التجديف كسلاح سياسي
أصدرت محكمة في إقليم البنجاب في باكستان، في ديسمبر/كانون الأول الماضي، حكمًا بالسجن مدى الحياة على مبارك ساني، وهو عضو في الأقلية الدينية الأحمدية، وذلك بموجب قوانين التجديف في باكستان. وتشكل الطائفة الأحمدية أقل من 0.5% من السكان؛ ويعرّف أتباعها أنفسهم بأنهم مسلمون، لكن القانون في باكستان لا يسمح لهم بذلك ولا يتيح لهم ممارسة شعائرهم بحرية.
تواجه الطائفة الأحمدية في باكستان اضطهادًا قانونيًا على مدى عقود، وما يجعل هذه القضية لافتة بشكل خاص هو أنها، بعد وصولها إلى المحكمة العليا، فجّرت توترًا حادًا بين الأحزاب السياسية الدينية المتشددة والسلطة القضائية.
أُلقي القبض على ساني لأول مرة في يناير/كانون الثاني 2023 بتهمة "طباعة القرآن وتعديله وتوزيعه وتدريسه في إطار أنشطته الدينية"، قبل أن تفرج عنه المحكمة العليا في باكستان بكفالة في فبراير/شباط 2024، وهو القرار الذي أشعل احتجاجات عنيفة من مجموعة من الأحزاب السياسية الدينية، بما في ذلك حزب "تحريك لبيك باكستان" (TLP) اليميني المتشدد.
قاد حزب "لبيك باكستان" حملة ضد رئيس المحكمة العليا، قاضي فائز عيسى، ونزل أنصاره إلى الشوارع مرددين تهديدات بالقتل ومتهمين إياه أيضًا بالتجديف، وتحت الضغط، تراجعت المحكمة العليا عن قرارها.
أدى هذا التصعيد إلى تسليط الضوء دوليًا على العلاقة المعقدة بين القانون والدين والسياسة في باكستان، وعلى الوضع الهش الذي تعيشه الجماعة الأحمدية في قلب هذه المعادلة.
الدين والقانون
يقول فرهود عالم، وهو محلل سياسي وصحفي مقيم في إسلام آباد: "لا يمكن فهم اضطهاد الأحمديين في باكستان من دون النظر إلى التوظيف السياسي للدين في تاريخ البلاد. فقد أُنشئت باكستان على أساس أيديولوجي"، ويضيف: "ومنذ وقت مبكر، بدأت قطاعات من النخبة الحاكمة استخدام الدين كأداة سياسية بدلاً من إبقائه مسألة إيمان شخصي".
وعلى مدى عقود، حوّلت تدخلات الدولة، المسائل اللاهوتية إلى قضايا قانونية ودستورية، ويرى بعضهم الموقف العقائدي للأحمدية تجديفًا، ما خلق انقسامًا عقائديًا بين الأحمديين والمسلمين السنّة. وقد تأسست الجماعة الأحمدية في الهند البريطانية عام 1889 على يد ميرزا غلام أحمد، الذي أعلن أنه المسيح الموعود والمهدي في الإسلام.
وخلال عام 1974، أدخل رئيس الوزراء الباكستاني ذو الفقار علي بوتو (تولى منصبه بين عامي 1973 و1977)، تعديلات دستورية اعتبرت الأحمدية غير مسلمة. وفي عام 1984، أضاف الرئيس محمد ضياء الحق (تولى منصبه بين عامي 1978 و1988) المادتين 298-ب و298-ج إلى قانون العقوبات الباكستاني، الذي جرّم أن يطلق الأحمديون على أنفسهم صفة مسلمين، أو يمارسوا شعائر إسلامية في عباداتهم، أو ينشروا معتقدهم.
"تجريم التجديف والردة سياسي أكثر مما هو ديني"
لماذا يُحكَم بالإعدام بسبب منشور على فيسبوك؟ ولماذا يُحكَم بالإعدام على مجدفين في بعض الدول الإسلامية؟ فالنبي محمد لم يُعدِم أحدا بتهمة الردة ولم يشجع أتباعه على ذلك، كما أن تجريم انتهاك المقدسات لا يستند لِنَص الإسلام الأساسي، وهو القرآن. الباحث أحمد ت. كورو يكشف دوافع سياسية وراء تجريم التجديف والردة.
يوضح فرهود عالم: "أُدخلت تشريعات وسرديات دينية لنزع الشرعية عن الخصوم السياسيين. وقد اشتد هذا التوجه كثيرًا خلال حكم الجنرال محمد ضياء الحق، فقد استُخدمت سياساته لأسلمة الدولة لقمع المعارضة السياسية، والسيطرة على الأصوات المعارضة، وبثّ الخوف. كما جرى تعزيز القوانين المتعلقة بالتجديف والأحكام المتعلقة بوضع الأحمديين، مما أرسى الأساس لاضطهاد طويل الأمد".
صعود حزب "تحريك لبيك باكستان" (TLP)
منذ سياسات ضياء الحق؛ واجه الأحمديون تهميشًا شديدًا وعنفًا جماعيًا وإقصاءً اجتماعيًا واسع النطاق، وفقًا لبيانات اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان (NCHR). فمنذ عام 1984، وُجّهت اتهامات بارتكاب جرائم دينية إلى 1,294 أحمديًا بينهم 765 لمجرد تلاوة "الشهادة"، و861 بتهمة الوعظ، فيما قُتل نحو 280 شخصًا.
غير أن الحكومة الباكستانية سعت إلى إظهار نبرة أكثر اعتدالاً خلال رئاسة الجنرال برويز مشرف (2001-2008)، والسنوات التي تلت خروجه من السلطة.
لكن موازين القوى تغيرت مجددًا بعد عام 2017 مع صعود حزب "تحريك لبيك باكستان" (TLP) للمشهد السياسي، في ذلك الوقت، كان حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية – نواز (PML-N) يتولى الحكم، لكنه كان يخوض مواجهة متوترة مع المؤسسة العسكرية التي لطالما يُنظر إليها باعتبارها الطرف الأكثر نفوذًا في البلاد.
ساد اعتقاد واسع خلال الاحتجاجات المناهضة للحكومة في ذلك العام، بأن الجيش قدّم دعمًا غير مباشر لحزب "تحريك لبيك"، ما أسهم فعليًا في تمكين قوى دينية متشددة من ممارسة الضغط على الحكومة المدنية والسعي إلى فرض ترتيب سياسي جديد.
ويقول عالم، الذي تعرّض شخصيًا لحملات اتهام بالتجديف: "إن بروز حزب تحريك لبيك وتعزيز نفوذه لعبا دورًا محوريًا في هذه المرحلة من الكراهية والعنف. فقد استندت المبررات الأساسية لسياسة هذا الحزب إلى قوانين التجديف والعداء تجاه الأحمديين. كما استُخدمت قدرته على الحشد في الشارع وخطابه العنيف لترهيب الخصوم السياسيين وممارسة الضغط عبر تأجيج المشاعر الدينية".
مفارقة في الحقوق المدنية
يشير ياسر لطيف حمداني، الشريك المؤسس لـ"صندوق جناح للحرية الدينية"، وهو منظمة غير ربحية تعمل على تعزيز حرية المعتقد في باكستان، إلى أن استخدام قوانين التجديف في باكستان ضد الجماعة الأحمدية يستند إلى تناقض دستوري صارخ.
وقال لقنطرة: "إن فكرة معاقبة أشخاص بسبب حيازة القرآن أو قراءته أو تعليمه تمثل انتهاكًا صارخًا للمادة 20 من الدستور الباكستاني. فالموقف الدستوري، رغم تصنيفه الأحمديين كغير مسلمين، لا يمكنه أن يفرض عليهم اعتبار أنفسهم غير مسلمين. هذا يتعارض مع مبدأ حرية الضمير كما نعرفه".
وأضاف أن "ما تفعله باكستان تجاه الأحمديين لا ينتهك دستورها فحسب، بل أيضًا العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي وقّعت عليه وصادقت عليه عام 2010".
وأطلقت القيادة العسكرية والحكومة المدنية في باكستان مؤخرًا حملة ضد المتشددين دينيًا، وحظرت حزب "تحريك لبيك باكستان" (TLP) بموجب قانون مكافحة الإرهاب في عام 2025. ويقرّ عالم بأن هذه الخطوة إيجابية، لكنه يبقى متشككًا في نتائجها، قائلًا: "يبدو أن هذا الإجراء مدفوع أيضًا بحسابات سياسية، وبنوع من الهندسة السياسية والعسكرية التي تخدم النظام القائم، أكثر من كونه تحولًا فكريًا حقيقيًا".
وأضاف: "يُعطي ذلك انطباعًا وكأن السلاح، حين لا تعود هناك حاجة إليه، يوضع جانبًا ببساطة. أما الذهنية المتطرفة التي تقف خلفه، فلم تُواجَه أو تُفكَّك بجدية. ولا توجد مؤشرات تُذكر على وجود جهد مستدام لمواجهة الأفكار والسرديات وأنماط التنشئة الاجتماعية التي تُنتج التطرف الديني".
وختم بالقول: "ما لم تُواجَه هذه الذهنية بصدق وثبات، فمن المرجح أن تستمر دائرة الاضطهاد والتلاعب السياسي بالدين".
ترجمه من الإنجليزية: م. تايلور
قنطرة ©