إعادة اكتشاف كاتبة طالها النسيان

صورة بالأبيض والأسود لواجهة بيروت البحرية، يظهر في وسطها قارب شراعي.
بيروت في أواخر القرن التاسع عشر، مسقط رأس الكاتبة أليس البستاني. (Photo: picture alliance / Mary Evans Picture Library | R4138)

تُعيد ترجمة جديدة الروح إلى رواية "صائبة"، التي صدرت عام 1891، وقلبت الصورة النمطية عن المرأة في عصر النهضة العربية رأسًا على عقب.

تقرير: محمد نافع وافي

تختتم أليس البستاني، روايتها "صائبة" بمشهد تصعد فيه البطلة، التي تحمل اسم الرواية، إلى سطح منزلها مهددةً بالانتحار، وعلى مدار الأحداث، يحاول ابن عمها فريد، المعروف بطيشه وسرعة غضبه، تشويه سمعتها انتقامًا منها بعد رفضها الزواج به.

وبعد أن استنفد كل الوسائل لإجبارها، حاصرها، فصعدت صائبة إلى حافة السطح، وأعلنت أنها تفضل الانتحار على أن تتخلى عن شرفها ونزاهتها.

كتبت أليس روايتها وهي في الحادية والعشرين من عمرها في بيروت خلال العهد العثماني، في وقت لم يكن فيه عمر الرواية العربية قد تجاوز ثلاثة عقود، وكانت شرعية كتابة النساء للرواية لا تزال محل جدل واسع. وفي هذا السياق، تبدو جرأة هذا العمل وإنجازه الأدبي لافتين إلى حد بعيد.

واليوم، بات هذا الصوت الأدبي المتفرّد، الذي نُشرت الرواية به لأول مرة عام 1891، متاحًا للقراء الناطقين بالإنجليزية بفضل ترجمة مارلين بوث الصادرة ضمن سلسلة "كلاسيكيات العالم" عن مطبعة جامعة أكسفورد.

بطلة البستاني لا تنتظر من ينقذها، بل تبادر وتتحدث وترفض. غير أن هذا الموقف يكلّفها حياتها؛ إذ يطلق فريد النار عليها في الحديقة، فتفارق الحياة تحت شجرة الحور التي تكررت في الرواية بوصفها نذيرًا بالمأساة. أما زوجها لطفي، الرجل المتعلّم الذي كان يُفترض أن يجسّد نموذج الزواج الذي بشّرت به النخبة العربية المثقفة آنذاك، فيقف إلى جوارها عاجزًا، مكتفيًا بمشاهدة لحظاتها الأخيرة.

ما وراء وعود النهضة

لفهم رواية "صائبة"، لا بد من قراءتها في سياق النهضة العربية، تلك الحركة الفكرية والثقافية التي ازدهرت في بلاد الشام ومصر خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ فقد شهدت تلك الفترة ازدهارًا في الصحافة، وانتشارًا لجمعيات المناظرة، والمدارس التبشيرية، إلى جانب نقاشات محتدمة حول مستقبل المجتمع العربي. وفي قلب هذه النقاشات برزت "قضية المرأة" بوصفها إحدى أكثر القضايا إلحاحًا.

ورغم اتفاق معظم مثقفي النهضة على أهمية تعليم المرأة، فإن مبرراتهم كانت في الغالب نفعية أكثر منها تحررية؛ إذ رأوا أن المرأة المتعلمة ستكون أمًا أفضل، وأكثر كفاءة في إدارة شؤون المنزل، وشريكة أنسب لزوجها. وهكذا، كان النموذج المنشود لـ"المرأة الجديدة" يجمع بين الحداثة والالتزام بدورها التقليدي بوصفها ربة منزل.

وعكست الرواية العربية المبكرة هذه الرؤية؛ إذ كرر معظم الروائيين، الذين كانوا في غالبيتهم رجالًا، حبكة تدور حول شابة فاضلة تتمرد على الزواج المُدّبر، وتختار شريك حياتها بدافع الحب والاحترام المتبادل، لتنتهي القصة بحفل زفاف يُقدَّم باعتباره تتويجًا لمسار الحداثة وبداية لأسرة عربية جديدة تُجسد التقدم الاجتماعي.

وقد نشأت أليس البستاني في قلب هذا المناخ الفكري، فوالدها، بطرس البستاني، كان من أبرز رواد النهضة، ودعا منذ عام 1849 إلى تعليم المرأة من خلال محاضرات عامة، كما أسس مدرسة وطنية شاركت زوجته راحيل عطا في إدارتها. ويُنسب إلى شقيقها سليم البستاني دور رائد في ترسيخ الرواية العربية الحديثة، فيما سبقتها شقيقتها الكبرى أديليد البستاني إلى الكتابة الروائية، عندما نشرت رواية قصيرة عام 1870.

التاريخ من الأسفل وإشكالية "الهوية المرنة"

Cover of "Sa'iba" by Alis al-Bustani
غلاف الترجمة الإنجليزية لرواية "صائبة". (Oxford World's Classics)

للوهلة الأولى، تبدو حبكة "صائبة" وكأنها تسير وفق النموذج السائد في روايات عصر النهضة، فالبطلة، وهي شابة عثمانية متعلمة، تختار الضابط العسكري الشريف لطفي زوجًا لها بدلًا من ابن عمها فريد، ويبدو أن كل عناصر النهاية السعيدة متوافرة: انتصار الفضيلة، والزواج من الرجل المناسب، وبداية حياة زوجية مستقرة.

غير أن أليس البستاني تقلب هذه الصيغة رأسًا على عقب، ففي حين كان كثير من معاصريها من الروائيين الرجال، بمن فيهم شقيقها سليم، ينهون رواياتهم عند مشهد الزفاف باعتباره ذروة رحلة المرأة، تجعل البستاني من الزواج نقطة الانطلاق لا نقطة النهاية. إذ تنشغل معظم أحداث الرواية بما يحدث بعد الزواج، حين يشرع فريد في تنفيذ خطة للانتقام، مستعينًا بخادمة ماكرة وشريك يوناني فاسد لتشويه سمعة صائبة وزرع الشك في نفس زوجها.

كان كثير من مفكري النهضة يؤمنون بأن الزواج القائم على الحب، الذي تختاره المرأة المتعلمة بإرادتها، كفيل بضمان كرامتها وحمايتها، لكن "صائبة" تهدم هذا التصور. فحتى لطفي، الذي يبدو نموذجًا للزوج المثالي، يعجز في اللحظة الحاسمة عن الثقة الكاملة بزوجته، تحت وطأة الشكوك والأعراف الذكورية التي تحكم المجتمع.

ومن خلال هذه النهاية، توضح البستاني، أن التعليم، والاستقامة، وحسن النية، لا تكفي وحدها لحماية المرأة من عنف الاستحقاق الذكوري ومن القوة التدميرية للشائعات. وتخلص الرواية، إلى نتيجة قاتمة مفادها أن مُثل النهضة، على أهميتها وطموحها الإصلاحي، لم تكن قادرة على تفكيك البنى الاجتماعية العميقة التي تُكرّس الظلم والعنف ضد النساء.

سجلات قوطية في الزي العثماني

توضح مقدمة مارلين بوث كيف تستفيد رواية "صائبة" من تقاليد الأدب القوطي الفيكتوري، فابن العم الغيور الذي يلاحق البطلة، والمؤامرات الهادفة إلى عزلها وحبسها، واللجوء إلى التهديد بالانتحار بوصفه الخيار الوحيد أمام امرأة لا تجد حماية في القانون، كلها عناصر مألوفة في الأدب القوطي، غير أن البستاني تنقلها إلى فضاء منزلي عربي عثماني.

كما استلهمت البستاني، من رواية "جينوفيفا من برابانت" وهي حكاية ألمانية ذائعة الصيت عن امرأة تُتهم ظلمًا بالزنا، وتتعرض للنفي والاضطهاد قبل أن تستعيد مكانتها وكرامتها. ففي "صائبة" تقرأ البطلة قصة جينوفيفا تحت شجرة الحور، وتذرف الدموع، ثم تخبر لطفي بأنها تخشى أن تؤدي كذبة ما يومًا إلى التفريق بينهما.

لكن الفارق الحاسم أن قصة جينوفيفا تنتهي بالخلاص والمصالحة، بينما تصل "صائبة" إلى نهاية مأساوية مع إطلاق النار على البطلة. ومن خلال هذا التحول، ترفض البستاني الحلول الرومانسية التي تقدمها الروايات الأوروبية، مؤكدةً أن النهايات السعيدة التي تمنحها الحكايات الأدبية قد تبدو بعيدة عن واقع النساء وتجاربهن الفعلية.

الصوت المزدوج

يلفت دارسو رواية "صائبة" إلى الازدواجية التي تحكم بنية سردها؛ فهي رواية تنتمي في الوقت نفسه إلى الخطاب الأدبي السائد في عصرها وتتمرّد عليه، فقد كتبت أليس ضمن الإطار الذي رسخه شقيقها سليم البستاني وغيرُه من كتّاب جيلها، مستعينةً بصورة البطلة المتعلمة، ونموذج الزواج القائم على الرفقة، والرسالة الاجتماعية المضمّنة في العمل الأدبي، لكنها تُعيد تشكيل كل هذه العناصر بحيث يتحول المألوف إلى سؤال ونقد.

ويتميز أسلوبها النثري بالحيوية والمرونة، كما تبدو شخصياتها أكثر تعقيدًا من الناحية النفسية مقارنةً بالشخصيات التي تظهر غالبًا في روايات شقيقها. وبينما تتخلل الرواية استطرادات وتأملات وعظية، فإن هذه الوقفات ليست خروجًا عشوائيًا عن السرد، بل تمثل لحظات تكشف فيها البستاني صوتها الخاص ككاتبة تخاطب النساء مباشرة، وتقدم منظورًا نسائيًا نادر الحضور في روايات معاصريها من الرجال.

وفي أحد أكثر مقاطع الرواية لفتًا للانتباه، توقف البستاني مجرى الحكاية لتقارن بين عادات الزواج في الشرق والغرب، مشيرةً إلى أن النساء في المجتمعات الشرقية يدخلن الحياة الزوجية قبل اكتمال تكوينهنّ الشخصي، ومن دون ضمانات قانونية كافية، بعد أن جرى إعدادهنّ اجتماعيًا على قبول الطاعة والخضوع.

استعاد في الترجمة

تُعدّ مارلين بوث من أبرز مترجمات الأدب العربي إلى اللغة الإنجليزية، وقد نالت العديد من الجوائز تقديرًا لإسهاماتها في هذا المجال. وتأتي ترجمتها لرواية "صائبة"، إلى جانب مقدمة تدعو إلى قراءتها بوصفها عملًا أدبيًا يستحق التوقف عنده، ضمن مسار أكاديمي أوسع يهدف إلى إعادة اكتشاف نتاج الكاتبات العربيات في عصر النهضة، وهي أعمال كُتبت ونُشرت في زمنها قبل أن تُهمَل وتُنسى لعقود.

لم تكتب البستاني سوى رواية واحدة، ثم تراجعت عن المشهد الأدبي، شأنها في ذلك شأن عدد كبير من الكاتبات في عصرها. ولا تزال جوانب أساسية من سيرتها مجهولة، من بينها مكان تلقيها التعليم، وكيف كان استقبال روايتها عند صدورها، والأسباب التي دفعتها إلى التوقف عن الكتابة. ولا توجد أعمال أخرى معروفة لها، أو على الأقل لم يصل إلينا شيء منها، قبل وفاتها في مصر عام 1926، ويُحسب لبوث شجاعتها في الاعتراف بهذه الفجوات في سيرة البستاني بدل محاولة ملئها بافتراضات أو تلميحات غير مؤكدة.

أما الدراسات الاستقصائية السابقة حول بدايات الرواية العربية، فكانت تشير أحيانًا إلى "صائبة" مرورًا، فتصفها بأنها تفتقر إلى الاستمرارية أو التماسك، أو تعتبرها مرحلة مهمة في الطريق نحو تطور الرواية العربية، ثم تنتقل سريعًا إلى أعمال أخرى.

غير أنّ إدراج الرواية ضمن سلسلة كلاسيكيات العالم لأكسفورد يُعيد أليس البستاني إلى النقاش الأدبي الذي كانت جزءًا منه منذ البداية، فهي لم تكن مجرد مقلدة لرواد النهضة من الرجال، ولم تكتفِ بالبناء على مشاريعهم الأدبية، بل قدمت تصورًا مختلفًا لما يمكن أن تكون عليه الرواية العربية: أدبًا لا يكتفي بتقديم صور مثالية مطمئنة للمجتمع، بل يواجه القرّاء بحقائق أكثر قسوة وتعقيدًا عن العالم كما هو.

ترجمه من الإنجليزية: م. تايلور

قنطرة ©