مخاطر فراغ السُلطة في إيران

صورة للمرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي خلال تجمع حاشد في طهران.
رجل يحمل صورة علي خامنئي خلال تجمع حاشد في طهران يوم الأحد بعد تأكيد اغتياله. (Photo: picture alliance / NurPhoto | M. Nikoubazl)

قد تعتقد الولايات المتحدة أن إسقاط النظام في طهران سوف يقضي على التهديد النووي، لكنه قد يدفعه إلى مسار خارج عن السيطرة. يجادل أستاذ القانون ستيفن هولمز بأن انهيار الدولة الإيرانية سيزيد من خطر انتشار الأسلحة النووية، مسلطًا الضوء على تجربتي العراق وليبيا.

تقرير: ستيفن هولمز

يشير منتقدو الهجوم الذي شنّته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يملك خطة لما قد يحدث بعد ذلك. وهم محقون في ذلك: فعندما يتباهى ترامب بقدرته على حل الحروب في يوم واحد، فإنه يكشف فقط عن محدودية مدى انتباهه، لكن المشكلة الحقيقية ليست قِصَر أفق ترامب الزمني، بل ضيق نطاق إدراكه للتهديدات. 

في حين لا تعكس حملة القصف التي شنّها ترامب أيّ استراتيجية بالمعنى التقليدي للكلمة، فإنها تستند إلى افتراض تشغيلي واضح: النظام الإيراني يشكل تهديدًا لأمن الولايات المتحدة، وتدمير النظام يقضي على هذا التهديد. إنه ذات الاعتقاد الأساسي الذي حرّك الحروب الاختيارية الأمريكية السابقة، من العراق إلى ليبيا. كان الافتراض خاطئًا آنذاك، ومن المرجح أن يثبت كونه خاطئًا بدرجة كارثية الآن. 

تمتلك الولايات المتحدة قدرة استثنائية على تدمير سلطة الدولة المركزية من الجو، لكنها لا تملك قدرة مماثلة على إدارة ما يتبع ذلك، ولأن فراغات السلطة لا يمكن استهدافها بالذخائر الدقيقة أو تحديدها بواسطة صور الأقمار الصناعية، فإن الفِكر الاستراتيجي الأمريكي يُقلل بشكل منهجي من شأن الخطر الذي تفرضه. 

هذا يعكس تحيزًا معرفيًا متكررًا في الولايات المتحدة: التهديدات التي لا يمكننا معالجتها عسكريًا تحظى بقدر أقل من الأهمية مقارنة بتلك التي يمكننا معالجتها بهذه الوسيلة. غير أنّ أشد التهديدات خطورة وأطولها أمدًا تظهر غالبًا بعد انهيار السيطرة المركزية، عندما تتشتت الترسانات، وتتفكك سلاسل المسؤولية، وتختفي المساءلة. 

Here you can access external content. Click to view.

كان من المفترض أن توضح حرب العراق هذه الحقيقة؛ في عام 2003، دمرت الولايات المتحدة الدولة العراقية على أساس أن نظام صَدّام حسين يشكل خطرًا مباشرًا وحادًا على الأمن الأمريكي. ما أعقب سقوط النظام لم يكن الأمان، بل الفوضى. في غضون أيام، نُهبت مئات من مستودعات الأسلحة، وغُمِرَت الأسواق السوداء بالأسلحة الصغيرة، والقذائف الصاروخية الدفع (RPGs)، وقذائف الهاون، التي وقعت في أيدي جهات كانت قابلية التنبؤ بسلوكياتها، ووضوحها، وردعها أقل كثيرًا، مقارنة بنظام صدام. 

تشمل هذه الفئة تنظيم الدولة الإسلامية، الذي نهض في نهاية المطاف من أنقاض المؤسسات العراقية المنهارة، وعندما اجتاح مدينة الموصل في عام 2014، استولى، من قواعد الجيش العراقي، على مخزونات ضخمة من الأسلحة التي زودت بها الولايات المتحدة العراق ــ وهو ما شكّل موجة ثانية من انتشار الأسلحة الناتجة عن العمل الأصلي المتمثل في تدمير الدولة. وكان هذا النمط بنيويًا وليس عَرَضيًا. 

كان ينبغي لحالة ليبيا أن تعزز هذا الدرس؛ فبعد أن ساعدت منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في الإطاحة بمعمر القذافي في عام 2011، انهارت مؤسسات الدولة بسرعة، واختفى ما بين ثلاثة آلاف إلى 12 ألف صاروخ أرض-جو محمول على الكتف (MANPADS) قادر على إسقاط طائرات مدنية، لتظهر هذه الصواريخ مرة أخرى في أسواق الأسلحة في منطقة الساحل، وسيناء، وغزة، وغيرها. 

تؤكد هذه الوقائع ما توصلت إليه كل دراسة منهجية عن إزاحة القيادة في أنظمة ضعيفة المؤسسات: العاقبة هي التفتت، وليس تثبيت الاستقرار. وينطبق الأمر ذاته على إيران، لكن ما سيتشتت بعد سقوط النظام قد يكون أشد خطورة من القذائف الصاروخية الدفع والصواريخ أرض-جو المحمولة على الكتف. 

قبل الضربات الأمريكية الإسرائيلية في يونيو/حزيران الماضي، كانت الجمهورية الإسلامية تمتلك حوالي 441 كيلوجرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة نقاء 60%، الذي لا تفصله سوى خطوة تقنية قصيرة عن درجة الأسلحة. وهذا يكفي، حسب تقديرات الخبراء، لإنتاج نحو عشر قنابل نووية، وقد أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي مُنع مفتشوها فعليًا من دخول المواقع النووية الإيرانية منذ الغارات، أنها لا تستطيع تحديد حجم مخزون إيران الحالي من اليورانيوم المخصب أو مكانه. يعتقد بعض المحللين أنه دُفِن في منشآت تحت الأرض المنهارة؛ بينما يعتقد آخرون، أنه نُقِل إلى مواقع سرية قبل القصف. يستند كلا التقييمين إلى أدلة مجزأة ــ صور الأقمار الصناعية، واستخبارات الإشارات، وتصريحات الحكومة الإيرانية، وجميعها عُرضة للتلاعب، لكنها تلقي بظلال من الشك على ادعاء إدارة ترامب عندما استخدمت مصطلح "الإبادة التامة". 

المفارقة الاستراتيجية في صميم منطق تدمير النظام تكمن في حقيقة مفادها أن المنشآت المتضررة، والمواد النووية المتناثرة، والموظفين المسؤولين عن الحراسة المحبطين أو الغائبين هي على وجه التحديد الظروف الأكثر ملاءمة للتشتت. بعبارة أخرى، لم تُنه الضربات الأمريكية الإسرائيلية خطر الانتشار النووي، بل زادت من حدته. 

وحتى لو بقيت احتمالات التسريب منخفضة، يجب التعامل معها بأقصى درجات الجدية. هذا هو المبدأ الأساسي الذي يحكم الأمن النووي: المواد الانشطارية التي لا تخضع لرقابة آمنة من جانب الدولة يجب تقييمها على أساس أسوأ الاحتمالات، وليس على أساس الاحتمالات المتوسطة. عندما حصلت الشبكات الإرهابية على صواريخ أرض-جو المحمولة على الكتف (MANPADS)، كانت كارثة، وإذا حصلت على مواد نووية قابلة للاستخدام في الأسلحة، فسوف ينهار منطق الردع النووي ذاته. 

رسائل الردع تتطلب عنوانًا للرد ــ حتى لو كان العنوان دولة معادية. فحتى الدولة المعادية لها عاصمة وقيادة وسكان ترغب في الحفاظ عليهم؛ إذا أزلت كل هذا، فلا بد وأن يبدأ انهيار البنية التي منعت استخدام الأسلحة النووية منذ عام 1945. لا يمكنك التفاوض على ضمانات مع فراغ، ولا يمكنك توقيع اتفاقية مع منطقة ممزقة، ولا يمكنك التحقق من امتثال دولة لم يَعُد لها وجود. 

الدولة التي تحتفظ حاليًا بمهمة رعاية المواد النووية الإيرانية، مهما كانت معيبة أو معادية، هي الكيان الوحيد الذي يمكن من خلاله فرض قيود قابلة للتنفيذ. إذا دمرتها، فإنك تجعل حلّ معضلة التهديد النووي أشد إلحاحًا ومستحيلًا في الممارسة الفعلية. 

تبدو السابقة السوفيتية مفيدة في هذا الصدد. عندما انهار الاتحاد السوفيتي في عام 1991، أفضى تدهور أنظمة الأمن إلى ترك المواد النووية عُرضة للخطر، وعلى غرار ما فعله جورج سوروس، الذي أنشأ مؤسسة لدعم العلماء السوفيت بهدف منع هجرة العقول وتخفيف مخاطر انتشار الأسلحة النووية، بدأت الولايات المتحدة تستثمر بكثافة في برامج تعاونية للحد من التهديدات. 

الوضع في إيران، في بعض النواحي، أشد خطورة، وذلك لأن بنيتها الأساسية النووية ظلّت لفترة طويلة تجمع بين عناصر معلنة وسرية، والمواد المادية ليست الشاغل الوحيد. فقد دربت إيران على مدى عقود كادرًا كبيرًا من العلماء النوويين. وفي سيناريو انهيار الدولة، يصبح هؤلاء المتخصصون عملاءً أحرارًا، متاحين لأي شخص على استعداد للدفع. في الوقت ذاته، من الممكن إعادة استخدام المواد النووية المنخفضة الجودة في أجهزة التشتت الإشعاعي ("القنابل القذرة") القادرة على تلويث مناطق حضرية، وفي غياب الحراسة المؤسسية، يفرض كل موقع تخصيب، ومنشأة بحثية، ومفاعل مخاطر واضحة. 

ترى الولايات المتحدة أنظمة يمكنها ضربها وتستنتج أن ضربها يحلّ المخاطر التي تفرضها، لكن القضاء على عدو مرئي لا يحيد التهديد الكامن؛ بل يحوله إلى شيء مراوغ، وغامض، ولا مركزي، ولا يخضع للمساءلة، ويستحيل التفاوض معه أو مراقبته. إلى أن تدرك الولايات المتحدة هذا الحقيقة ــ إلى أن تستوعب دروس بغداد وطرابلس، وربما طهران ــ ستستمر في توليد مخاطر لا يمكن لأيّ صاروخ الوصول إليها. 

نُشر المقال لأول مرة في بروجيكت سنديكيت 2026 

 ترجمه من الإنجليزية: إبراهيم محمد علي

© بروجيكت سنديكيت