عندما وصلت الحرب إلى مبنانا في بيروت

يتصاعد عمود من الدخان من مبنى في حي مكتظ بالسكان في بيروت، ويظهر البحر والسماء في الخلفية.
غارة إسرائيلية على جنوب بيروت، 2026. (Photo: picture alliance / AP | H. Ammar)

تختبر الحرب الجارية بين إسرائيل وحزب الله حدود التماسك الاجتماعي في لبنان. توثق منال خضر اللحظة التي وصلت فيها الحرب إلى بنايتها السكنية في بيروت، وكيف تردّد صداها في حي بدارو ذي الغالبية المسيحية.

تقرير: منال خضر

وصلت الحرب مبنانا بهدوء في البداية. إنه مبنى من خمسينيات القرن الماضي، بسيط لكنه أنيق، جُدّد بعناية فائقة مع مراعاة البساطة والخصوصية. كل شقة فريدة، لكن معظم السكان تتشابه خلفياتهم؛ مسيحيون في غالبيتهم، ميسورو الحال ومتعلمون. يصف جيراني أنفسهم بأنهم "متحضرون"، وهي كلمة تحمل افتراضاتها الخاصة حول النظام والذوق والانتماء

يقع المبنى في بدارو بالعاصمة اللبنانية بيروت، وهو حي محاذي لما كان يعرف بالخط الأخضر خلال الحرب الأهلية اللبنانية، قبل أن يتغير واقعه تماما مع مضي السنوات: مقاهٍ، مطاعم، إيقاع حضري مصقول. قريب بما يكفي من الضاحية ليشعر بالاهتزاز، لكنه بعيد بما يكفي ليحلم بالمسافة والأمان.

انهارت تلك المسافة في الثاني من مارس/آذار.

ضربت غارات جوية إسرائيلية في الساعات الأولى من الصباح، الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل حزب الله، المكتظ بالسكان. هزت انفجارات الساعة الثالثة فجراً أرجاء المدينة، وبحلول الصباح كانت ملامح ذلك الجزء من المدينة قد بدأت تتغير: شوارع فارغة، روتينيات معلّقة، أحياء كاملة فرغت من سكانها. مئات الآلاف من النازخين.

في الواقع، كان النزوح قد بدأ بالفعل في أواخر فبراير/شباط، مع اشتداد الضربات على الحدود وبدء سكان جنوب لبنان بالمغادرة قسرا. لكن استهداف الضاحية شكّل نقطة التحول ــ اللحظة التي دخلت فيها الحرب مركز ثقل المدينة.

"يجب أن نبقى يقظين"

دبت الحياة في مجموعة واتساب مبنانا.

كانت الرسائل عملية في البداية: تقليل استهلاك الغاز، إيقاف تشغيل المدافئ. اعترض البعض، "الجو بارد جدا"، "مبنى مثل مبنانا يجب أن يحافظ على الحد الأدنى من الراحة"، جاءت الردود بسرعة، رشقات من الرسائل. ناقشنا وصوتنا. وبقيت آليات التحضر قائمة، وإن لم تخلُ من احتكاك. انتهى التصويت بالاتفاق: وقف التدفئة. كتب أحدهم: "هذه الحرب مختلفة. يجب أن نتكيف".

ثم تغيّرت النبرة. أصبح الأمن هو الهاجس، "يجب أن نبقى يقظين. هناك شقق فارغة في المبنى وفي الجوار. لا يمكننا السماح للغرباء باحتلال المبنى، أو المباني من حولنا". طُرحت فكرة التعاقد مع شركة أمن خاصة، مرة أخرى، نقاش ثم تصويت: حراسة لمدة اثنتي عشرة ساعة، على أن يتولى حارس العقار بقية الوقت.

وراء هذه النقاشات ــ الغاز، التدفئة، الأمن ــ كان القلق الحقيقي يطفو: النازحون قادمون. سيصلون من الجنوب، من الضاحية. سيأتون إلى هنا.

بحلول 21 مارس/آذار، انتشرت رسالة في أنحاء المدينة، ووصلت إلى مجموعة دردشتنا، دعت سكان الكرنتينا والأشرفية إلى التيقظ. وقد ذُكرت المنطقتان صراحة ــ الكرنتينا بوصفها منطقة تاريخية للطبقة العاملة قرب الميناء، والأشرفية كحي ثري يغلب عليه الطابع المسيحي. حذّرت الرسالة ــ دون تحقق ــ من خطط لإعادة توطين نازحين من الشيعة في هذه المناطق، ما أثار مخاوف من تحول ديموغرافي قد يغيّر توازنها الاجتماعي الهش. وسألت: أين مملثينا؟ ولماذا لا يوجد رد؟

الحرب تعمّق الانقسامات

محصّنًا ومنظّمًا، بدأ المبنى يتحدث بلغة مختلفة. تحوّلت لغته من إدارةٍ مشتركة إلى شكٍّ صامت، ومن إجراءٍ مدني إلى ردّة فعل جماعية. في العمق، كانت النبرة أكثر إثارةً للقلق.

بدأت كلمات مثل "متسللين" تظهر في الدردشة، أفاد أحد الجيران بأن شقة في المبنى المقابل تستضيف الآن مجموعة كبيرة ــ ربما عائلة، وربما لا. شباب، دراجات نارية مهترئة متوقفة بالخارج، حركة مستمرة، ليالي متأخرة، ضوضاء، شيشة.

اقترح أحدهم: "يجب أن نتصل بالمخابرات، هذا مقلق. ماذا لو كان أحدهم من حزب الله؟".

تولى اثنان من السكان الأكثر تيقظًا على عاتقهما التحقيق بأنفسهما، تواصلا مع الأمن، واستشارا محاميًا، وأجريا استفسارات. اتضح أن عائلة ممتدة، مشردة من الجنوب، قد لجأت إلى مستأجر.

لكن التوضيح لم يخفف التوتر، بل على العكس زاده.

تحولت المخاوف التي كانت تُناقش حتى ذلك الحين بإجماع إلى نقاط انقسام، ما بدا كمجموعة متناغمة لم يعد قادًًا على الحفاظ على لغة مشتركة. بدا أن فكرة ما يعنيه أن تكون "متحضراً" وكأنها تنهار، وظهرت اتهامات. وصف أحد السكان آخر، بأنه "فاشي": لا يمكنك التحدث عن أناس يعانون كما لو كانوا تهديدًا، احتدت النقاشات.

أصرّ بعضهم على التضامن ــ الترحيب بالنازحين ومساعدتهم، بينما رفض آخرون الفكرة من الأساس، غير مبالين حتى بالنظر فيها.

لا يخلق الخوف تصنيفات جديدة؛ بل يُبرز تلك الموجودة أصلا ــ اجتماعية كانت أو أيديولوجية أو غيرها ــ والتي عادة ما تكون بعيدة عن الأنظار. وعلى وقع الضغط، تبدأ هذه التصنيفات في تشكيل نظرة الناس لبعضهم البعض، ومكانتهم الاجتماعية.

تبدأ هذه الفئات في تحديد رؤية الناس لبعضهم البعض، وتحديد انتمائهم.

تُفاقم الحرب الانقسامات، لكن عبئها الأثقل يقع غالبًا على أولئك الذين يُهجَّرون ـــ ينتقلون من مكان إلى آخر، ويقيمون في حالة من عدم اليقين، ويدخلون فضاءات لا يُستقبلون فيها دائماً استقبالاً كاملًا.

ما يبقى هو حالة من الخوف وعدم اليقين والتوتّر ـــ يتقاسمها الجميع، وإن لم يكن بالقدر ذاته.

ترجمه من الإنجليزية: محمد مجدي

قنطرة ©