بقاء اضطراري
تُمسك الفلسطينية نهى سليمان بهاتفها، وتقلّب صورها مع زوجها وابنتيها في غزة قبل الحرب، مستعيدة ذكريات عائلة تفرّقت بين أم وابنتين في منطقة قرب القاهرة، وأب في خيمة بقطاع غزة، تقول: "لا إحنا بنقدر نرجع غزة هلأ مع علاج مريم، ولا هو يقدر يخرج ويجي إلينا".
جاءت نهى إلى مصر في مارس/آذار 2024 لعلاج ابنتها الصغرى مريم، البالغة من العمر 7 سنوات، المصابة بـ"حمى البحر الأبيض المتوسط". ولا تزال عالقة هناك، رغم أن بعض الفلسطينيين الذين وصلوا إلى مصر للعلاج خلال الحرب بدأوا بالعودة إلى القطاع المحاصر منذ إعادة فتح معبر رفح في 2 فبراير/شباط الماضي.
استقرت نهى في منطقة القناطر الخيرية شمال القاهرة، منذ ذلك الحين لتلقي العلاج في مستشفى محلي، واستطاعت تدبير شقة قريبة بمساعدة متبرعين مصريين، وتقول: "العيش في مصر صعب حتى على المصريين أنفسهم، لكن ذلك أهون من المخاطرة بحياة مريم، التي تحتاج إلى علاج شهري يكلف نحو 10 آلاف جنيه (حوالي 191 دولارًا)، وغير متوفر في غزة".
تعمل نهى حاليًا بدوام جزئي في كافتيريا قريبة من منزلها مقابل 2000 جنيه شهريًا (نحو 38 دولارًا)، وتكمل تكاليف العلاج عبر مساعدات متقطعة أو بالاقتراض، وتتمنى أن يُسمح لزوجها باللحاق بهم في مصر. أما الأب فبقي في غزة متنقلًا بين الخيام في منطقة النصيرات، ويزيد من معاناته عجزه عن التواصل مع من حوله، فهو من الصم والبكم وكان يعتمد عليهم للترجمة بلغة الإشارة.
لا تلتحق ابنتا نهى بالمدارس الحكومية، بل تدرسان في معهد الأزهري هناك، لأن نهى، كمعظم الفلسطينيين، لا تملك إقامة. وقد دفع هذا العديد من الطلاب الفلسطينيين للالتحاق بالمعاهد الأزهرية أو إلى مواصلة دراستهم عبر الإنترنت في المدارس الفلسطينية، ومثل هذه القيود هي التي تدفع العديد من الفلسطينيين الذين فروا إلى مصر خلال الحرب إلى التفكير في العودة إلى غزة.
ولكن لم يعد سوى 803 فلسطينيين بنهاية فبراير/شباط، من بين نحو 110 آلاف وصلوا إلى مصر خلال الحرب للعلاج أو كمرافقين للمرضى، ويُرجع نشطاء فلسطينيون قلّة أعداد العائدين إلى "العراقيل الإسرائيلية". وقد اشتكى فلسطينيون، خصوصًا النساء، من "تفتيش ذاتي وإهانة ومصادرة ما كان معهم" عند الحاجز الإسرائيلي بعد عبورهم من الجانب المصري.
نقطة التفتيش الإسرائيلية
تمرّ عملية العودة بعدة مراحل، أولها تسجيل البيانات إلكترونيًا لدى السفارة الفلسطينية بالقاهرة، إذ سجل أكثر من 50 ألف شخص للعودة، بحسب مصدر فلسطيني اشترط عدم ذكر اسمه، ثم يجرى التنسيق بين مصر وإسرائيل بخصوص الأسماء التي ستعبر على دفعات محددة، "ورغم ذلك يرفض الجانب الإسرائيلي مرور البعض في اللحظات الأخيرة دون أسباب عند بوابة المعبر… لولا ذلك لكان عدد العائدين أكبر، إذ يحدّ الإسرائيليون من حركة العودة"، بحسب المصدر.
وبسبب حاجز التفتيش الإسرائيلي وآلية العودة الحالية، يتخوف البعض من التسجيل، خصوصًا الشبان الفلسطينيين دون الـ40 عامًا، الذين قد تكلفهم العودة "اعتقالهم أو رفض مرورهم لأسباب أمنية، لتخوف إسرائيل من انخراطهم المحتمل في الجماعات المسلحة"، وفق المصدر.
صدمات نفسية تحبس أصوات أطفال في غزة
تحت الأنقاض، لم تفقد الطفلة عسل والدتها فقط، بل فقدت قدرتها على الكلام. ومع توقف الحرب، يسعى فريق من الأخصائيين النفسيين في غزة إلى تأهيلها وعلاجها، إلى جانب أطفال آخرين حبست الصدمة النفسية أصواتهم.
وبين خوفين، أحدهما التعرض لمضايقات أو ما هو أكبر، والآخر حرمانه من رؤية ابنته، يعيش الشاب الفلسطيني فادي أبو قطة، 32 عامًا، في مدينة عين شمس شرق القاهرة، في مساكن توفرها وزارة التضامن الاجتماعي المصرية لجرحى غزة.
جاء فادي إلى مصر خلال هدنة مؤقتة في فبراير/شباط 2025 لتركيب طرفين صناعيين بعدما فقد ذراعيه إثر الحرب، وعلاج إصابة أخرى في ساقه. يتذكر يوم إصابته في 15 يناير/كانون الثاني 2024 جيدًا: "كنت ساير مع شقيقي وبنتي ومعنا حصان، في طريق بوسط غزة محاط بالمساكن، فجأة قُصف منزل جنبنا، وتطايرت الشظايا، مات الحصان في الحال، وأنا تصاوبت وفقدت يدي الاتنين وتصاوبت في رجلي كمان.. والحمد لله إني أنا اللي تصاوبت مش بنتي".
ينتظر فادي في مصر منذ شهور أن يجد متبرعًا لتركيب الطرفين الصناعيين، على أمل أن يعانق ابنته عند عودته. واليوم، يفكر أحيانًا بالمجازفة بالعودة رغم المخاطر الأمنية، ويضطر للتعامل مع ظروفه المادية الصعبة: "العيشة هون غالية، صحابي في غزة هم اللي بيبعتولي مصاري أعيش منها بدل ما أنا اللي ببعتلهم".
لا إقامة… لا استقرار
أما الفلسطينيون من أبناء الطبقة المتوسطة العليا ورجال الأعمال في غزة، فلا يواجهون صعوبات مادية للعيش في مصر، لكن التحدي الأكبر بالنسبة لهم يبقى مسألة "الإقامة"، كما يقول الشاعر ورجل الأعمال الفلسطيني محسن الخزندار، 72 عامًا.
خرج الخزندار إلى مصر مع أسرته في يناير/كانون الثاني 2024، ومجملهم 18 شخصًا بين أبناء وأحفاد، عبر آلية "التنسيق" التي عُرفت في بدايات الحرب كوسيلة للخروج من غزة مقابل دفع مبالغ مالية باهظة، لتستقر العائلة في منطقة التجمع الخامس شرق القاهرة.
ورغم تقدمه بطلب للحصول على إقامة استثمارية بالإضافة إلى طلب للحصول على الجنسية المصرية عبر برنامج الاستثمار العقاري، لم يحصل على أيّ منهما، قائلاً: "هناك قرار سياسي غير معلن بعدم منح فلسطينيي غزة إقامات لعدم تنفيذ المخطط الإسرائيلي بالتهجير، وهو أمر لا نلومهم عليه، لكن على الأقل يمنحونا التسهيلات للاستثمار ودخول المدارس دون إقامات".
من بين قيود عدم الحصول على الإقامة، لا يستطيع الفلسطينيون فتح حسابات بنكية سوى في بنك أبو ظبي الإسلامي، وكذلك لا يمكنهم فتح مشاريع استثمارية أو شراء أراضٍ زراعية.
يمتلك الخزندار استثمارات عديدة في غزة، خصوصًا في قطاع الطاقة، وهو من بين رجال الأعمال الذين يوردون الوقود إلى القطاع، وإن بكميات أقل مما كانت عليه قبل الحرب. يؤكد الخزندار أن عودة كل الغزيين ضرورية عاجلًا أم آجلًا: "الكل راح يرجع، ما نقدر نعيش بره غزة"، لكنه يضيف أنه شخصيًا لن يعود سوى بعد سحب سلاح حركة حماس وعودة مقومات الحياة للقطاع، وحتى يتحقق ذلك، سيبقى مع عائلته في مصر.
قنطرة ©