ذاكرة طنجة السينمائية
عندما يدلف المرء إلى ساحة السوق البراني المعروفة بـ"غراند سوكو"، ينتابه شعور بأنه داخل مشهد من بطاقة بريدية؛ إذ تتناغم التأثيرات الأوروبية التي تعود للحقبة الاستعمارية بشكل بديع مع التراث المغربي التقليدي المتمثل في باب الفحص، إحدى بوابات المدينة القديمة، وحدائق المندوبية التاريخية القريبة.
ما يجذب الانتباه حقًا عند دخول الساحة هو مبنى مصمم على طراز "الآرت ديكو"، وهو معلم بارز يحظى بتقدير واسع منذ تشييده حوالي عام 1938. وتبرز كتابات باللون الأحمر القاني على واجهته الخرسانية البيضاء، باللغتين العربية والفرنسية، تشير إلى سينما الريف، والتي باتت الآن مقرًا لـ"سينماتيك طنجة".
وتحتفل "سينماتيك طنجة" هذا العام بالذكرى العشرين لتأسيسها، باعتبارها واحدة من دور السينما القليلة في شمال أفريقيا المخصصة للأفلام الفنية والنخبوية. وقد أسهمت المؤسسة في إنقاذ "سينما الريف" التاريخية من الإغلاق، بفضل جهود الفنانة الفرنسية المغربية الشهيرة إيتو برادة، العضوة السابقة في "المؤسسة العربية للصورة" في بيروت، التي شاركت في تأسيس "سينماتيك طنجة" وتتولى رئاستها، بالتعاون مع مجموعة من أصدقائها الفنانين.
وقالت أمال مفتوح، مديرة البرامج والعمليات بالمؤسسة، لـ"قنطرة"، إن سينماتيك طنجة مؤسسة مستقلة غير ربحية تهدف إلى تعزيز السينما العالمية في المغرب والسينما المغربية على الصعيد الدولي، فضلاً عن تقديم برامج ثقافية وتعليمية للأطفال والشباب.
من حقبة "المنطقة الدولية" إلى استقلال المغرب
يمكن تتبع التاريخ السينمائي الغني لمدينة طنجة إلى ما يُعرف بـ "عقود المنطقة الدولية"، وهي فترة امتدت رسميًا من عام 1925 وحتى استقلال المغرب عام 1956. وآنذاك، كانت طنجة "منطقة دولية" تحيط بها منطقة الحماية الإسبانية من جهة اليابسة، وتخضع لإدارة مشتركة بين فرنسا وإسبانيا وبريطانيا وممثل عن السلطان المغربي، بالإضافة إلى عدد من المندوبين المفوضين.
سادت أجواء من الانفتاح الاجتماعي في المدينة وقتئذ، مما جذب مجتمعًا فريدًا ومتنوعًا ضم دائرة بارزة من الكتاب الأمريكيين والبريطانيين والمغاربة، مثل الكاتب المغربي محمد شكري، والكاتب والمؤلف الموسيقي بول بولز، والكاتبين الأمريكيين ترومان كابوتي وويليام بوروز.
حملت السينما اسم "ريكس" عند افتتاحها في يناير/كانون الثاني 1940، واعتُبرت آنذاك إنجازًا معماريًا صغيرًا ومميزًا سط مبانيَ زاهيةً مطليةً بالجير. وتضمن التصميم الأصلي، الذي وضعه مهندس معماري يُدعى السيد سيريت، سقفًا مزدوجًا لضمان التهوية الطبيعية. فيما كانت ترفرف على واجهتها الراية الشريفية للمغرب محاطةً بالعلمين الفرنسي والإسباني، وفقًا لوصف كتبه مراسل مجلة "سينماتوغرافي فرانسيز"، وهي مجلة فرنسية متخصصة في صناعة السينما توقفت عن الصدور عام 1966.
لكن اسم "ريكس" تحوّل إلى "الريف" تيمنا بالمنطقة الجبلية المغربية الشهيرة، إذ تبنت العديد من دور السينما المغربية بعد الاستقلال عام 1956 أسماءً ذات دلالات تاريخية أو جغرافية. وقد تزايدت شعبية سينما "الريف" أواخر الخمسينيات والستينيات، حيث كانت مكانًا لعرض الأفلام الأمريكية، ثم الأفلام المصرية، وأفلام الكونغ فو القادمة من شرق آسيا، وأفلام بوليوود.
وشهد قطاع السينما تطورًا كبيرًا بعد الاستقلال، على أيدي المغاربة، وفي ذروة هذا الازدهار بين عامي 1950 و1980، كانت طنجة تضم دور عرض سينمائي متعددة الأحجام، حملت أسماءً تعكس توجهات متنوعة، مثل باريس، وسيني أميريكانو، وغويا، وموريتانيا، وسيني ألكازار، وبالطبع سينما "الريف".
وانتشرت نوادي السينما في أرجاء المدينة في السبعينات، واستقطبت جمهورًا ذا توجهات يسارية، ضم معلمين ومثقفين شغوفين بمناقشة أعمال المخرج "غودار" والأفلام السوفيتية. وتأسست الجامعة الوطنية لنوادي السينما بالمغرب في عام 1973 على يد شخصية طنجاوية بارزة، وهو الراحل نور الدين الصايل، الذي شغل أيضًا منصب مدير المركز السينمائي المغربي في الرباط.
هوية جديدة
خضعت سينما "الريف" لعملية تجديد عام 2005 بإشراف المعماري الفرنسي جان مارك لالو، أبرزت طابعها المعماري الأصلي وبناء شرفة جديدة. ومع تأسيس "سينماتيك طنجة" عام 2006، انتقلت إلى المبنى في العام نفسه، قبل أن تفتح أبوابها أمام الجمهور عام 2007.
طوّرت "سينماتيك" على مدى سنوات برنامجًا متنوعًا وشاملًا يضم عروضًا استعادية لأعمال سينمائية، وعروضًا أولى لأفلام وطنية ودولية، ومهرجانات سينمائية، وورش عمل، وعروضًا مخصصة للمدارس، وغالبًا ما تنظم هذه الفعاليات بالتعاون مع مؤسسات ثقافية محلية. كما شكّلت المؤسسة منصة مهمة لصنّاع الأفلام الصاعدين؛ ففي عام 2009، ضمّت لجنة تحكيم إحدى مسابقات الأفلام القصيرة المخرج الصاعد آنذاك أوليفر لاكس، إلى جانب صانعة الأفلام ومحررة الصوت الجزائرية المولد سارة طاووس، والمخرج وكاتب السيناريو والمنتج المغربي محمد شريف طريبق.
وأقامت المؤسسة، ضمن برنامجها الجديد، ورشة عمل العام الماضي بالتعاون مع تجمع الأفلام وفنون الإعلام الأفريقية، الذي يضم نخبة من صناع الأفلام الحائزين على جوائز، من بينهم ماتي ديوب ووانوري كاهيو. كما وسّعت المؤسسة نطاق برامجها ليتجاوز حدود السينما ليشمل مشاريع فنية وتصميمية، من بينها ورشة عمل مع الاستوديو السويسري "ناسك"، الذي تولّى تجديد الهوية البصرية للسينما.
لكن السنوات الأخيرة لم تخلُ من الصعوبات؛ ففي عام 2021، وبعد فترة عصيبة شهدت إغلاقًا طويلًا بسبب جائحة كوفيد-19، شكا المدير الفني آنذاك، سيدو لانساري، في مقابلة مع صحيفة "لوموند" الفرنسية، من أن المؤسسة تواجه "أزمة مالية" وتوقعات تفوق إمكاناتها. ولا يزال نقص الموارد المالية يهدد بقاء هذه المؤسسة، التي تعاني أصلًا من نقص في الكوادر البشرية.
ولكن السنوات الأخيرة لم تخل من الصعوبات؛ ففي عام 2021، وعقب فترة عصيبة اتسمت بإغلاق طويل الأمد بسبب جائحة كوفيد-19، اشتكى المدير الفني آنذاك، سيدو لانساري، في مقابلة مع صحيفة "لوموند" الفرنسية من أن المكان يعاني من "اختناق مالي" ويئن تحت وطأة توقعات مفرطة. واليوم، لا يزال نقص الموارد المالية يهدد بقاء هذه المؤسسة التي تعاني أصلاً من نقص في الكوادر البشرية.
تضم السينما حاليًا قاعتي عرض منفصلتين، تتسع أكبرهما لـ300 مقعد، وتكتمل مرافق هذا المعلم الطنجاوي بمقهى يطل على ساحة السوق البراني، وعندما حضرتُ عرض فيلم "كالي مالاغا"، وهو دراما رومانسية للمخرجة المغربية مريم التوزاني تدور أحداثها في طنجة، في أحد أمسيات السبت شهر مايو/آيار، رأيتُ تجمعًا صغيرًا لأشخاص من خلفيات اجتماعية متنوعة يقفون أمام شباك التذاكر، الذي يحمل بصمة اللافتات المميزة لمدينة طنجة.
حدثني سكان محليون عن فترة ما خلال التسعينيات كانت فيها سينما "الريف" تعيش مرحلة قاتمة، بالتزامن مع تدهور أوضاع الحي وتشدد الأعراف الاجتماعية تدريجيًا. وقالوا إن عروض الأفلام كانت تقتصر على الرجال في الغالب؛ فمنهم من كان ينجذب إلى الأفلام العنيفة، ومنهم من كان يأتي لتدخين السجائر وإطلاق العنان لأحلام اليقظة بنجمات بوليوود.
أما اليوم، فيبدو أن مختلف فئات المجتمع التي تقطن المدينة تتلاقى خارج سينما "الريف"؛ إذ كان بوسعي تمييز طلاب وشباب من رواد مقهى السينما الدائمين، إلى جانب قلة من الأجانب وزوجين من المدينة القديمة المجاورة يرتديان الجلباب التقليدي.
تقول مفتوح، مديرة برامج "سينماتك": "لطالما اعتبر المغاربة الذهاب إلى السينما وسيلة للترفيه. واليوم، نسعى لزيادة الإقبال من خلال تشجيع الأطفال والشباب وتعريفهم بأهمية أماكن مثل مكاننا هذا".
ترجمه من الإنجليزية: سارة عرفة
قنطرة ©