"عاقبوا نظام الأسد بدل التطبيع معه"

نائب أمير مكة الأمير بدر بن سلطان بن عبد العزيز (وسط) يستقبل الرئيس السوري بشار الأسد (يسار) في جدة عشية قمة جامعة الدول العربية ، 18 مايو / أيار 2023 - السعودية.
نائب أمير مكة الأمير بدر بن سلطان بن عبد العزيز (وسط) يستقبل الرئيس السوري بشار الأسد (يسار) في جدة عشية قمة جامعة الدول العربية ، 18 مايو / أيار 2023 - السعودية.

انصدم سوريو العالم بقرار للجامعة العربية أعاد نظام الأسد إليها بعد 12 عاما من العزلة. الباحثة ريبيكا ريكسهاوزن ترى أن على الغرب فرض عقوبات عليه لأن من شأن غير ذلك تقوية السلطوية في كل المنطقة.

الكاتبة ، الكاتب: Rebekka Rexhausen

حين أعلنت جامعة الدول العربية في 7 أيار/مايو 2023 أنها أعادت ضم دمشق إلى صفوفها، منهية بذلك ما يقارب من 12 عاماً من العزلة، شعر السوريون في جميع أنحاء العالم بالخيانة والصدمة. كما أضرّ هذا القرار كثيراً بالثقة في قدرة المجتمع الدولي على ضمان المساءلة أو المساهمة في التوصّل إلى حلٍّ سياسي.

لكن هذا التطبيع للعلاقات مع نظام الأسد ليس مفاجئاً. إذ كان القرار في طور الإعداد منذ فترة من الزمن. فخلال السنوات القليلة الماضية، كان أعضاء جامعة الدول العربية يستكشفون بالتدريج إلى أي مدى يمكنهم المضي في إعادة العلاقات مع سوريا متجاوزين الحدود الموضوعة، وذلك بمقاومة قليلة أو معدومة من الولايات المتحدة.

إذ بدأ الأردن، الذي يُعدُّ إضافة إلى مصر من القوى الدافعة خلف جهود التطبيع، إعادة علاقاته ببطء مع نظام الأسد، مباشرة بعد زيارة الملك عبد الله الثاني إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بالتأكيد ليس من قبيل المصادفة.

وحين تم التوصّل -بعد ذلك بوقت قصير- إلى اتفاق ثلاثي لبناء خط أنابيب عبر سوريا -للتخفيف من مشاكل الطاقة في لبنان من خلال تزويدها بالغاز المصري- وفّرت إدارة بايدن للأطراف المعنية ثغرة في عقوباتها ضد سوريا.

ضعف تطبيق الولايات المتحدة للعقوبات

يتماشى مثل هذا السلوك مع ضعف تطبيق إدارة بايدن عموماً للعقوبات المعمول بها. وفي حين أنها من الناحية النظرية واحدة من أقوى أنظمة العقوبات الموجودة -خاصة مع آلية قانون قيص الذي تتضمن أحكامه عقوبات ثانوية مكثّفة شاملة دخلت حيّز التطبيق في حزيران/يونيو من عام 2020- بيد أنّ تنفيذها يفتقر إلى الفعالية بشدة.

 

الدول العضوة في جامعة الدول العربية صوّتت لصالح إعادة عضوية سوريا في الجامعة - القاهرة - مصر 7 / 05 / 2023. Egyptian Foreign Minister Sameh Shoukry speaks during an emergency meeting of Arab League foreign ministers in Cairo, Egypt, 7 May 2023 (photo: Khaled Desouki/AFP)
Foreign ministers from Arab League member states voted to reinstate Syria’s membership of the league after its suspension over a decade previously when they met for an emergency meeting in Cairo on 7 May 2023

 

وبينما تتمسّك إدارة بايدن رسمياً بهذا القانون، تبدو متردّدة في تحديث قوائم العقوبات ومراجعتها باستمرار. الأمر الذي يشكّل أهمية كبيرة في ضوء تكتيكات الإفلات من العقوبات التي يتّبعها نظام الأسد. إذ تحوي القوائم الحالية نقصاً إضافة إلى افتقارها للتنسيق مع الأطراف الأخرى التي تفرض عقوبات مثل الاتحاد الأوروبي، مما يقلّل من فعالية العقوبات بصورة أكبر.

ويمكن تتبّع تاريخ سلبية الولايات المتحدة تجاه سوريا إلى بدايات الانتفاضة الشعبية عام 2011 خلال إدارة أوباما. إذ بينما كانت واشنطن من أوائل الدول في تشديد العقوبات القائمة بالفعل بعد فترة وجيزة من بدء القمع الوحشي للمتظاهرين، إلا أنّها فشلت في متابعة موقفها بعد استخدام الأسد للأسلحة الكيماوية.

وبسبب تأثرها بصدمة حرب العراق والتدخّل الفاشل في ليبيا وتحت ضغط داخلي سببه مشاعر "أمريكا أولاً" القوية التي سبقت عهد ترامب، اختارت الولايات المتحدة التعامل مع الأسد في القضية الكيمائية، بوساطة من روسيا، المهيمنة في سوريا. وقد حدث هذا حتى بعد تجاوز "الخط الأحمر" الذي أعلنه أوباما، مما مهّد الطريق ليس لظهور الدولة الإسلامية فحسب، ولكن أيضاً لتدخّل موسكو، الذي ساعد الأسد في نهاية المطاف على تجنّب الهزيمة العسكرية.

تأثير نهج واشنطن السلبي المتزايد

شجّع نهج واشنطن السلبي بصورة متزايدة على مدار السنين، ليس في سوريا فحسب، بل في المنطقة بأسرها، دخول روسيا (عسكريا واقتصادياً على سبيل المثال عبر استثماراتها في صناعة الفوسفات في سوريا)، كما شجّع تعاون الصين مع سوريا، بما في ذلك التوقيع مؤخراً على صفقة مع دمشق لتصبح جزءاً من مبادرة الحزام والطريق الخاصة ببكين. حتى أن بعض المراقبين يلومون بشكل مباشر تردّد الولايات المتحدة على تمكين سياسات بوتين الإمبريالية، و"تشجيعه" وتمهيد الطريق في نهاية المطاف لأكثر المواجهات مباشرة حتى الآن، أي الحرب على أوكرانيا.

كما يمكن اعتبار التوقيع الأخير على الصفقة الإيرانية السعودية التي تمت بواسطة من الصين نتيجة لسياسة الولايات المتحدة هذه، وإضافةً طموحات الرياض الخاصة كانت الصفقة الإيرانية السعودية بمثابة عامل نقطة تحوّل في عملية التطبيع التي تكلّلت بعودة سوريا إلى جامعة الدول العربية.

وفي حين انتقدت واشنطن الخطوة هذه يبدو أنّ إدارة بايدن تعتبر نفسها غير قادرة على ثني شركائها الإقليميين عن إعادة الإدماج هذا، وبالتالي فهي تعطي على الأقل ضوءاً برتقالياً -إن لم يكن أخضر- لهذه العملية. في الواقع اقترح مسؤولو وزارة الخارجية نهج مقايضة لإعادة التعامل مع نظام الأسد، على سبيل المثال فيما يتعلق بقضية العودة الآمنة للاجئين، ووجود القوات الإيرانية في سوريا أو خطوات باتجاه حل سياسي. وعلى الرغم من أنّ أعضاء في جامعة الدول العربية يشدّدون كذلك على هذه الشروط من أجل إعادة الإدماج الكاملة، بيد أنها قد تكون مجرد مسألة وقت قبل أن تدفع المصالحُ المحلية والاقتصادية الدولَ العربية إلى إعطاء الأولوية لاستقرارها المتصوّر وإلقاء هذه الشروط جانباً.

 

في أيار/مايو 2023 زار الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي الأسد في دمشق - سوريا.  People drive beneath a poster with pictures of Iranian President Ebrahim Raisi (left) and Syrian President Bashar al-Assad that reads “Welcome” in Arabic, Damascus, Syria, 3 May 2023 (photo: Omar Sanadiki/AP/picture alliance)
The normalisation of relations with the Assad regime has been in the making for quite some time. In May, Iranian President Ebrahim Raisi visited Assad in Damascus. Although Iran is one of Syria's closest allies, it was the first visit from an Iranian president since the war began in 2011

 

النظام السوري: ما أشبه الليلة بالبارحة

في الحقيقة من المرجح حدوث مثل هذا التطوّر بما أنّ نظام الأسد يستمر في عدم إبداء أي اهتمام بأي جهود مصالحة جادّة. دار خطاب الأسد في القمة العربية حول سرديات القومية العربية ومناهضة الإمبريالية (على الأقل فيما يتعلق بالقوى الغربية)، لكنه شدّد أيضاً على أنّ الدول ينبغي أن تتعامل مع شؤونها الداخلية بنفسها.

وتراجع مؤخراً وزير خارجيته، فيصل المقداد، عن بيان مشترك صدر بعد اجتماع مع وزراء خارجية عرب آخرين في عمان حول حلٍّ للنزاع السوري، زاعماً عدم وجود خطط ملموسة. كما استبعد المقداد صراحة تقديم تنازلات حول نقاط رئيسية في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، مثل المطالبة بحكومة انتقالية وتغييرات دستورية، بينما دعا إلى تنفيذ إجراءات مختارة مثل إنهاء العقوبات الغربية ضد سوريا.

وهذا يوضح تماماً عدم جدوى أمل واشنطن في تغيير سلوك نظام الأسد مقابل التطبيع، ويوضّح لماذا نهج الموافقة الضمنية الحالي مآله الفشل، إن كانت الولايات المتحدة تهتمّ حقاً بحل سياسي مستدام في سوريا بدلاً من مجرد تهدئة ظاهرية.

الحاجة إلى استراتيجية غربية شاملة

وبدلاً من تعزيز السلطوية بشكل أكبر، وربما تشويه سمعة الولايات المتحدة والغرب بشكل يتعذّر إصلاحه من خلال مشاهدة أكثر من نصف مليون حالة وفاة، وأكثر من 13 مليون نازح وعدد لا يُحصى من ضحايا التعذيب تُخفى "تحت السجادة" التي "مُدّت لاستقبال" الأسد، هناك حاجة إلى استراتيجية شاملة عبر الأطلسي تراعي الديناميكيات الإقليمية وتجمع بين حوافز للحلفاء الإقليميين وضغط شديد على نظام الأسد.

أولاً، ينبغي أن يكون إنفاذ العقوبات الحالية أولوية. فالموافقة على قانون مناهضة التطبيع مع نظام الأسد لعام 2023 (Bill H.R. 3202)، الذي يُلزِم إدارة بايدن بتنفيذ قانون قيصر وبتقديم استراتيجية شاملة لمواجهة جهود التطبيع التي تبذلها الدول الأخرى، ستكون خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح.

 

ريبيكا ريكسهاوزن تتركز اهتماماتها البحثية الرئيسية على سوريا والشرق الأوسط والسياسة الخارجية والعقوبات تجاه هذه المنطقة.  Rebekka Rexhausen (photo: privat)
"It is high time the Biden administration and its transatlantic allies returned to a more active role and followed through on the human rights-centred foreign policy they so eagerly proclaimed, rather than idly standing by and watching silently while a new dawn of authoritarianism unfolds right in front of their eyes," writes Rebekka Rexhausen

 

ثانياً، تعزيز التنسيق عبر الأطلسي فيما يتعلق بقوائم العقوبات وإنفاذها -إضافة إلى التنسيق لإنشاء آليات رقابة أفضل واستراتيجية مشتركة لمكافحة التطبيع- يُعدُّ أمراً بالغ الأهمية.

ثالثاً، ينبغي تقديم المزيد من الدعم لدول الجوار التي تستضيف اللاجئين السوريين، والتعاون مع الجهات الفاعلة الإقليمية أمر ضروري للسيطرة على تجارة الكبتاغون، ومعالجة مسألتين رئيسيتين تثيران قلق الحلفاء الرئيسيين في المنطقة.

رابعاً، يمكن أن يؤدي اتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه إيران، بهدف إضعاف نفوذها، إلى تقليل التوتّرات الإقليمية.

حان الأوان لكي تعود إدارة بايدن وحلفاؤها عبر الأطلسي إلى لعب دور أكثر فعالية ويتبع السياسة الخارجية التي تركز على حقوق الإنسان التي أعلنوا عنها بحماس، بدلاً من الوقوف مكتوفي الأيدي والمشاهدة بصمت بينما يتجلّى فجر جديد من السلطوية أمام أعينهم.

 

 

ريبيكا ريكسهاوزن

ترجمة: يسرى مرعي

حقوق النشر: غلوبال بوليسي جورنال / موقع قنطرة 2023

ar.Qantara.de

 

ريبيكا ريكسهاوزن مساعدة مدير وزميلة في مركز الشرق الأوسط والنظام العالمي (CMEG). تتركز اهتماماتها البحثية الرئيسية على سوريا والشرق الأوسط والسياسة الخارجية تجاه المنطقة والعقوبات.