"حملة نتنياهو وترامب أضعفت المعارضة بشدة"

مظاهرة ضد قمع النظام الإيراني في باريس، فرنسا، في 17 يناير/كانون الثاني 2026. دُعيت المسيرة لإظهار رفض القمع الذي يعاني منه الشعب الإيراني بعد الاحتجاجات الشعبية الأخيرة في البلاد.
مظاهرة ضد قمع النظام الإيراني في باريس، يناير/كانون الثاني 2026. (Photo: picture alliance / abaca | A. Alain)

يقول الناشط الإيراني المعارض بهروز فرحاني، إن الحرب في إيران تغذيها قوتان رجعيتان: طموحات الهيمنة لدى النخبة الشيعية في إيران، والرؤية الإسرائيلية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، ويؤكد أن الحملة العسكرية قضت على أي مجال للاحتجاج ضد النظام.

حوار: مهدي عبادي

قنطرة: ادعت الولايات المتحدة وإسرائيل في البداية أنهما ستشنان عملية سريعة على غرار حرب الاثني عشر يومًا التي اندلعت العام الماضي. لكن بعد مضي عدة أسابيع على الحرب، ومع عدم وجود نهاية تلوح في الأفق، يبدو أنهما أخطأتا في تقدير رد إيران.

بهروز فرحاني: تختلف هذه الحرب كثيرًا عن صراع الاثني عشر يومًا الذي اندلع في يونيو/حزيران 2025. فقد كانت تلك الحرب بقيادة إسرائيل، ورغم الدعم اللوجستي الأمريكي، بقيت قصيرة. أما هذه المرة، فقد انضم ترامب إلى هدف نتنياهو القديم بشن حرب على إيران، وهو هدف سعى إليه منذ عام 2010. ومع المشاركة الكاملة للجيش الأمريكي، اتسع نطاق الحرب وطالت مدتها بشكل كبير.

Behrouz Farahani

ناشط سياسي إيراني أمضى أكثر من عقدين من الزمن يعمل جنبًا إلى جنب مع نشطاء العمال والنقابيين في المنفى. غادر إيران عام 1983 وسط القمع السياسي الذي أعقب الثورة الإسلامية، ويعيش في باريس منذ ذلك الحين.

لكن رد إيران فاجأ العديد من المراقبين أيضًا.

بالطبع، لأن الأهداف المعلنة للحرب هذه المرة تجاوزت تفكيك البرامج النووية والصاروخية، لتشمل الإطاحة المحتملة بالجمهورية الإسلامية نفسها، وهو ما يشكل تهديدًا وجوديًا للنظام.

اعتقد الذين أشعلوا الحرب أنهم قادرون على إحداث تغيير سريع في النظام، ربما بالقضاء على المرشد الأعلي. ورغم مقتل علي خامنئي بسرعة، لم يسقط النظام، وحالت بنيته الهرمية والتغييرات التي طالت قيادته العسكرية بعد حرب الاثني عشر يومًا دون تكرار سيناريو مشابه، كما حدث في في فنزويلا.

ما الذي تغيّر في هيكل القيادة؟

كان المرشد الأعلى في السابق شخصية مركزية للغاية، لكن الضربة التي تلقتها إيران خلال حرب الـ 12 يومًا حولت نظام الحكم والقيادة العسكرية من هيكل هرمي صارم إلى نموذج يتمتع بقدر أكبر من اللا مركزية. يشبه الهيكل الهرمي شجرة متعددة الفروع، تظل جميعها مرتبطة بالمركز، لكنها تعمل بدرجة من الاستقلالية.

وهذا يفسر استمرار إيران في الرد رغم خسارة عدد من الشخصيات العسكرية والسياسية البارزة. كما يظهر هذا التحول في سرعة الرد؛ فعلى عكس حرب الاثني عشر يومًا، حين جاء الرد الأول بعد نحو 24 ساعة من الضربات الإسرائيلية، ردت إيران هذه المرة فور استهداف خامنئي.

ما هو تأثير الحرب على المعارضة الداخلية في إيران، التي ناضلت لعقود من أجل الديمقراطية بتكلفة بشرية باهظة؟ 

مثل أي حرب أخرى، أضعفت هذه الحرب المعارضة بشكل خطير، وظهرت ديناميكية مماثلة بعد غزو العراق لإيران عام 1980، عندما أعلن آية الله الخميني (أول زعيم للجمهورية الإسلامية- ملاحظة تحريرية-) في تصريحه الشهير بأن "الحرب نعمة"، مستغلًا الصراع لقمع قوى المعارضة وترسيخ سلطته.

كانت إيران في ذلك الوقت خارجة لتوها من الثورة، وكانت جماعات المعارضة لا تزال تتمتع بهامش كبير من العمل. لكن هجوم صدام حسين أتاح للنظام تعبئة المشاعر القومية والقضاء على القوى السياسية التقدمية عبر السجن والإعدام، ويبدو أن الحرب الحالية لها تأثير مماثل.

ولكن حتى قبل هذه الحرب، شهدنا حملة قمع شديدة ضد المتظاهرين في يناير/كانون الثاني الماضي.

على الرغم من هذه الحملة القمعية، كانت المجموعات الطلابية والحركات العمالية، خصوصًا بين المتقاعدين والعمال، قد بدأت بإعادة تنظيم صفوفها واستئناف أنشطتها، إلا أن الحرب أوقفت تلك الجهود عمليًا، وأدت الحملة العسكرية التي شنها نتنياهو وترامب إلى تجميد هذه الحركات، مما قضى على أي مجال للاحتجاج.

وسرعان ما استغل النظام الوضع، وأعلن حالة الحرب، وكثّف الضغط على السجناء السياسيين، وقيّد الوصول إلى الإنترنت، وأعاد فرض قيود على تدفق المعلومات، وهذا نمط متكرر: فالهجمات الخارجية غالبًا ما تؤدي إلى تصاعد القمع داخليًا.

كان التطور الرئيسي الآخر هو انتقال السلطة بعد اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، إلى ابنه مجتبى، الذي كان يواجه معارضة داخل المؤسسة الحاكمة لخلافة والده، هل كان ذلك ممكنًا دون الحرب؟

خلقت الحرب فرصة ذهبية للفصائل المتشددة داخل الحرس الثوري الإسلامي، التي سعت منذ فترة طويلة إلى إيصال مجتبى خامنئي إلى السلطة. في ظل الظروف الاستثنائية التي أعقبت وفاة المرشد، لم يكن هناك مجال للنقاش أو المعارضة، وسرعان ما أُعلن عن خلافته.

كانت هناك معارضة داخل النظام الحاكم لهذا الخيار قبل الحرب، وحتى والده نفسه كان يعارض فكرة الخلافة الوراثية، ولكن في سياق الحرب، انتقلت السلطة إلى العناصر الأكثر تشددًا، خصوصًا داخل الحرس الثوري، التي تتبنى رؤية أيديولوجية متشددة وتتعامل مع الحرب بوصفها فرصة لمزيد من السلطة.

في ضوء هذه التطورات، ما هو دور المعارضة في الخارج؟ 

الأولوية المُلحة لجميع الإيرانيين، وليس فقط أولئك الموجودين في المنفى، هي المطالبة بإنهاء الحرب. فكل من يسعى إلى إيران حرة ومزدهرة، ولا يريد أن تتحول إلى نموذج يشبه غزة أو جنوب بيروت، يجب أن يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار. لقد أضعفت الحرب قوى المعارضة في الداخل. لذا، ينبغي على جماعات المعارضة في الخارج، بغض النظر عن الاختلافات السياسية، أن تتحد في المطالبة بإنهاء هذا الصراع المدمر.

هل يمكن التعاون مع الحركات المناهضة للحرب في أوروبا؟

نعم، تعاونت جماعات المعارضة الإيرانية في فرنسا لسنوات مع الأحزاب اليسارية والنقابات العمالية والمنظمات الإنسانية، ما أتاح تنظيم مظاهرة حاشدة في يناير/كانون الثاني دعماً لحركة الحرية الإيرانية، بمشاركة قوية من النشطاء الفرنسيين والإيرانيين على حد سواء.

أعتقد أن تحالفات مماثلة ممكنة في أماكن أخرى، بحسب قدرة المعارضة على بناء علاقات مع الفاعلين السياسيين ومنظمات المجتمع المدني. وهناك بالفعل حركات مناهضة للحرب في أوروبا وأمريكا الشمالية، ويمكن لدعمها أن يعزز الدعوات لإنهاء الصراع.

لكن بعض جماعات اليسار تنظر إلى الجمهورية الإسلامية ككيان مناهض للاستعمار وتتردد في انتقادها.

هذا تحدٍ حقيقي بالفعل، فقد قدمت الجمهورية الإسلامية نفسها في موقع معارض لإسرائيل واستخدمت دعمها الخطابي للقضية الفلسطينية لتعزيز صورتها المناهضة للاستعمار. ومع ذلك، فإن هذا الخطاب لا يعكس واقع النظام الإيراني، الذي يتسم بالقمع والرجعية. فقد دأبت إيران على دعم الجماعات الرجعية مثل الجهاد الإسلامي وحماس، بدلًا من الحركات الفلسطينية العلمانية أو التقدمية.

علاوة على ذلك، فإن أهدافها لا تنطلق من دعم حق الفلسطينيين في تقرير المصير، بل على المضي قدمًا بمشروع أيديولوجي أوسع نطاقًا يرتبط بمفهوم الأمة الإسلامية. ولهذا السبب، عندما ندعو إلى وقف إطلاق النار، غالبًا ما نرفع هذا الشعار: "لا للحرب، لا للجمهورية الإسلامية، لا لنتنياهو، لا لترامب"، فهذه الحرب تغذيها قوتان رجعيتان: الطموحات الهيمنية للنخبة الدينية الشيعية في إيران، ورؤية إعادة تشكيل الشرق الأوسط حول إسرائيل الكبرى.

 

ترجمه من الإنجليزية: محمد مجدي

قنطرة ©