"ملاك الموت" في قفص المحاكمة

A man is sitting with headphones on; in front of him stand two men in lawyers’ robes, with their backs to the camera.
الهيشري خلال جلسة الاستماع الأولى له أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، ديسمبر/كانون الأول 2025. (Photo: ICC-CPI)

أصبح خالد الهيشري أول مشتبه به ليبي يمثل أمام المحكمة الجنائية الدولية، بعد تأييد التهم الموجهة إليه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في سجن معيتيقة بطرابلس. وقد تفتح محاكمته المرتقبة الباب أمام كشف منظومة أوسع من الانتهاكات التي طالت الليبيين والمهاجرين واللاجئين.

تقرير: مارغاريتا كاباتشي

ثبّت قضاة المحكمة الجنائية الدولية، في 16 يوليو/تموز، جميع تهم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي وجهتها النيابة العامة ضد المواطن الليبي خالد محمد علي الهيشري، والمتهم باحتجاز وتعذيب آلاف الليبيين واللاجئين والمهاجرين في سجن معيتيقة سيئ السمعة في العاصمة الليبية طرابلس، لتنتقل القضية الآن إلى مرحلة المحاكمة.

ويُعد الهيشري، المعروف أيضًا باسم "البوتي"، أول مشتبه به ليبي يمثل أمام المحكمة الجنائية الدولية، ووجهت إليه 17 تهمة، منها التعذيب والعنف الجنسي والاستعباد والاضطهاد والقتل، يُعتقد أنه ارتكبها بين عامي 2014 و2020. ومن المرجح أن تبدأ المحاكمة في غضون بضعة أشهر، وقد تستغرق سنوات، وأنكر الدفاع جميع التهم المنسوبة إلى موكله في جلسات الاستماع السابقة..

أُلقي القبض على الرجل البالغ من العمر 48 عامًا بمطار برلين في يوليو/تموز 2025، بموجب مذكرة توقيف سرية. وتقول المحكمة إنه شغل منصبًا قياديًا رفيعًا في سجن معيتيقة، حيث كان يتمتع بسلطة على المعتقلين ويتولى الإشراف المباشر على قسم النساء. ووفقًا للادعاء، يُشتبه في أنه اعتدى شخصيًا على ما لا يقل عن 159 معتقلًا ومعتقلة، وقتل بعضهم، كما أصدر أوامر إلى الحراس وآخرين بارتكاب انتهاكات مماثلة.

رجل ملتحٍ يرتدي بدلة ويضع سماعات رأس، يجلس في قاعة المحكمة.
يُتهم خالد محمد علي الهيشري بإساءة معاملة وقتل ليبيين ومهاجرين في سجن معيتيقة. وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، مَثُل أمام المحكمة الجنائية للمرة الأولى. (Photo: ICC-CPI)

وأقرّ قضاة الدائرة التمهيدية، في قرارٍ من 84 صفحة، بالأهمية الجوهرية لشهادات 63 شاهدًا، من بينهم 47 محتجزًا ومحتجزة سابقين. وقالت أليسون ويست، المحامية بالمركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان (ECCHR) الذي يتخذ من برلين مقراً له: "هذه لحظة تاريخية، إنها أول محاكمة للمحكمة الجنائية الدولية تنظر في جرائم ضد الإنسانية ارتكبت في نظام الاحتجاز الليبي".

بدوره قال ديفيد يامبيو، مؤسس والمدير التنفيذي لمنظمة "لاجئون في ليبيا" التي يقودها ناجون: "أكثر ما يمنحني الأمل والرضا هو أنني لم أفقد ثقتي يومًا بالمحكمة الجنائية الدولية في الدفاع عن الحقيقة والعدالة نيابةً عني. وقد اقترنت هذه الثقة بإصرار لا يتزعزع على مواجهة الصدمات الذهنية والجسدية والنفسية التي اضطررت إلى استعادتها والعيش معها مرارًا وتكرارًا".

نُقل الهيشري إلى لاهاي في ديسمبر/كانون الأول 2025، عقب اعتقاله في برلين، في خطوة رحّب بها مراقبون، ولا سيما في أعقاب الجدل الذي أثارته قضية أسامة نجيم، المعروف بـ"المصري"، الذي اعتقلته السلطات الإيطالية قبل أن تفرج عنه وتعيده إلى ليبيا على متن طائرة حكومية. ويُعد نجيم، وهو مواطن ليبي أيضًا، مطلوبًا لدى المحكمة الجنائية الدولية بتهم تتعلق بارتكاب جرائم يُزعم أنه ارتكبها خلال توليه إدارة سجن معيتيقة نفسه.

بدأت المحكمة الجنائية الدولية تحقيقاتها في ليبيا عام 2011، بعدما أحال مجلس الأمن الدولي الوضع في البلاد إليها، للتحقيق في الهجمات التي شنها نظام الزعيم الليبي آنذاك، معمر القذافي، ضد المدنيين خلال الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في إطار الربيع العربي. وأُطيح بالقذافي في وقت لاحق من العام نفسه.

جرائم ممنهجة

كان الهيشري عضوًا بارزًا في ميليشيا "قوة الردع الخاصة" والمعروفة اختصارًا باسم "ردع"، التي برزت في طرابلس كقوة مناهضة للقذافي، وحتى اليوم، تواصل الميليشيا، بقيادة عبد الرؤوف كارة، فرض سيطرتها على مجمع معيتيقة، وهو مجمع واسع شرق العاصمة يضم السجن، والمقر الرئيس للجماعة، والمطار الدولي الوحيد العامل في طرابلس.

في ظل قيادة كارة، ضمت إدارة سجن معيتيقة الهيشري ونجيم وآخرين، فيما توسعت قوة الردع الخاصة منذ عام 2015 بعد انضوائها اسميًا تحت مظلة "حكومة الوفاق الوطني"، وهي حكومة مدعومة من الأمم المتحدة تشكّلت في محاولة لإعادة توحيد ليبيا سياسيًا. وخلص القضاة إلى أن "حكومة الوفاق الوطني أدمجت ميليشيا الردع اسميًا في هياكل الدولة، وكلّفتها بمهام إنفاذ القانون"، إلا أن الميليشيا احتفظت بسلطتها واستقلالها، ما أتاح، وفقًا للقرار، ارتكاب الجرائم "بشكل منهجي ودون عقاب".

نفذت ردع هجمات واسعة النطاق ومنهجية موجهة ضد السكان المدنيين، مما يستوفي التعريف القانوني للجرائم ضد الإنسانية، حسبما توصل القضاة. ويشير القرار إلى أن الميليشيات "اعتقلت واحتجزت ما لا يقل عن 5140 شخصًا بعنف وإساءة معاملتهم بشكل منهجي بين عامي 2014 و2020 "، وكان الضحايا من النساء والرجال والفتيات والفتيان والليبيين والمهاجرين واللاجئين.

ورأى قضاة الدائرة التمهيدية أن هناك أسبابًا كافية للمضي في توجيه تهم بارتكاب جرائم حرب، معتبرين أن النزاع المسلح في طرابلس "وفّر الوسائل أو الهياكل أو السلطة التي ارتُكبت من خلالها الجرائم". وأضافوا أن "المحتجزين أُجبروا أيضًا على المشاركة في الأعمال العدائية أو التورط فيها".

وتمثل القضية أيضًا تطورًا في نهج المحكمة الجنائية الدولية في التعامل مع العنف القائم على النوع الاجتماعي وتقاطعه مع أشكال أخرى من الاضطهاد. وأشار القرار إلى أن "الأدلة تثبت أن الجناة استهدفوا النساء والفتيات بالاعتقال والاحتجاز لأنهم اعتبروا سلوكهن غير متوافق مع الأدوار الجندرية المفترضة لها".

استُهدفت نساء بسبب ممارستهن مهنًا مثل الغناء أو بسبب نشاطهن على وسائل التواصل الاجتماعي، وكتبت القاضية الرئيسية يوليا أنتوانيلا موتوك، في رأيها المنفصل، أن "التمييز القائم على النوع الاجتماعي كان متشابكًا بصورة وثيقة مع التمييز السياسي والديني والعرقي"

ظروف احتجاز لا يمكن تصورها

عرضت النيابة العامة مرافعتها خلال جلسات استمرت ثلاثة أيام، من 19 إلى 21 مايو/أيار، فيما قدم كل من ممثلي الضحايا وفريق الدفاع مرافعاتهما أيضًا. وفي بيانها الافتتاحي، استشهدت نائبة المدعي العام، نزهات شاميم خان، بشهادة أحد الشهود الذي وصف الهيشري بأنه "ملاك الموت"، وقالت إن من بين "أساليب تعذيبه المفضلة" إطلاق النار على الساقين والركبتين وتعليق المحتجزين شنقًا.

وأضافت خان أن ظروف الاحتجاز كانت "لا يمكن تصورها"، وبعض الزنازين كانت مكتظة إلى درجة اضطر معها المحتجزون إلى التناوب على النوم على الأرض، فيما كانت زنازين الحبس الانفرادي ضيقة إلى حد أن المحتجزين بالكاد كانوا قادرين على الحركة، "مما أدى إلى ضمور عضلاتهم".

Remote video URL

Here you can access external content. Click to view.

وصفت نزهت شاميم خان، نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، جلسة تثبيت التهم المتعلقة بخالد محمد علي الهيشري بأنها "محطة فارقة"، مؤكدةً التزام المحكمة الراسخ بضمان المساءلة. مايو 2025.

وأضافت النيابة العامة أن الغذاء ومياه الشرب كانا شحيحين، فيما غابت أبسط معايير النظافة، ما أدى إلى انتشار أمراض، بينها السل، الذي قالت إن الهيشري استخدمه وسيلةً للعقاب، "من خلال نقل المحتجزين الذين أراد معاقبتهم إلى زنازين يُرجح أن يصابوا فيها بالعدوى".

وقالت النيابة العامة إن المحتجزات تعرضن لإطلاق النار والتعذيب والضرب والاعتداءات الجنسية، في قسم النساء، الذي كان الهيشري يشرف عليه مباشرة. وأضافت نائبة المدعي العام، نزهات شاميم خان، أن "أطفالهن كانوا في كثير من الأحيان يشهدون أعمال العنف"، بل ويتعرضون لها هم أيضًا.

وروت إحدى المحتجزات السابقات للنيابة العامة أنها تعرضت للإهانة، وأن المحققين انتزعوا حجابها بالقوة. وقرأت خان من إفادتها: "في ثقافتي، يُعدّ أن ينزع رجل حجاب امرأة رغماً عنها نهايةً لحياتها. كان ذلك رسالةً مفادها أنهم قادرون على أن يفعلوا بي ما يشاؤون. شعرت بعجز كامل وضعف شديد".

"كانوا يصفوننا بالعبيد"

وتمثل القضية أول محاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية تتناول جرائم يُزعم ارتكابها بحق المهاجرين واللاجئين، الذين احتُجزوا إلى جانب الليبيين. وقالت محامية الضحايا، باولينا ماسيدا، أمام المحكمة: "إن معاناتهم هي نتاج منظومة من الانتهاكات، وهيمنة الميليشيات، والتواطؤ الدولي". وأضافت أن العديد منهم اعترضهم ما يُعرف بـ"خفر السواحل الليبي" في البحر، قبل إعادتهم قسرًا إلى ليبيا.

واعتبرت ماسيدا أن ما جرى كان "نظامًا مارس فيه من كانوا يمسكون بزمام الأمور سلطة أشبه بالملكية"، مستشهدة بإفادة إحدى الضحايا التي قالت إن خاطفيها "كانوا يشيرون إلينا بعبارة: العبيد". كما أفاد الضحايا بأنهم لم يكونوا يُسمح لهم بالنوم سوى بضع ساعات يوميًا، وذلك فقط ليكونوا قادرين على أداء أعمال شاقة، مثل البناء والتنظيف، أو المشاركة في عمليات التفتيش الجسدي، أو إجبارهم على ارتكاب انتهاكات بحق محتجزين آخرين.

وتُعدّ "أ. س" إحدى الضحايا المشاركات في القضية، وهي امرأة من غامبيا فضّلت عدم الكشف عن هويتها، وكانت في التاسعة عشرة من عمرها عندما اعتقلتها، مع آخرين، قوات الردع خلال مداهمة عنيفة في طرابلس عام 2017. وتقول: "اعتُقلنا لمجرد أننا كنا مهاجرين".

واطّلع موقع "قنطرة" على إفادتها المكتوبة، التي قُدمت إلى المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان (ECCHR)، الذي يدعم الناجين من المهاجرين واللاجئين المشاركين في القضية. وقالت: "في معيتيقة، كنا نظن أنهم سيقتلوننا جميعًا، لكنهم بدلًا من ذلك فتشونا تفتيشًا جسديًا وصادروا كل ما كان بحوزتنا".

أمضت "أ. س" نحو ثلاثة أشهر في قسم النساء، وتتذكر الهيشري قائلة: "كنا نناديه بـ"سيدي"". وأضافت أن الحراس "كانوا يصطفوننا ويضربوننا بانتظام. وحتى اليوم، لا أستطيع استخدام يدي بقوة، مثل عصر الملابس، لأنهم اعتدوا على يديّ ومعصميّ بالضرب المبرح".

وفي وقت لاحق، نُقلت إلى مركز احتجاز تابع لجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في ليبيا، حيث أُبلغت بأن عليها قبول العودة الطوعية إلى غامبيا عبر المنظمة الدولية للهجرة، وأُعيدت بالفعل إلى بلدها، حيث لا تزال تقيم.

وتقول إن الندوب التي خلفتها تجربة الاحتجاز في معيتيقة، بالنسبة لها وللعديد من الناجين، لم تكن جسدية فحسب، بل نفسية أيضًا. وأضافت: "ما زلت أشعر بالخوف أحيانًا من الأصوات المرتفعة، إذ تعيدني إلى ذكريات ما عشته في السجن". كما أشارت إلى أنها لا تزال تواجه وصمة اجتماعية، قائلة: "رغم أنني لم أتعرض شخصيًا لعنف جنسي، فإن كثيرين يفترضون أن ذلك قد حدث".

وختمت بالقول: "ما حدث لي في ليبيا شيء لن أنساه أبدًا. لم أتخيل يومًا أن تصل هذه الجرائم إلى المحكمة الجنائية الدولية، لذلك فإن تأكيد التهم يجعلني أشعر بسعادة كبيرة".

حلقة في نظام أوسع

تقول أليسون ويست، من المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان، إن سجن معيتيقة "يمثل موقع احتجاز بالغ الأهمية" ينبغي أن يحظى باهتمام المحكمة الجنائية الدولية، لأنه يشكل نقطة التقاء للجرائم المرتكبة بحق المعتقلين الليبيين وغير الليبيين على حد سواء. وأضاف أن السجن، فيما يتعلق بالمهاجرين واللاجئين، "يشكل حلقة في منظومة أوسع".

وأوضحت ويست أن بعض الضحايا نُقلوا إلى معيتيقة بعد اعتراضهم في البحر، فيما اعتُقل آخرون خلال مداهمات في الشوارع قبل نقلهم إلى السجن، ثم إلى مراكز احتجاز تابعة لجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية. وقال: "ستكشف هذه المحاكمة عن الثغرات في منظومة الاحتجاز والاقتصاد الأوسع المرتبطين بالمهاجرين واللاجئين في ليبيا، حتى وإن لم تكن تلك القضايا محورها الرئيسي".

وأعربت ويست عن أمله في أن تسلط القضية الضوء على بعض الجوانب "الغامضة" المرتبطة بسجن معيتيقة، مثل آليات تمويله وطبيعة العلاقة بين الحكومة و"قوة الردع الخاصة".

وأشارت أيضًا إلى مسؤولية الاتحاد الأوروبي، قائلًا: "أصبحت سياسة الهجرة في الاتحاد الأوروبي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمنظومة الاحتجاز التعسفي في ليبيا، حيث اكتسبت جماعات مسلحة مختلفة شرعية سياسية ومصادر دخل من خلال تقديم نفسها شركاء في إدارة الهجرة، بما في ذلك عبر اعتراض المهاجرين في البحر وإعادتهم قسرًا إلى ليبيا، واحتجازهم، والتعاون مع آليات مثل برنامج العودة الطوعية التابع للمنظمة الدولية للهجرة".

وختمت ويست بالقول إن قضية الهيشري "تمثل نقطة انطلاق مناسبة للغاية للمحكمة الجنائية الدولية، لما تنطوي عليه من إمكانية تمهيد الطريق أمام مساءلة أوسع نطاقًا".

قنطرة ©