"الثورة أقرب من أي وقت مضى"
صرّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس الأسبوع الماضي، قائلًا: "إننا نشهد الآن الأيام والأسابيع الأخيرة" للنظام الإيراني"، هل تتفقين مع هذا التقييم؟
الجمهورية الإسلامية تمرّ بوضع حرج للغاية. يسود شعور، داخل البلاد وخارجها، بأننا أمام معركة أخيرة، وهذا الإحساس يتردّد حرفيًا في الشوارع، حيث يُسمع هتاف: "این آخرین نبرده" أي "هذه هي المعركة الأخيرة"، ويُتبع أحيانًا، لا سيما من أنصار النظام الملكي، بهتاف "پهلوی برمیگرده" أي "بهلوي سيعود".
تعاني إيران منذ عقود من عقوبات قاسية، إلى جانب حكم فاسد وغير كفؤ، يُراكم الثروة لصالح نخبة ضيقة على حساب غالبية المواطنين. وقد خرج الإيرانيون مرارًا في احتجاجات واسعة النطاق للمطالبة بالمزيد من الحقوق والحريات. من الواضح أن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار في ظل اقتصاد منهار، وانخفاض قياسي في قيمة الريال، وتضخم حاد. لكن يبقى السؤال الجوهري: هل ستسقط الجمهورية الإسلامية؟
قبل عامين، قلتِ لمجلة "لايف آند ليترز" بأنه لكي تحدث ثورة، يجب أن يؤمن بحدوثها عدد كافٍ من الناس، واستندتِ إلى عالم الاجتماع تشارلز كورزمان في القول إن الثورات لا تصبح ممكنة إلا عندما تُتصوَّر على نطاق واسع. هل ينطبق هذا اليوم على إيران؟
نعم. حتى خلال انتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية" في عامي 2022-2023، أصبحت الثورة ممكنة، لكن تلك الانتفاضة لم تُنظر إليها بوصفها شاملة بالقدر الذي نراه اليوم.
اليوم، أصبحت الثورة أقرب من أي وقت مضى؛ لأنها تأتي في أعقاب سلسلة طويلة من الانتفاضات والمطالب: احتجاجات طلابية، وحركات نقابية، ونضالات نسوية. ثم ضربت هذه الكارثة الاقتصادية البلاد لتوحّد كل هذه العوامل وتكثّفها.
أفادت منظمات حقوقية، بسقوط آلاف القتلى والمعتقلين، وسط انقطاع واسع النطاق للإنترنت، والذي لم يُرفع إلا جزئيًا حتى الآن، كيف يُقارن مستوى القمع بموجات الاحتجاجات السابقة؟
بسبب الانقطاع شبه الكامل للاتصالات بعد 8 يناير/كانون الثاني، لا يزال الحجم الحقيقي لقتل المتظاهرين مجهولًا. تسرّبت بعض التقارير، لكن استمرار حجب الإنترنت وقطع معظم قنوات الاتصال الخارجية يمنع تكوّن صورة مكتملة.
مع ذلك، نعلم أن القمع هذه المرة أشد وحشية بكثير مما كان عليه خلال انتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية"، التي قُتل فيها أكثر من 500 شخص. تشير بعض المصادر غير الموثوقة، مثل قناة "إيران إنترناشيونال"، إلى سقوط نحو 12 ألف قتيل، وهو رقم يصعب استيعابه، فيما تقدر مصادر أخرى العدد بنحو ألفي قتيل. الإيرانيون جميعًا ينتظرون معرفة الحجم الحقيقي لهذه الكارثة.
هذه المرة، يبدو أن قوات الأمن مُنحت تفويضًا باستخدام الذخيرة الحية ضد المتظاهرين، وقد قُتل عدد أكبر بكثير من الناس بشكل مباشر ومتعمد مقارنة بالاحتجاجات السابقة. انتشرت صورة من سجن كهريزك جنوب طهران تُظهر عشرات أكياس الجثث السوداء، وقد بُثّ المشهد على التلفزيون الرسمي الإيراني نفسه، على ما يبدو في إطار محاولة لترهيب السكان.
الحصول على معلومات دقيقة بالغ الصعوبة؛ فالمقاطع القليلة المتاحة تأتي من أشخاص صوّروا في الشوارع ثم غادروا البلاد، أو ممن تمكنوا مؤقتًا من استخدام خدمة "ستارلينك" قبل إغلاقها.
وصف الرئيس مسعود بزشكيان الاحتجاجات في البداية بأنها "مشروعة"، قبل أن يهاجم المرشد الأعلى خامنئي المتظاهرين لاحقًا ويصفهم بأنهم "مخربون"، ماذا تكشف هذه الرسائل المتناقضة؟
جاءت لهجة الرئيس التصالحية في مرحلة مبكرة، حين كانت الدولة تعتقد أنها قادرة على احتواء الاحتجاجات. لكن ما إن خرجت الاحتجاجات من نطاق الأسواق وامتدت بسرعة إلى جميع المحافظات الإيرانية الـ31، حتى تدخل المرشد الأعلى، ومنذ ذلك الحين لم يغيّر موقفه، مكررًا الرواية المعتادة التي تفسر كل انتفاضة على أنها مؤامرة خارجية.
إلى أي مدى يؤثر الدعم الأمريكي والإسرائيلي العلني للاحتجاجات على الحركة داخل إيران؟
لقد رأينا نتائج التدخلات الغربية في العراق وليبيا. وعندما اندلعت الحرب في يونيو/حزيران، عقب الهجمات الإسرائيلية ثم الأمريكية على إيران، توحّد الإيرانيون في رفض الحرب. يستغل النظام، وغيره، فكرة التدخل الغربي لتشويه سمعة الاحتجاجات، مدعيًا أنها محرّضة من قبل الموساد الإسرائيلي، وأنها غير حقيقية.
قد يكون للموساد وجود على الأرض بالفعل، لكن هذا لا ينفي الدوافع الحقيقية للاحتجاجات، وهي مطالب مشروعة للشعب الإيراني. لا يمكن إنكار أن شعبًا انتفض مرارًا دون أن يحدث تغييرًا حقيقيًا، قد وصل إلى طريق مسدود، إلى درجة أن بعض الإيرانيين باتوا يقولون: "ألا يستطيع ترامب ببساطة أن يأتي ويُطيح بخامنئي؟ ألا يستطيع أن يفعل ما فعله بمادورو؟".
ما مدى مركزية الأزمة الاقتصادية في الاحتجاجات الحالية، مقارنةً بالمطالب السياسية الأوسع؟
الأزمة الاقتصادية محورية بوضوح. قبل سنوات، ورغم صعوبة الأوضاع، كان الإيرانيون قادرين على تحمّل تكاليف المعيشة، وإن ضاقوا بقيود الجمهورية الإسلامية كان بإمكانهم الهجرة. أما اليوم، ومع الانهيار الحاد للريال والتضخم المفرط، فقد أصبح حتى خيار الرحيل مستحيلًا بالنسبة لغالبية السكان.
يلعب تجار البازار دورًا لافتًا، وهم الذين كانوا قوة محورية في ثورة 1979 وحافظوا لاحقًا على علاقتهم بالنظام. هل نشهد تحولًا حقيقيًا؟
يعرف الإيرانيون أن اللحظة الحاسمة في ثورة 1979 جاءت مع إضرابات عمال النفط وتجار البازار. لذلك يُنظر إلى إضرابات البازار والنقابات اليوم بوصفها بالغة الأهمية.
يواجه تجار البازار مأزقًا وجوديًا؛ فقد أعلنوا عزمهم مواصلة احتجاجاتهم حتى تتخذ الحكومة إجراءات حاسمة. انهيار العملة يهدد قدرتهم على الاستيراد والاستمرار في أعمالهم.
من يقود الاحتجاجات سياسيًا على الأرض؟
لا توجد قيادة سياسية بارزة، وهو ما يجعل هذه الانتفاضة مميزة. كما كانت حركة "المرأة، الحياة، الحرية" بلا قيادة مركزية. هناك شخصيات مؤثرة رمزيًا، مثل نرجس محمدي، الحائزة على جائزة نوبل والمحتجزة حاليًا في الحبس الانفرادي، إضافة إلى ناشطات وناشطين في مجالات الطلاب والعمال وحقوق المرأة.
توجد أيضًا تنظيمات سياسية ضمن بعض الأقليات، كالبلوش والأكراد، لكن لا توجد شخصية أو منظمة جامعة. في ظل هذا الفراغ، يتحول الشباب الذين يُقتلون في الشوارع إلى رموز سياسية، ويتعهد الناس بمواصلة النضال وفاءً لتضحياتهم.
على الصعيد الخارجي، تبرز منظمة مجاهدي خلق المرتبطة بمريم رجوي، وهي أقرب إلى طائفة منها إلى منظمة سياسية، ومنضبطة تنظيميًا لكنها فقدت مصداقيتها لدى الإيرانيين. في المقابل، يُعد رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق، الشخصية المعارضة الأبرز في المنفى، إذ يصدر بيانات شبه يومية ويدعو الإيرانيين إلى التظاهر.
غضب شعبي وسط فراغ سياسي
من إضرابٍ البازارات إلى حراك شعبي: اتسعت رقعة الاحتجاجات في إيران، اجتماعيًا وجغرافيًا على نحو غير مسبوق، غير أنها تفتقر إلى برنامجٍ سياسي موحد ومطالب متماسكة، فهل تصمد أمام رد النظام الوحشي؟
ما حجم الحماس الشعبي لرضا بهلوي؟
قمعت الجمهورية الإسلامية المعارضة الداخلية بشكل ممنهج على مدى أربعة عقود، مستهدفةً نشطاء الحقوق المدنية والعمالية وحقوق المرأة عبر السجن والنفي والعنف، تاركةً إيران بلا بديل سياسي منظم.
ي هذا الفراغ، يُقدَّم رضا بهلوي، رغم افتقاره إلى الخبرة السياسية ومغادرته إيران في طفولته، بوصفه "الأمل الأخير".
تروج وسائل إعلام مدعومة من إسرائيل والسعودية والولايات المتحدة، مثل قناة "إيران إنترناشيونال" –وهي على الأرجح الأكثر مشاهدة داخل إيران حاليًا– لهذه الصورة. ومع ذلك، وفي ظل انقطاع الاتصالات وغياب استطلاعات رأي موثوقة، يستحيل قياس حجم التأييد الحقيقي. ونظرًا لأن الإيرانيين أطاحوا بوالده قبل 47 عامًا، فمن غير المرجح أن ترغب أغلبية الإيرانيين في مستقبل مع بهلوي.
ما هي السيناريوهات الأكثر ترجيحًا في المستقبل؟
أسوأ السيناريوهات: تدخل عسكري أمريكي–إسرائيلي يؤدي إلى تفكيك الدولة الإيرانية وبنيتها التحتية، وتحويل البلاد إلى مناطق متنازعة. فإيران نسيج قومي متنوع، وقد يستغل البعض هذا التنوع لتقسيمها إلى بلوشستان وكردستان وغيرها.
السيناريو الثاني: بقاء النظام مع تقديم تنازلات، عبر التفاوض مع الولايات المتحدة، والتخلي عن البرنامج النووي، وتغيير المسار السياسي، وهو ما تفضله واشنطن.
السيناريو الثالث: قد يعقد ترامب صفقة مع أجنحة داخل النظام، على غرار ما حدث في فنزويلا مع نائبة مادورو، لعزل الزعيم الحالي وتعيين شخص يذعن لمطالب الولايات المتحدة بشأن برنامجها النووي مقابل رفع الولايات المتحدة بعض العقوبات والسماح لإيران بالبقاء إلى حد ما. قد يُعيّن ترامب أيضًا رضا بهلوي، ولا أحد يعلم إلى أين ستؤول الأمور بعد ذلك. إما أن يفي بهلوي بوعده ويسمح بإجراء انتخابات، أو نعود إلى النظام الملكي.
رابعًا: ينجو النظام ويصبح أكثر قمعًا، ويقتل المزيد من الناس. قد تحاول الولايات المتحدة التدخل بتدمير بعض الأهداف العسكرية والصواريخ الباليستية، ولكنها ستكون خطوة رمزية محدودة.
السيناريو الأكثر تفاؤلًا: ينهار النظام بسبب انهيار الاقتصاد واستمرار الاحتجاجات، دون تدخل أجنبي. وينجح الإيرانيون، الذين يضمون العديد من القادة البارزين، وكثير منهم في السجون، في تنظيم انتخابات وبناء مستقبل مشرق قائم على أسس ديمقراطية.
قنطرة ©