لماذا هناك خيبة أمل من برلين؟

مبنى مزخرف وأمام أعلام ملونة ترفرف
مبنى البرلمان الألماني في برلين، 2 مارس/أذار 2026. (Photo: picture alliance / Hauke-Christian Dittrich)

كان يُنظر إلى ألمانيا كرمز للتحول الديمقراطي الناجح، إذ جعلت من مبادئ القانون الدولي واحترام حقوق الإنسان شعارات لها، بيد أنها تنكرت لتلك القيم خلال حرب غزة وحرب إيران، كما يكتب الدبلوماسي المصري السابق في ألمانيا أيمن زين الدين.

رأي: أيمن زين الدين

حينما يتلقى النظام الدولي ضربات بالغة العنف تهزّ كل ما يحكمه من قواعد وأعراف وأسس قانونية، يتزايد التساؤل عن موقف ألمانيا ودورها فيما يجرى من أحداث تمسّ جوهر هذا النظام، الذي كانت من أشد الحريصين عليه والمدافعين عنه والضامنين له أخلاقيًا وسياسيًا. فبخلاف بعض التصريحات الباهتة للمسؤولين الألمان حول الحرب الجارية بين التحالف الأمريكي الإسرائيلي وإيران، وما يصاحبها من هدم ممنهج لقواعد الشرعية الدولية، لم نشهد لألمانيا محاولة لقيادة أيّ تحرك دولي لحماية ما تبقى من قيم القانون الدولي، وبدت برلين عاجزة عن مجرد المساهمة في صياغة موقف أوروبي موحد ذي تأثير. 

الحقيقة أن تاريخ ألمانيا الحديث على الساحة الدولية شهد نقطتي تحول رئيسيتين؛ النقطة الأولى كانت الانتقال من الحقبة النازية، حيث تطلعت ألمانيا إلى مكانة متفوقة على المسرح الدولي، معتمدة منهج القوة ومنطق الهيمنة سبيلًا لتحقيق ذلك، الأمر الذي أفضى إلى الحرب العالمية الثانية بكل ما ارتكب فيها من جرائم، وانتهى بهزيمة ألمانيا وسقوط النازية، إلى مرحلة ما بعد الحرب، حيث شهدت برلين مراجعة شاملة وعملية نقد ذاتي عميقة بهدف التخلص من هذا التراث المظلم.

تضمنت هذه المراجعة بناء دولة ديمقراطية حديثة، وإقامة علاقات تعاون وثيقة مع الجيران، وإعلاء شأن احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان، وجعل القيم الإنسانية العليا ضابطًا لسياستها الخارجية، والتخلي صراحة عن هدف تبوُّء مكانة قيادية فى المجتمع الدولي. ساعدها على ذلك أنها وجدت فى القيادة الأمريكية للتحالف الغربي، ومشاركتها مع فرنسا فى أوروبا، ما يحقق لها السياق الدولي المنشود من أمن واستقرار وفرصة للرخاء الاقتصادي، دون إثارة قلق جيرانها من طموحاتها.

ظلّ الحال كذلك في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى بعد انتهاء الحرب الباردة، لكن الألفية الجديدة جاءت بتطورات وضعت النظام الدولي برمته محلّ تحدٍ. كانت البداية في غزو العراق عام 2003، التي عارضتها ألمانيا بشدة، إذ مثلت خروجًا صريحًا عن قواعد القانون الدولي التي كانت قد حققت لألمانيا ما حققته من استقرار وازدهار. ثم جاءت بعد ذلك أعراض تراجع الولايات المتحدة عن التزامها بالتحالف مع أوروبا، متجسدًا في "التحول نحو آسيا" الذي تبناه الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما. تبع ذلك الغزو الروسي لأوكرانيا، الذي هدد النظام الأمني القائم في أوروبا بشكل مباشر. ووصل الأمر إلى ذروته بتولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة، خاصة في دورته الثانية، عندما بدأت أمريكا نفسها في هدم بعض من أهم أسس النظام الدولي القانونية والاقتصادية والأمنية التي أقامته ورعته، وإعادة العلاقات الدولية إلى ما يشبه "الغابة"؛ حيث البقاء للأقوى.  

في ظلّ هذه التطورات واجهت ألمانيا نقطة التحول الثانية في تاريخها على الساحة الدولية، حينما اتجهت الأنظار إليها أكثر من أيّ دولة أخرى، باعتبارها الدولة الغربية الأقدر سياسيًا واقتصاديًا وحضاريًا وأخلاقيًا على قيادة الدفاع عن النظام الدولي. ليس بمفردها بطبيعة الحال، فهي غير مؤهلة للتصدي لقوتين بحجم الولايات المتحدة وروسيا في آن واحد، لكن بأن تقود أوروبا وتعمل معها بشكل مشترك لبناء توافق بين الدول الحريصة على تجنب المصير المظلم الذي تنزلق إليه البشرية، على النحو الذي عبر عنه أكثر من زعيم مؤخرًا، كان أفصحهم رئيس وزراء كندا مارك كارني في المنتدى الاقتصادي العالمي في 20 يناير/كانون الثاني 2026. مثل هذا التوافق يمكن أن يضم دولًا مثل الصين واليابان وكندا، وكثير من دول الجنوب كالبرازيل وجنوب إفريقيا، ودولًا عربية وتركيا وغيرها.  

Here you can access external content. Click to view.

بعبارة أخرى، كان التوقع أن تستعيد ألمانيا في هذه اللحظة المفصلية روح القيادة التي تخلّت عنها في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتقوم بدور ينتظرها أكثر مما ينتظر أيّ قوة أخرى، دفاعًا عن القيم والمصالح التي رافقت نهضتها في حقبة ما بعد الحرب.  

إلا أنّ ما جرى خلال السنوات الأخيرة، ومنذ نشوب حرب غزة وحتى الحرب على إيران، هو أن ألمانيا فعلت العكس تمامًا. إذ لم تكتفِ بالتخلي عن مسؤولية القيادة التي كانت تناديها في هذه اللحظة المصيرية من تاريخ الإنسانية، إنما أيضًا أسقطت القيم العليا التي تبنتها بعد الحرب، وعادت مجددًا إلى التعايش مع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، حتى إنها تخضع حاليًا للمحاكمة أمام محكمة العدل الدولية بتهمة المشاركة في ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية وجرائم حرب أخرى في غزة، من خلال ما قدمته من دعم عسكري واقتصادي ودبلوماسي لإسرائيل في حربها على القطاع المحتل.  

ومن المفارقات أن ألمانيا، التي كانت تمثل رمزًا للتحول الديمقراطي الناجح والمصالحة التاريخية، التي جعلت من مبادئ القانون الدولي واحترام حقوق الإنسان وتسوية المنازعات بالوسائل السلمية شعارات لها بعد الحرب، تتنكر لهذه القيم في حرب غزة وحرب إيران، بل إنها استخدمت ثقلها الدبلوماسي داخل الاتحاد الأوروبي لإفشال أي محاولة لمساءلة إسرائيل أو وقف إطلاق النار.  

لا شك أن التاريخ سيمضي، لكنه سيسجل أيضًا أن ألمانيا، التي كانت محطّ أمل الكثيرين، وقفت في الموقع الخطأ، وتخلّت عن مسؤولياتها في أكثر اللحظات حساسية. ولا شك أنها ستدفع ثمنًا باهظًا لهذا الاختيار، ليس فقط على مستوى مصالحها، ولكن أيضًا على مستوى مصداقيتها الدولية ومكانتها الأخلاقية التي بنتها على مدى السنين.  

نُشر المقال لأول مرة في جريدة الشروق المصرية.

قنطرة ©