكون لها اليد الكبرى في تشكيل لبنان المستقبل. تحليل بقلم مايكل يونغ