عندما يصعب تسمية العنصرية
كان ذلك في وقت مبكر من ظهيرة يومٍ من أيام يوليو/تموز 2020، حين أجرينا اتصالنا الثاني بالمستشفى خلال أقل من ساعة. كانت جائحة كوفيد-19 حينها في ذروتها، وقد جعلت الكمامات وإجراءات الوقاية تجربة انتظار طفلنا الأول أكثر عزلة وبرودة.
في وقت سابق من ذلك اليوم، ردّت شابة على الهاتف في قسم الولادة بمستشفى شتوتغارت، وأخبرتنا بأن الأسرّة لا تزال متوفرة، وأضافت أن المخاض الأول قد يستغرق وقتًا أطول. نصحتنا بمحاولة التزام الهدوء، والانشغال بأي شيء إلى أن تتضح تطورات الحالة، ثم قالت: "اغسلي الملابس أو اكويها، واشغلي نفسكِ".
شعرنا حينها بشيء من الطمأنينة، وحاولت زوجتي أن تعمل بالنصيحة، لكن الانقباضات اشتدت بعد نحو 45 دقيقة فقط. وعند حوالي الساعة الواحدة والنصف ظهرًا، اتصلنا بالمستشفى مجددًا، فكان الصوت نفسه على الطرف الآخر. هذه المرة، وبعد أن سألت عن الفاصل الزمني بين الانقباضات، وافقت على استقبالنا، ثم بدأت طرح الأسئلة الإدارية المعتادة وطلبت بيانات زوجتي.
نشأت زوجتي في ألمانيا وتلقت تعليمها هنا، وعلى عكس لغتي الألمانية المتعثرة والمليئة بالأخطاء، لا يحمل صوتها أي إشارة توحي بأنها أجنبية. قدّمت اسمها قائلة: "... أحمد"، فأعقب ذلك صمت قصير، لكنه كان كافيًا لملاحظته.
بعد لحظة، قالت المتحدثة بنبرة باردة: "أنا آسفة، ليس لدينا أماكن شاغرة حاليًا". سألتها زوجتي باستغراب: "لكن قبل أقل من ساعة، قلتَ إن هناك أسرّة كافية"، إلا أن المتحدثة تمسكت بإجابتها قائلة: "لكنها غير متوفرة الآن"، ثم أنهت المكالمة.
كتاب "شعب ألمانيا" يرصد أشكال العنصرية في ألمانيا
صدر كتاب في ألمانيا يرصد أشكالا من العنصرية يتعرض لها سكان لهذا البلد الأوروبي تدل ملامحهم على أصولهم المهاجرة، بما في ذلك من تنمر وإهانة وسخرية شبه يومية. فيليب يديكه يطلعنا على هذه الكتاب.
للحظة، اكتفينا بالنظر إلى بعضنا البعض. لم يكن هناك متسع للتفكير أو محاولة فهم ما جرى. حملنا الحقائب التي كانت زوجتي قد أعدّتها مسبقًا، وانطلقنا نحو مستشفى روبرت بوش، الواقع في الجهة الأخرى من المدينة. كانت الانقباضات تشتد بسرعة، وفجأة بدا الوقت وكأنه يضيق بشكل مخيف، حتى إن الثواني التي نقضيها عند إشارات المرور الحمراء كانت تمرّ علينا كأنها ساعات. وبينما كنا متوقفين عند إحدى الإشارات، اتصلت زوجتي بالمستشفى، فجاءها صوت موظفة الاستقبال مرحّبة بنا.
وعندما وصلنا، أوصلتُ زوجتي إلى المدخل ثم أسرعت لركن السيارة. وحين عُدت، كانت قد دخلت بالفعل إلى غرفة الولادة.
في الساعة الثالثة والنصف تمامًا، وُلد ابني الأول.
وفي الأيام والأشهر التي تلت ذلك، وبعد أن هدأت الأمور واستقر كل شيء، عدنا مرارًا إلى تلك اللحظة نحاول فهمها. ربما تبدّل الوضع فعلًا خلال تلك الدقائق القليلة، وربما لم تعد هناك أسرّة متاحة بالفعل. استحضرنا ما حدث مرة بعد أخرى، وحاولنا اختباره أمام تفسيرات بدت أكثر عقلانية ومنطقية.
لكن ذلك الصمت ظلّ حاضرًا بيننا، وبقي السؤال نفسه معلّقًا بلا إجابة واضحة، سؤال بسيط ومستحيل في الوقت ذاته: هل كان ما حدث عنصرية؟
تسلسل المعاناة
كثيرًا ما تحدثتُ عن مثل هذه الوقائع مع أفغان آخرين، وكانت النتيجة التي نصل إليها شبه ثابتة: نستطيع تحمّل هذه التصرفات، فهي تبقى محدودة إذا ما قورنت بحرماننا من الحقوق في بلدنا الأم.
وراء هذا الموقف يكمن منطق مأساوي؛ إذ يصعب وضع التلميحات المستهينة أو الأبواب الموصدة في الكفة نفسها مع العنف المنهجي وحالة انعدام الاستقرار التي فرّ منها كثيرون. وضمن هذا الحجم من المعاناة، تبدو تلك الإساءات اليومية الصغيرة في المجتمع الألماني أمورًا هامشية، رغم تكرارها.
لكن لهذا المنطق كلفته، إذ إنه يهمّش هذه التجارب ويُنتج تسلسلاً هرميًا لا تُعترف فيه إلا بأكثر أشكال الظلم وضوحًا. أكثر من نصف الأشخاص الذين يتعرضون للتمييز في ألمانيا لا يقدّمون بلاغات بشأنه، لا لأن شيئًا لم يحدث، بل لأن ما جرى يصعب إثباته.
ورغم أن زوجتي تؤكد أنها لم تواجه أي تمييز طوال أكثر من عشرين عامًا في ألمانيا، فإننا ما زلنا نتحدث عن تلك الحادثة. لم تكن صعوبة السؤال نابعة فقط مما حدث، بل من الطريقة التي حدث بها أيضًا. لم تكن هناك إهانات مباشرة أو رفض صريح أو أي تصرف واضح، بل مجرد تغيّر في النبرة، وسحب للصلاحيات، وباب أُغلق من دون أي تفسير.
لكن هذه اللحظات الغامضة لا تحدث بمعزل عن غيرها، فقد اكتسبت المواقف الإقصائية حضورًا سياسيًا بارزًا، بما في ذلك من خلال حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) اليميني المتطرف. ووفقًا لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة دويتشلاندتريند، بلغ تأييد الحزب مستوى قياسيًا في مايو/أيار، متفوقًا بذلك على جميع الأحزاب الأخرى، وفي ظلّ هذا المناخ السياسي، يصبح من الصعب تفسير اللحظات اليومية المشحونة.
قبل سنوات، وأثناء وجودي في مترو أنفاق لندن، رأيت امرأة تصرخ في وجه شاب من أصول جنوب آسيوية مطالبةً إياه بأن "يعود إلى الهند". كان المشهد آنذاك واضحًا وصريحًا في عنصريته وعدائيته.
أما في حالتنا، فقد كان الغموض جزءًا أساسيًا من التجربة نفسها، ما جعل الموقف أكثر تعقيدًا في فهمه، وأسهل في التغاضي عنه، حتى بالنسبة إلينا. وفي مثل هذه المواقف، يقع عبء التفسير على الشخص الذي يتعرض لها؛ إذ إن الاعتراض عليها قد يجعله يبدو مفرط الحساسية، بينما يؤدي تجاهلها إلى استمرار حالة الشك والتردد داخله.
صُممت الأنظمة للاستجابة للانتهاكات الواضحة
يُطبَّق قانون المساواة العامة في المعاملة بألمانيا منذ عشرين عامًا، وهو يجرّم التمييز القائم على معظم السمات الظاهرة. ومع ذلك، نادرًا ما تصل مثل هذه الوقائع إلى المحاكم، لا لأنها تفتقر إلى الأهمية، بل لأن إثباتها بالغ الصعوبة، ولأن تحويلها إلى لغة قانونية ومؤسساتية ليس أمرًا سهلاً. فالأنظمة قادرة على التعامل مع الأفعال المباشرة والواضحة، لكنها أقل قدرة على التقاط التردد، أو نبرة الصوت، أو الصمت. وما يصعب تعريفه بدقة يبقى غالبًا خارج نطاق المعالجة.
ومع ذلك، ففي هذه اللحظات تحديدًا تتكشف حدود من نوع آخر؛ حدود لا تُعلَن بشكل مباشر، بل تُفرض بصورة خفية وهادئة. فهي لا تستبعد الناس بشكل كامل، لكنها تزرع الشك، وتخلق مسافة، وتؤدي إلى التأخير والتباعد. وكأنها توحي، من دون تصريح، بأن الانتماء المتساوي إلى المجتمع يظل مشروطًا.
تكشف لنا هذه اللحظات المترددة الكثير عن الكيفية التي تُعاش بها العنصرية اليوم؛ ليس دائمًا عبر العداء العلني والمباشر، بل من خلال مواقف صغيرة يمكن إنكارها بسهولة، لكنها دقيقة وعالقة في الذاكرة إلى حد يستحيل نسيانه.
ترجمه من الإنجليزية: م. تايلور
قنطرة ©