قلم عصيّ على الشاه والملالي وترامب

شهرنوش بارسيبور. (Photo: Hreinn Gudlaugsson, CC BY-SA 4.0 <https://creativecommons.org/licenses/by-sa/4.0>, via Wikimedia Commons)
رُشحت شهرنوش بارسيبور لجائزة بوكر لعام 2026 قبل وقتٍ قصير من وفاتها. (Photo: Hreinn Gudlaugsson, CC BY-SA 4.0)

فقدت إيران إحدى أكثر الأصوات الأدبية صلابة، فقد واجهت مؤلفة رواية "نساء بلا رجال" الرقابة والقمع طوال حياتها، ورفضت مؤخرًا أن تمجد الحرب ضد إيران.

تقرير: محمد مهدي بور

توفيت الكاتبة والمترجمة والباحثة الثقافية والناشطة منذ زمن طويل في جمعية الكتاب الإيرانيين، شهرنوش بارسيبور، يوم الجمعة 6 يوليو/حزيران، عن عمر يناهز 80 عامًا وهي في المنفى بولاية كاليفورنيا. ولا يُعدّ عملها جزءًا لا يتجزأ من تاريخ الأدب الفارسي الحديث فحسب، بل هو أيضًا جزء من تاريخ النساء اللواتي لم ينظرن إلى الكتابة على أنها مجرد ترف، بل كشكل من أشكال المقاومة.

ولدت بارسيبور في طهران عام 1946، وقضت جزءًا من طفولتها في مدينة عبادان، ودرست علم الاجتماع في جامعة طهران، وعملت لاحقًا كمنتجة في الإذاعة والتلفزيون الإيرانيين، إلا أنها استقالت من هذا المنصب بعد احتجاجها على إعدام الناشطين اليساريين خسرو غولسورخي وكرامات الله دانيشيان، وكذلك على اعتقال الكاتب غلام حسين سعيدي.

وحتى في ذلك الوقت، عندما كان الشاه لا يزال في السلطة، كان من الواضح أن علاقة بارسيبور بالسلطات لم تكن تتسم بالانصياع بل بالمعارضة. وبعد ذلك بوقت قصير، سُجنت للمرة الأولى، وعقب إطلاق سراحها، سافرت إلى فرنسا، حيث درست اللغة والثقافة الصينية، ونُشرت روايتها الأولى "الكلب والشتاء الطويل"، في إيران عام 1974.

عادت إلى وطنها بعد الثورة عام 1979، وانضمت إلى اتحاد الكتاب الإيرانيين، لكن الجمهورية الإسلامية لم تترك لها مجالًا لمواصلة نشاطها بحرية، وسرعان ما جرى اعتقالها مع والدتها عام 1981 بتهمة حيازة كتابات سياسية. وخلال فترة سجنها، كتبت اثنين من أهم مؤلفاتها: "توبا ومعنى الليل" و"نساء بلا رجال" (1989).

منفية لكنها لم تُصمت

أصبح كتاب "نساء بلا رجال" عملًا رائدًا في الأدب الإيراني المعاصر، فهذه الرواية القصيرة تروي قصة نساء يتحررن من الأدوار المقيدة التي تفرضها عليهنّ الأسرة والأعراف الاجتماعية والنظام الأبوي، إذ باتت الحديقة التي تلجأن إليها أكثر من مجرد مكان للهروب، إنها فضاء للتحول، وصورة معاكسة لمجتمع يتحكم في أجساد النساء ويسعى إلى إسكات أصواتهنّ.

فقد كتبت بارسيبور عن الجسد والرغبة والوحدة والخوف والحرية قبل وقت طويل من أن يصبح ممكنًا مناقشة هذه المواضيع علنًا في إيران.

كان رد فعل الدولة واضحًا، فقد حُظرت رواية "نساء بلا رجال"، وأُلقي القبض على الكاتبة مرة أخرى، وغدت رواية واحدة كافية لإثارة قلق من هم في السلطة، ولعل هذا يصور بوضوح أين تكمن القوة السياسية في أدب بارسيبور: ليس في الشعارات، بل في فكرة أن النساء يمكنهن العيش بطريقة مختلفة، والرغبة بطريقة مغايرة، ورواية قصصهنّ بطريقة أخرى.

غادرت بارسيبور إيران لاحقًا وعاشت في المنفى في الولايات المتحدة، لكن ذلك لم يسكتها، واستمرت كتبها في التداول، غالبًا خارج القنوات الرسمية، وقرأتها أجيال وجدت فيها لغة مختلفة للتعبير عن التجربة النسائية، والقمع، والتحرر الذاتي. وفي عام 2026، حظيت رواية "نساء بلا رجال" باهتمام دولي مرة أخرى عندما رُشحت النسخة الإنجليزية لجائزة بوكر العالمية.

حياة من الاستقلالية

ظلّت بارسيبور، حتى أيامها الأخيرة، صوتًا عصيًّا على الاصطفافات السياسية؛ فحين هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران، رفضت الانحياز إلى أولئك الذين قدموا الحرب التي شنّها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوصفها طريقًا إلى التحرر، وعبّرت بقوة عن معارضتها، وذكّرت الناس بأن الشعب الإيراني هو الذي يموت في النهاية تحت القنابل والصواريخ والعنف السياسي.

وقد عكس هذا الموقف الاستقلالية التي لطالما شكلت حياتها؛ فقد احتجت بارسيبور ضد نظام الشاه الملكي، وتعرّضت للسجن والحظر في نظام الملالي بالجمهورية الإسلامية، ومع ذلك رفضت أن تُضفي طابعًا رومانسيًّا على العنف الذي مورس ضد بلدها.

حتى في المنفى، لم تنعم شهرنوش بارسيبور بحياة أدبية مستقرة أو مريحة، فقد أشار زملاؤها إلى أنها عاشت فترات من الفقر، واضطرت إلى العمل في وظائف متواضعة لتأمين معيشتها، مع حرصها الدائم على الحفاظ على استقلالها الفكري والأدبي.

وكان في ذلك قدرٌ من الكرامة الهادئة؛ إذ لم تُحوِّل معاناتها إلى وسيلة للمتاجرة، ولا اسمها إلى مشروعٍ شخصي، بل بقيت كاتبةً فضّلت أن تدفع ثمن العزلة على أن تساوم على صوتها أو تُسخّره لخدمة السلطة أو الأيديولوجيا أو الانتهازية.

ويُذكّرنا رحيلها بأن الرقابة لا تكتفي بمحو الأدب، بل قد تُحوِّل الكتاب إلى ذاكرةٍ سرية تتناقلها الأجيال بعيدًا عن أعين السلطة، وقد منحت شهرنوش تلك الذاكرة لغةً وشكلًا، وكتبت عن النساء لا بوصفهن ضحايا للتاريخ، بل باعتبارهنّ شخصيات قادرة على إعادة تخيّل المستقبل وفتح آفاق جديدة للإمكان. ولهذا يبقى أدبها حيًا، ما دامت هناك لغة ترفض الخضوع.


ترجم النص من الإنجليزية بأدوات ترجمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي: محمد مجدي 

قنطرة ©