أين جوليستان دوكو؟
أجرت السلطات في عام 2020 عمليات بحث مكثفة في خزان أوزونجاير بمدينة ديرسيم شرق الأناضول، حيث جابت قوارب مزودة بتقنيات بحث حديثة سطحه، ونزل غواصون إلى قاعه الموحل، كما جرى تصريف جزء من مياهه، وكان الهدف العثور على جثة الطالبة جوليستان دوكو، البالغة من العمر 21 عامًا، إلا أن هذه الجهود التي استمرت 227 يومًا لم تُسفر عن أي نتيجة.
لم يشاهد أحد جوليستان دوكو وهي تقفز إلى النهر، ومع ذلك انحصر تحقيق الشرطة منذ البداية في فرضية الانتحار، كما أبلغ تركاي سونيل محافظ ولاية تونجلي آنذاك، وهو الاسم الذي أطلقته السلطات التركية على المدينة بدلًا من اسمها التاريخي "ديرسيم"، عائلة دوكو شخصيًا بأن ابنتهم أقدمت على الانتحار.
وتروي أيجول، شقيقة جوليستان، هذه التفاصيل في بودكاست، مؤكدة أنها لم تقتنع بهذه الرواية منذ اللحظة الأولى. كذلك يرفض أفراد العائلة والأصدقاء والجماعات النسوية فرضية الانتحار، ويعتقدون أن جوليستان قُتلت، ومنذ ست سنوات، يواصلون طرح السؤال نفسه: "أين جوليستان دوكو؟"، من دون أن يحصلوا على أيّ إجابة حتى الآن.
حين تقتلع سبل العيش من جذورها
وقبل عام، أصدرت المدعية العامة في محافظة تونجلي، إبرو جانسو، قرارًا بإعادة فتح ملف التحقيق في قضية دوكو. ومنذ ذلك الحين، برزت مؤشرات متزايدة تُشير إلى احتمال تستر جهات رسمية على مجريات القضية.
وتفيد المعطيات بأنه جرى حذف بيانات زيارة أجرتها بها دوكو إلى إحدى المستشفيات قبل وفاتها بفترة قصيرة من السجلات الطبية، كما أقدم ضابط شرطة على حذف جهات الاتصال من هاتفها بعد اختفائها، إضافة إلى فقدان تسجيلات كاميرات مراقبة يُعتقد أنها كانت مهمة في التحقيق.
وفي أبريل/نيسان 2026، جرى توقيف اثني عشر مشتبهًا بهم على خلفية القضية، بعضهم يواجه شبهات تتعلق بالقتل. ويُذكر أن المتهمين الرئيسيين هما ابن محافظ المدينة آنذاك، وشريكها السابق الذي وُصف بالعنيف، فيما تُطرح شبهات حول قيام والده، وهو ضابط شرطة، بالتلاعب بالأدلة، كما يُتهم كل من المحافظ السابق والطبيب الرئيسي في المؤسسة الصحية بالتورط في عمليات إخفاء محتملة للأدلة.
وتشير المعلومات إلى أن دوكو كردية الأصل، بينما لا ينتمي المتهمون إلى هذه الخلفية، في سياق غالبًا ما تُشغل فيه مناصب رفيعة في المناطق ذات الغالبية الكردية من قبل مسؤولين أتراك.
أثارت الطبيعة الحساسة للتفاصيل الشخصية نقاشًا في تركيا حول فشل الدولة، واستغلال القانون، وعدم وجود تحقيق في جرائم قتل النساء، التي غالبًا ما تُصنّف على أنها حالات انتحار.
في المقابل، تتناول وسائل الإعلام الكردية، وكذلك النقاشات داخل المجتمع الكردي عبر الحدود داخل تركيا، القضية من زاوية مختلفة، إذ تُدرج جريمة قتل دوكو ضمن سياق تاريخي من العنف الموجّه ضد الأكراد، الذي يُنظر إليه على أنه يستهدف النساء بشكل خاص.
إبرو كانسو، البطلة المفاجئة؟
أحصت منصة "سنوقف قتل النساء" عام 2025 ما مجموعه 459 جريمة قتل بحق نساء في تركيا، ولا يزال عدد كبير من هذه القضايا دون حلّ رسمي، وغالبًا ما تُصنَّف على أنها حالات انتحار. وفي بداية هذا العام، سلطت صحيفة الغارديان الضوء على القضية في مقال بعنوان: "لماذا تسقط الكثير من النساء التركيات منتحرات؟".
قد تكون إحدى هذه الوفيات مرتبطة بشكل مباشر بجوليستان دوكو، إذ عُثر عام 2024 على جثة صديقتها روجويلات كيزماز، وهي أيضًا كردية، داخل خزان حسنكيف، وفي العام نفسه، اختفت الطالبة الكردية روجين كابايش قبل أن يُعثر على جثتها لاحقًا على ضفاف بحيرة فان. وفي كلتا الحالتين، ترفض العائلتان الرواية الرسمية التي تصف الحادثة بأنها انتحار، وتواصلان المطالبة بتوضيحات.
وفي هذا السياق، تبرز المدعية العامة إبرو جانسو كبطلة تسعى لتحقيق العدالة، وهي نفسها تشير إلى أن قضية الشابة المفقودة تمسّها أيضًا بصفتها أمًا.
كما انتشرت على منصات التواصل صور مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي تُظهرها وهي تحتضن دوكو، في مشاهد رمزية تحمل دلالات بطولية؛ إذ تقفان أمام مبنى المحكمة الذي يعلوه العلم التركي، فيما نُقشت على نصب تذكاري يُجسّد المدعية العامة بهيئة "جوستيتيا" عبارة: "العدالة = إبرو جانسو".
مبان تاريخية آيلة للسقوط
ومع ذلك، يُنظر إلى جانسو باعتبارها جزءًا من منظومة قضائية، يُقال إنها استُخدمت على مدى سنوات في سياقات سياسية، بما في ذلك إقالة رؤساء بلديات أكراد، إضافة إلى إقالة أوزغور أوزيل، رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض.
كما لا يبدو أن تحرك النيابة العامة جاء نتيجة مبادرة فردية، ففي بيان أصدرته المجموعة النسوية "أحتاج إلى السلام" بشأن قضية دوكو، قالت إن "الدولة التي يهيمن عليها الرجال تسعى إلى توظيف التحقيقات لتصفية حسابات داخلية، عبر التضحية ببعض البيروقراطيين ومنح آخرين فرصًا للترقي".
العنف ضد المرأة الكردية
ترى المحامية والناشطة الحقوقية إيرين كسكين، التي تتابع قضية دوكو، أن القضية تتجاوز كونها جريمة قتل امرأة جرى التستر عليها، إذ تعتبرها امتدادًا لتاريخ طويل من العنف الممنهج الذي استهدف السكان الأكراد، وتشير إلى أنه خلال تسعينيات القرن الماضي، شهدت تركيا حرب عصابات بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني، لتُرسِخ منذ ذلك الحين ظاهرة إفلات عناصر الدولة من العقاب في المناطق الكردية، وهي ظاهرة لا تزال مستمرة حتى اليوم.
وتوضح عالمة الاجتماع والكاتبة بينار سيليك، المقيمة بالمنفى في فرنسا، أن الحراك الذي تقوده النساء الكرديات شكّل على الدوام مصدر إزعاج لسلطات الدولة، مضيفة أن العنف ضد النساء استُخدم خلال تسعينيات القرن الماضي كسلاح في الحرب ضد السكان الأكراد، وشمل ذلك ممارسة الاغتصاب الممنهج داخل السجون.
وقد أهدى الموسيقيان متين وكمال قهرمان أغنيتهما "Çene"، وتعني "الابنة" باللهجة الكردية الكرمانجكية (كرمانشكي)، إلى غوليستان دوكو عام 2020، وتستحضر الأغنية مصير الطالبة بوصفه امتدادًا لصدمة المنطقة، في إشارة إلى المجازر التي ارتكبتها الدولة التركية بحق السكان الأكراد العلويين خلال عامي 1937 و1938، التي أسفرت عن مقتل ما يصل إلى 70 ألف شخص.
وشكّل اختطاف النساء والفتيات، وإخضاعهنّ للدمج القسري والاعتداءات الجنسية، أحد مكونات عملية الإبادة الجماعية، ووفقًا لشهادات ناجين، أقدمت بعض النساء، أثناء محاولتهنّ الفرار، على إلقاء أنفسهنّ من المنحدرات المرتفعة إلى نهر مونزور، حيث لقين حتفهن غرقًا.
ويرى الموسيقيان، أن اختفاء الجثث في مياه النهر يجسد الرابط بين الماضي والحاضر، وهو ما تعكسه كلمات الأغنية: "جرفت المياه ابنتي بعيدًا [...] / الثامنة والثلاثون، عامٌ من المعاناة العميقة بالنسبة لنا / دعوا السماء والأرض تتحدثان، ولتخبراكم بما عانيناه".
الهوية الكردية في الحركة النسوية
أما على الصعيد الوطني، فتواصل الحركات النسوية حشد جهودها لمناهضة العنف الأبوي وجرائم قتل النساء، مع المطالبة بإجراء تحقيقات ومحاسبة المسؤولين عنها، غير أن الآراء تختلف بشأن مدى تناول هذه التحركات للعنف الذي يستهدف النساء الكرديات على وجه الخصوص.
وفي هذا السياق، ينتقد عالما الأنثروبولوجيا روناي باكان وسيدا سالوك، إغفال البعد الكردي في الخطابات المتعلقة بجرائم قتل النساء، ويستشهدان بقضية بينار غولتكين، التي قُتلت في غرب تركيا عام 2020، إذ جرى تقديمها في معظم وسائل الإعلام الدولية بوصفها "شابة تركية"، بينما أُهملت، بحسب الباحثين، الروايات الكردية المرتبطة بالقمع والمقاومة.
في المقابل، دأبت وسائل الإعلام التركية على تصوير العنف الأبوي داخل المجتمعات الكردية باعتباره "جرائم شرف"، مع إرجاعه إلى ما تصفه بتخلف الثقافة الكردية ومعاداتها المزعومة للحداثة.
"أغلبية أكراد تركيا لم تعد تدعم فكرة الدولة الكردية"
يرى خبير الشؤون التركية إسماعيل كوبيلي أن المسألة الكردية مركزية في تطور تركيا الاجتماعي والسياسي وصارت متعلقة أكثر بتمثيل الحقوق والمواقف الكردية ضمن تركيا. حوار غيريت فوستمان لموقع قنطرة.
وتؤكد تشيغديم*، وهي محامية تقيم في ألمانيا وتستخدم حسابها "تشيدملي" للتوعية بالقضايا الكردية، أن الموقع الجغرافي للجريمة، والمتمثل في وقوعها بشرق الأناضول، حال دون أن تحظى قضية جوليستان باهتمام دولي أوسع، كما ترى أن الحركة النسوية التركية لا تزال تعاني من ثغرات في تعاطيها مع قضايا العنف ضد النساء الكرديات.
من جانبها، تقول عالمة الاجتماع بينار سيليك، إن الحركة النسوية في تركيا شهدت تحولاً كبيرًا مقارنة بما كانت عليه قبل عقدين، مؤكدة أنها تعلمت الكثير من النساء الكرديات وتأثرت بنضالهنّ.
أما عالمة الأنثروبولوجيا والباحثة الإعلامية بهار شيمشك، فترى أن عدم الإشارة صراحة إلى هوية جوليستان دوكو الكردية خلال المظاهرات المطالبة بالكشف عن مصيرها لا يعني إنكار هذه الهوية، وتوضح أن جميع النساء اللواتي رددن شعار "أين جوليستان دوكو؟" خلال مظاهرة الثامن من مارس/آذار في إسطنبول، هتفن أيضّا بالكردية شعار "جين، جيان، آزادي" أي "امرأة، حياة، حرية ".
ومع ذلك، يبقى السؤال الذي ترفعه تلك الاحتجاجات بلا إجابة، إذ لم يُعثر على جثة غوليستان دوكو حتى اليوم.
قنطرة ©