"النيل الذي نعرفه ليس الذي يراه الآخرون"
تتبّع منذ عام 2017 نهر النيل وتُوثق المجتمعات التي تعيش على ضفافه؛ كيف بدأت الرحلة؟
بدأت الحكاية خلال تكليف صحفي في دلتا مصر. هناك التقيت بفلاح أخبرني أن مياه النيل لم تعد تصل إلى أرضه كما كانت، وأنهم اضطروا إلى الاعتماد على المياه الجوفية، ومن تلك اللحظة وُلد سؤال ظلّ يرافقني لسنوات: كيف يبدو النيل خارج مصر؟
في الواقع، علاقتي بالنيل ليست استثنائية، بل هي امتداد لعلاقة المصريين جميعًا به؛ فالنيل ليس مجرد مجرى للمياه، بل جزء من حياتنا اليومية ووعينا الجمعي. حتى من لم يعش على ضفافه، عرفه من خلال حضوره العميق في الثقافة المصرية بالأغاني والأفلام والحكايات.
وخلال دراستي في كلية الفنون الجميلة، كنا نقصد ضفافه للرسم، فظل النهر حاضرًا في حياتي قبل أن يصبح موضوعًا لمشروع يمتد لسنوات.
عملت في أكثر من دولة على امتداد حوض النيل، من مصر إلى السودان وإثيوبيا وغيرها. ماذا تغيّر في نظرتك إلى النيل؟
كلما ابتعدت عن مصر، أدركت أن النيل الذي نعرفه ليس هو النيل الذي يراه الآخرون. ففي بعض بلدان المنبع لا ترى النهر بصورته المكتملة، بل ترى الجداول الصغيرة والبحيرات التي تتجمع تدريجيًا لتصنعه، ثم تشاهد كيف يلتقي النيل الأبيض، بالنيل الأزرق في الخرطوم ليصبحا نهرًا واحدًا.
لكن الاختلاف لم يكن في شكل النهر وحده، بل في علاقة الناس به أيضًا. فلكل مجتمع طريقته الخاصة في العيش والتعامل مع النيل. أدركت أننا انتقلنا من زمن كان النيل فيه موضع تقديس، لأنه كان يُنظر إليه بوصفه مصدر الحياة، إلى زمن أصبحنا نستهلكه أكثر مما نتأمله.
تصف مشروعك المصور بأنه متعدد الفصول، توسّع مع الوقت ليشمل التاريخ، والأساطير، والعلم، والمجتمعات المحلية، هل كانت لديك خطة واضحة منذ البداية، أم أن الرحلة نفسها قادتك إلى مسارات لم تكن تتوقعها؟
لم يكن في ذهني أن يمتد المشروع إلى هذا الحد. بدأ كمشروع مُصوَّر وثائقي، لكن بعد انتهائه شعرت أن الصور لم تكن كافية لرواية الحكاية كاملة. من هنا وُلد مشروع "Everyday Nile" عام 2021، الذي جمع مصورين من مختلف دول حوض النيل الإحدى عشر لإنتاج سرديات محلية، باعتبارهم الأقدر على رواية حكاياته.
ثم، قادتني دراستي للماجستير، إلى البحث في تاريخ النيل، وأساطير مثل "عروس النيل" -أسطورة قديمة تقول إن المصريين القدماء كانوا يقدّمون عروسٍ جميلةٍ كل عام قربانًا للإله "حابي" (إله النيل) طلبًا لفيضان النهر-، التي ظلت مرتبطة في الوعي المصري، ثم تعاونت مع علماء ومتخصصين في علوم المياه لفهم ما يجري داخل النهر، لا على سطحه فقط. وهكذا تشكل المشروع عبر مسارين متوازيين؛ مسار تاريخي، وآخر علمي.
كجزء من المشروع، تنظم منذ ثلاثة أعوام "مسيرة النيل" بالمراكب في جزيرة القرصاية بمصر؛ كيف تحوّل التوثيق والبحث إلى مبادرة مجتمعية يشارك فيها سكان الجزيرة؟
خلال تتبعي لأسطورة "عروس النيل"، اكتشفت ارتباطها باحتفال قديم عُرف بـ"مسيرة النيل" ثم اندثر، فبدأت أتساءل: لماذا لا نعيد إحياءه؟ كنت أؤمن بأن الطقوس لم تكن مجرد موروثات رمزية، بل كانت وسيلة لترسيخ علاقة الإنسان بالنهر. لذلك سعيت إلى إحياء المسيرة كوسيلة معاصرة لإعادة بناء علاقتنا بالنهر.
وفي عام 2024 نظمنا نسختها الأولى بالتعاون مع مبادرة"Very Nile" وسكان جزيرة القرصاية والصيادين، تزامنًا مع احتفال دول حوض النيل بـ"يوم النيل" في 22 فبراير/شباط. شارك فيها عشرون صيادًا بمراكبهم ونحو ستين مشاركًا، ثم تحولت تدريجيًا إلى مشروع مجتمعي يضم ورشًا فنية وثقافية ومعارض صور، بمشاركة الصيادين وأطفال ونساء الجزيرة وفنانين. وفي نسختها الأخيرة هذا العام، استقطبت قرابة ألفي زائر، وأحلم أن تمتد يومًا إلى جميع دول حوض النيل.
ومن خلال مسيرة النيل، ما الذي لا تزال الصورة قادرة على كشفه وإضافته إلى النقاش حول النهر؟
أعتقد أن أكثر ما أثبتته لي المسيرة هو أن الصورة لا تكتفي بتوثيق الواقع، بل تستطيع أن تصنع أثرًا داخله. لم يعد الصيادون ينظرون إليها بوصفها احتفالًا سنويًا فحسب، بل موعدًا ينتظرونه لأنه يجمعهم ويعيد إليهم شعور الانتماء للمكان. حتى سكان الجزيرة، أصبحوا شركاء يستقبلون الناس ويقدمون لهم جزيرتهم ونهرهم.
نظمنا معرضين فوتوغرافيين في النسختين الأخيرتين؛ أحدهما ضم صورًا من دول حوض النيل، والآخر عرض رحلتي البصرية مع النهر، وأكثر ما لفت انتباهي أن سكان الجزيرة وقفوا يتأملون الصور كما لو كانوا يكتشفون أنفسهم للمرة الأولى. أما صور دول الحوض، فأثارت فضولًا واسعًا؛ راح الناس يسألون عن المنابع، وعن المراكب، وعن الأسماك، وعن المجتمعات الأخرى التي تتشارك النهر نفسه.
أتذكر أيضًا أول معرض لـ"Everyday Nile"، سمعت زوارًا يقولون بدهشة: "لم نكن نعرف أن هذه الدولة تشاركنا النيل". عندها أدركت أن المعرفة لا تتعلق بوفرة المعلومات، بل بطريقة وصولها إلى الناس. ومن أكثر التجارب التي أشعر بالامتنان لها، عملي مع الصيادين، فقد منحوني معرفة لا أجدها في أي كتاب.
بمتابعتك لقضايا النيل على مدار سنوات، ما أبرز التحديات التي تواجه مستقبل النهر؟
في رأيي، هناك أكثر من تحدٍ يواجه النيل اليوم. أولها قدرة دول وشعوب النيل على الاجتماع والعمل معًا من أجل النهر، ويشمل ذلك التعاون العلمي وتبادل البيانات والتقنيات الحديثة، والتنسيق في إدارة الموارد المائية وترشيد الاستهلاك، إلى جانب دور المواطنين في الحفاظ على نظافة النهر.
أما ثانيها فهو التلوث، لاسيما التلوث البلاستيكي. فالنيل ليس أكثر أنهار العالم تلوثًا، لكنه من أكثرها مساهمة في نقل البلاستيك إلى البحار، وهذه مشكلة حقيقية.
هناك أيضًا قضية نقص المياه، والتي ترتبط أحيانًا بطريقة استهلاكنا للمياه، وأحيانًا تكون نتيجة ظواهر طبيعية، مثل التغير المناخي وما يصاحبه من ارتفاع درجات الحرارة، وما يسببه من زيادة معدلات التبخر، وتغير مواسم الفيضان ومنسوبه. ومن هنا يبرز دور العلم، وضرورة تمكين العلماء والباحثين والمهندسين العاملين في مجال المياه لتطوير حلول وابتكارات تساعد على إدارة المياه بصورة أفضل. كما يجب أن يمتلك الصحفيون والإعلاميون القدرة على الوصول إلى هذه القضايا وجعلها مرئية.
غالبًا ما يتركز النقاش حول النيل في السنوات الأخيرة على أزمة سد النهضة الإثيوبي، كيف تقرأ انعكاسات هذه الأزمة على مصر، وعلاقتها بدول حوض النيل؟
مصر تعيش تحت ضغط مائي منذ سنوات طويلة، حتى قبل أزمة سد النهضة. ويظل احتمال الصراع حول المياه قائمًا، لكنني أؤمن بأن السياسة، مهما تعثرت، تظل الطريق الوحيد لتجنب سيناريو ستكون كلفته باهظة على الجميع. وعندما ننظر إلى التاريخ، ندرك أن المصريين استطاعوا، اعتمادًا على شريط ضيق من المياه وسط الصحراء، أن يشيدوا واحدة من أعرق حضارات العالم.
ما يقلقني حقًا فهو التلوث: هذه هي الحرب الصامتة التي تتسلل إلى النهر يومًا بعد يوم. والحفاظ على النيل ليس مسؤولية دولة بعينها، بل مسؤولية جماعية تتقاسمها جميع دول الحوض. واليوم، أرى أن سوء إدارة الموارد المائية هو الخطر الأكثر إلحاحًا على مستقبل النهر في سائر دول الحوض.
© قنطرة