تقليد رمضاني عابر للأجيال
"تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ..."، بصوت مرتجف، يقرأ حمزة البالغ من العمر تسع سنوات آيات القرآن الكريم. يبدو مترددًا، ربما بسبب رهبة الوقوف أمام الجمهور. ولا عجب في ذلك: فإلى جانب أقرانه في المسجد المحلي في حي هوتونج في سراييفو، يضمّ الحضور كبار السن ووالديه وجيرانه، وجميعهم ينصتون باهتمام إلى تلاوته.
إنه اليوم الثالث من شهر رمضان في مسجد هوتونج، كما في معظم المساجد في البوسنة والهرسك والمجتمعات البوسنية حول العالم، يُتلى الجزء الثالث من القرآن. تُعرف هذه الممارسة باسم "المقابلة"، وهي تلاوة جماعية يجتمع فيها الأئمة وحفظة القرآن والطلاب يوميًا لقراءة جزء واحد بصوت عالٍ.
”هيا يا حمزة! لا تتعلثم. اربط الكلمات بسلاسة، وببطء كما تدربنا.“ يشجّعه الإمام صالح كاتو.
بثقةٍ جديدة، يواصل حمزة التلاوة حتى نهاية إحدى آيات سورة البقرة، ثم يمرّر الدور إلى صديقه إبراهيم، ومن بعده تنتقل التلاوة إلى بقية طلاب المكتبة (المدرسة الدينية) واحدًا تلو الآخر.
وبحلول نهاية رمضان، يتمّون تلاوة الأجزاء الثلاثين كاملة، وهو إنجاز يُعرف بـ"الختمة". سواء أُقيمت هذه الجلسات عند الفجر أو الظهر أو بعد العصر، فإن المؤمنين يحرصون على متابعتها عن كثب.
يقول الإمام كاتو: "لدينا جلسة التلاوة 'الرسمية' التي يقرأ فيها المتمرسون، لكنني أدخلت منذ عشر سنوات تلاوة الأطفال أيضًا. الأطفال الذين يتعلمون الحروف العربية يقرؤون جزءًا يوميًا، وندعو آباءهم للحضور، ليروا ما أنجزه أبناؤهم في الكُتّاب، وينالوا الثواب من خلال الاستماع إلى كلام الله".
ويشير إلى أن أكثر ما يسعده هو رؤية تلاميذه السابقين، بعد أن أصبحوا طلابًا جامعيين أو مهنيين ناجحين، يعودون للاستماع إلى التلاوة ودعم الجيل الجديد.
ووفق التقاليد الإسلامية، نشأت "المقابلة" من ممارسة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، الذي كان يقرأ القرآن أمام الملاك جبريل كل رمضان.
يشرح إلفير دورانوفيتش، من معهد التقاليد الإسلامية للبوسنيين في سراييفو: "من هذه الممارسة النبوية تطورت عادة التلاوة الجماعية للقرآن عبر القرون، واتخذت أشكالًا متعددة. ما يميز المقابلة البوسنية هو الحضور الكثيف للمؤمنين، الذين يشاركون فيها بتفانٍ عميق، ويتابعون التلاوة كلمة بكلمة في نسخهم الخاصة من المصحف".
تمثل "المقابلة" نوعًا من التوافق الروحي مع القرآن وتأملًا في العلاقة الشخصية مع الإيمان. ورغم صعوبة تحديد أصل هذه الطريقة بدقة، فإنها كانت منتشرة على نطاق واسع في العصر العثماني، وعلى خلاف مراكز إسلامية أخرى مثل القاهرة أو إسطنبول، تحولت المقابلة في البوسنة إلى ظاهرة شعبية واسعة الانتشار.
ويضيف دورانوفيتش: "كان لذلك سبب عملي. ففي العهد العثماني كانت نسخ القرآن نادرة ومكلفة، ولم تكن متاحة إلا للعائلات الميسورة أو المساجد، ولم يكن بإمكان عامة الناس قراءته بأنفسهم، فكانت المقابلة وسيلة تمكّنهم على الأقل من سماع الكلمة الإلهية".
عبر الشيوعية والحرب
نجت "المقابلة" من عقود الحكم الشيوعي في يوغوسلافيا، حين كان يُنظر للأنشطة الدينية بعين الريبة، يقول دورانوفيتش: "في خمسينيات القرن الماضي، اقتصرت جميع الأنشطة الدينية بشكل صارم داخل جدران المساجد"، مضيفًا أن "هذا عزّز مكانة المقابلة بوصفها حدثًا دينيًا واجتماعيًا محوريًا في رمضان، حتى غدت نبض المجتمع".
ويعود الفضل في ترسيخ هذا التقليد إلى غازي خسرو بك، الحاكم العثماني للبوسنة، الذي أسّس في سراييفو مسجدًا ومكتبة ومدرسة دينية شكّلت أساس التعليم الديني في البلاد.
ويشرح دورانوفيتش: "يُعدّ مسجد البك المصدر الأساس؛ فقد استمرت مدرسته وطقوسه دون انقطاع لما يقرب من خمسة قرون. وكل من كان يطمح إلى أن يصبح إمامًا أو قاضيًا أو معلّمًا دينيًا كان يفد إلى سراييفو لتلقي تعليمه. وهنا تعلّموا العادات والتقاليد والنظام الدقيق الذي يُمارس في 'المركز'، ثم حملوا هذه التقاليد معهم، كالبذور، إلى مدنهم وقراهم في أنحاء البوسنة".
اليوم تطورت المقابلة؛ فهناك جلسات مخصصة للنساء والشباب، كما تُبث عبر التلفزيون ويوتيوب. ومع ذلك، تظل جلسات حفظة القرآن في مسجد غازي خسرو بك في سراييفو المرجع الأساسي.
"يجلس عشرة حفظة أمام المحراب، كل منهم يقرأ صفحتين عن ظهر قلب. معًا يتمّون جزءًا كاملًا يوميًا"، يشرح حافظ منصور مالكيتش، الإمام الأكبر لمسجد الباي الذي يقود عشرين حافظًا في جلستين يوميًا: واحدة عند الفجر (السحور) والأخرى في وقت متأخر عند العصر، في مشهد يرمز إلى بداية يوم الصيام ونهايته.
يقرأ مالكيتش القرآن منذ أكثر من ثلاثين عامًا، وقد بدأ ذلك خلال حرب البوسنة والهرسك (1992–1995)، حين كان شابًا في سراييفو المحاصرة.
يقول: "أتذكر برد الشتاء القارس، والصمت الذي لم يكن يقطعه سوى دوي القذائف، وأذكر أيضًا الدفء الذي نشأ بين الناس ونحن نستمع إلى القرآن معًا. في تلك اللحظات كان القرآن مصدر راحتنا وقوتنا وأملنا. كنت في الرابعة والعشرين من عمري، وأصغر القرّاء بين حفظة القرآن. ورغم أنني كنت قد حفظت معظمه آنذاك، فإن الشعور بالمسؤولية كان يغمرني".
يفصل أكثر من ثلاثين عامًا بين تلاوة مالكيتش تحت الحصار ورمضان الهادئ هذا العام في هوتونج. لكن الجوهر بقي كما هو: سواء كان حمزة الصغير في مسجد الحي، أو حافظًا متمرسًا في قلب المدينة، فإن جمال التلاوة، وأثرها الروحي في المستمعين، تظلّ واحدة لا تتغير.
ترجمه من الإنجليزية: محمد مجدي
قنطرة ©