خيام على حافة المجاري

رجل ذو لحية قصيرة يمسك بجاروف وعلى مرمى البصر بركة مياه وخيام منصوبة
"علينا اليقظة دومًا"، ينظف عايش حمدان (38) محيط خيمته حتى لا تتسلل القوارض إليها، خان يونس، يونيو/حزيران 2026. (Photo: Mohamed Soliamane/Qanatra)

يواجه 2.1 مليون شخص في غزة، أزمة صحية وبيئية متفاقمة مع طول أمد النزوح وانهيار البنية التحتية جراء الحرب الإسرائيلية. من أحد مخيمات خان يونس، يرصد محمد سليمان كيف تحولت بيئة النزوح إلى بؤرة للأمراض الجلدية والمعوية، ولا سيما بين الأطفال.

تقرير: محمد سليمان

عادت الفلسطينية ولاء الشافعي مهرولةً إلى خيمة نزوحها، بعد أن حصلت أخيرًا على حصتها من الخبز من إحدى نقاط التوزيع في منطقة خان يونس. كان طفلاها، حنان (6 أعوام) وأمجد (4 أعوام)، ينتظرانها أمام الخيمة، وعلى مقربةٍ منهما بركة مليئة بالمياه تفوح منها رائحة الصرف الصحي.

تحتضنتهما ولاء بلهفة، ففي كل مرة تغادر فيها الخيمة يساورها القلق من أن يسقط الطفلين في تلك البركة التي يزيد عمقها على عشرة أمتار، ولا يفصلهم عنها سوى ساترٍ ترابي لا يزيد ارتفاعه على أربعة أمتار. تحسست وجهيهما، قبل أن تتفحص جسديهما، لعلها تجد تحسنًا في الطفح الجلدي المكتظ بالبثور الناتجة عن الذباب والبعوض القادم من البركة التي نزحت العائلة إلى جوارها قبل عامٍ تقريبًا، لكن جسد الصغيرين يزداد احمرارًا، ولا يتوقفان عن الحكة.

تقول ولاء (22 عامًا)، لـ"قنطرة": "حياتنا هنا عبارة عن جحيم، الأمراض الجلدية والمعوية لم تغادرهما، ودائمًا أتنقل بهما على النقاط الطبية، فأحيانًا يتعافيان قليلًا ثم سرعان ما يداهمهما المرض ثانية".

ترعى الأم الشابة طفليها منذ مقتل زوجها بقصف إسرائيلي خلال محاولته إنقاذ جرحى قبالة مدرسة إيواء تابعة للأونروا بمخيم المغازي وسط غزة في 9 يناير/كانون الثاني 2024، لتنزح العائلة منذ ذلك الحين نحو الجنوب إلى خان يونس. 

مثل ولاء، يقطن مئات النازحين في خيام وأعراش بالية بمحيط بركة حي الأمل شمال خان يونس، وهي منطقة كانت خالية من السكان قبل الحرب، لكن القصف المكثف وأوامر الاخلاءات الإسرائيلية في أنحاء القطاع، أجبرت النازحين على نصب خيام بجوارها.

امرأة شابة وبجوارها طفلين على حافة بركة مياه.
ولاء مع طفليها على حافة بركة الصرف الصحي، خان يونس، يونيو/حزيران 2026. (Photo: Mohamed Soliamane/Qanatra)

ومع طول أمد النزوح وانهيار البنية التحتية جراء الحرب، يواجه 2.1 مليون شخص في غزة أزمة صحية وبيئية متفاقمة، بسبب تدهور الأمن المائي، ونقص المستلزمات الصحية، وانتشار مياه الصرف الصحي والوحل قرب مراكز الإيواء. وأفادت منظمة الصحة العالمية، في 25 أبريل/نيسان الماضي، بأنه جرى الإبلاغ عن أكثر من 70 ألف حالة إصابة بالطفيليات بين النازحين في غزة، في الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام، كما أبلغت أكثر من 80% من مواقع النزوح عن تسجيل إصابات جلدية، مثل الجرب، والقمل، وبق الفراش.

تشرح ولاء، وهي تشير إلى طفليها النحيفين: "بالكاد يقويان على الحركة، الحشرات تعيش معنا وتأكل معنا ولا يمكن مواجهتها، كما لا يمكنني الانتقال إلى مكان آخر". ليس هذا فقط، بل تخشى الأم الشابة، أن تقرض الجرذان طفليها، حيث نجيا أكثر من مرة عندما استفاقت ليلًا على فئران في بطانيتهما. 

إلى الأعلى من خيمة ولاء، كان عايش حمدان (38 عامًا)، ينظف مع أطفاله وبعض الجيران، الساتر الترابي المؤدي إلى قاع بركة المجاري من القاذورات والأعشاب، حتى لا تتسلل القوارض والعقارب والأفاعي إلى الخيام. 

يقول: "أنواع كثيرة من الحشرات والزواحف عرفناها هنا. علينا اليقظة دومًا حتى لا تقرض أو تؤذي أيًا من أطفالنا". 

كما تلاحق الأمراض الجلدية والمعوية أطفاله الأربعة هو الآخر: شريف (11 عامًا)، ومحمد (9 أعوام)، وجودي (6 أعوام)، ونضال الابن الأصغر الذي رزق به قبل ستة أشهر.

رجل يمسك بكوريك حفر وأمامه مجموعة من الأطفال
عايش مع أطفاله على منحدر بركة حي الأمل للصرف الصحي، بخان يونس، يونيو/حزيران 2026. (Photo: Mohamed Soliamane/Qanatra)

"لم نسلم من الأمراض على تنوعها، وننتقل من طبيب جلدية إلى طبيب باطنة بشكل أسبوعي، فما أن يتشافى أحد أبنائي حتى يمرض الآخر"، يردف عايش، عامل البناء الذي نزح مع عائلته من بيت حانون شمال القطاع، مضيفًا: "نعيش منذ نزوحنا هنا قبل تسعة أشهر في كوارث مركبة شتاء وصيفًا، وإن كان الأخير هو الأكثر سوءًا، للشعور الدائم بالاختناق والروائح القاتلة والأمراض التي ترافقنا باستمرار".

وكانت أحواض الصرف الصحي، الممولة بمئات ملايين الدولارات من دول أجنبية، عادة ما تنتشر شرق قطاع غزة على مقربة من الحدود مع إسرائيل بعيدًا عن السكان قبل الحرب، لكن سيطرة الأخيرة على تلك المناطق وتدمير الأحواض وشبكات الصرف الصحي، اضطر البلديات في غزة إلى فتح مكبات جديدة قريبة من النازحين واعتماد ما يتوفر من أحواض صرف صحي متوفرة قبل الحرب، وهو مشهد متكرر رصده معدّ التقرير في مناطق أخرى بالقطاع.

ولا يتوقف الأمر عند ذلك، فمواقع تجميع الركام وفرز النفايات الصلبة تنتشر بعشوائية إلى جوار مخيمات النزوح، مثل منطقة بركة حي الأمل، حيث يراقب ضياء قديح (20 عامًا)، ومنذ نزوحه مع والديه وشقيقته قبل 6 أشهر، تحول المنطقة إلى مكب للنفايات وأعمال الركام.

يشرح: "نختنق من غبار الشاحنات التي تمر بجانبنا، ثم نختنق مرة أخرى أثناء عملية فرز الركام عبر مناخل كبيرة (أدوات فرز الركام) تملأ المنطقة كلها بالغبار".

ويكشف الشاب عن قدميه المتورمتين والمغطاة بالبثور والتقرحات الناتجة عن لدغات الحشرات المنتشرة في المكان، بينما لا يكف الذباب عن العبث بجروحه: "كنا في مدرسة إيواء مكتظة بالنازحين، وفضلنا التوسع قليلاً لكن لم نجد مكانًا سوى مكب النفايات، فأُجبرنا على النزوح إلى هنا، لكننا لم نتخيل أن تكون الحياة بهذا القدر من الجحيم".

صورة مركبة لقدم وشاب يمسك بساتر من القماش وعلى مرمى البصر نفايات ملقاة.
صورة مركبة تظهر ضياء في المخيم وقدمه المصابة، خان يونس، يونيو/حزيران 2026. (Photo: Mohamed Soliamane/Qanatra)

وتعد أقصى أمنياته الآن هي الحصول على دواء للشفاء من جروحه، كما يقول، فلا يمكنه العودة إلى منزله الواقع خلف "الخط الأصفر"، وهي المنطقة التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ويمنع السكان من العودة إليها، وتشكل تقريبًا 60% من أراضي القطاع.

يوضح عميد كلية العلوم الصحية بالجامعة الإسلامية في غزة، عبد الرؤوف المناعمة، أن معظم المكبات الحالية استُحدثت بعد سيطرة الجيش الإسرائيلي على المكبات المعالجة الرئيسية الواقعة شرق القطاع خلف "الخط الأصفر"، فأصبحت داخل مناطق النزوح بجوار التجمعات السكانية وبدون معالجة.

ويقول المناعمة، وهو أستاذ علم الميكروبات والأحياء الدقيقة، لـ"قنطرة"، إن أحواض المجاري ومكبات النفايات ومواقع فرز الركام تحولت إلى "مكاره صحية قاتلة" تشكل بيئة مثالية لتكاثر الحشرات والقوارض ونقل الأمراض.

ويضيف أن الروائح الكريهة تخلق حالة نفسية سيئة وتؤدي إلى إضعاف جهاز المناعة، ما يعني سهولة انتقال الأمراض وانتشارها في المجتمعات المقيمة بجانبها.

ويلفت إلى أن الأمراض الطفيلية مثل الجرب قد تؤدي بدورها إلى التهابات معوية صعبة للغاية مثل: الأميبا والجارديا والدودة الدبوسية. 

ويشير إلى الارتفاع الحاد في عدد الحالات المصابة بجدري الماء، ما استدعى تدارس منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة الفلسطينية لكيفية التعامل مع هذا الارتفاع خلال الفترة الحالية لاسيما في خان يونس ومدينة غزة. ويوضح أن النظام الصحي حاليًا بالقطاع غير قادر على التعامل مع انتشار هذه الأمراض التي تتكاثر بشكل غير مسبوق وسط غياب مستلزمات المختبرات والأدوية اللازمة.

وبحسب وزارة الصحة في غزة، بلغ النقص في مواد الفحص المخبري 87%، كما بلغ نقص المستهلكات الأساسية اللازمة للفحوصات 74%، وأدى ذلك إلى توقف فحوصات "غازات الدم" بشكل كامل، بينما تواجه فحوصات صورة الدم الكاملة CBC خطر التوقف التام خلال أيام معدودة.

ويرى المناعمة، أن الحل يكمن في انسحاب الجيش الإسرائيلي والسماح بعودة النازحين إلى مناطقهم السابق، ويقول إن ذلك سيؤدي إلى إخلاء المناطق المحيطة بهذه "المكاره الصحية" وبالتالي تقليل انتشار الأمراض المرتبطة بها.

© قنطرة