مدينتان تُشكّلان الفن المعاصر في المغرب

منحوتات طينية لرؤوس مصفوفة داخل معرض فني.
العمل التركيبي "التماثيل أيضًا تتنفس" في متحف الفن الأفريقي المعاصر (MACAAL) في مراكش. (Photo: MACAAL | J. Stapleton)

يتميز المشهد الفني في المغرب بالتنوع والنمو، ويشمل مساحات مستقلة، ومعارض تجارية ودولية. وبينما تسعى مراكش إلى ترسيخ مكانتها كمركز عالمي، فإن المشهد الفني في الدار البيضاء يرتبط بتاريخها وواقعها السياسي.

تقرير: نعيمة مورالي

إنها ليلة المعارض في مراكش، وعلى سطح معرض لوفت للفنون، المطلّ على حيّ جليز الحديث، يُقام المعرض الجماعي "الرسم في ممارسة الفن". 

بُنيت مدينة جليز كـ"مدينة جديدة" خلال فترة الحماية الفرنسية، وتتناقض شوارعها الواسعة ومبانيها التي تعود إلى أوائل القرن العشرين مع المدينة القديمة المتشعبة في مراكش، التي لا تبعد عنها سوى نصف ساعة سيرًا على الأقدام.  

واليوم، يعجّ الحيّ بالمعارض الفنية والمقاهي الحديثة. وفي أمسيات فبراير/شباط، يتنقّل الفنانون وهواة اقتناء الأعمال الفنية والزوار بين هذه الأماكن، مما يحوّل المنطقة إلى مركز فني نابض بالحياة بشكل غير رسمي. وتُسهم شبكة متنامية من الفضاءات الفنية، من مبنى "كونتوار دو مين" المكوّن من ثلاثة طوابق إلى مؤسسة "إيف سان لوران"، في هذه النهضة التي تجعل من مراكش وجهة بارزة للفن المعاصر.

وتزخر المغرب بمشهد فني معاصر متنوع ومتنامٍ، ينتشر في المراكز الحضرية الرئيسية مثل مراكش والدار البيضاء وطنجة والرباط، ولكل مدينة من هذه المدن خصائصها المميزة، المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بجغرافيتها وديناميكياتها الاجتماعية ومكانتها في الاقتصاد المغربي. 

تركّز هذه المقالة على مدينتَي مراكش والدار البيضاء. فالدار البيضاء، باعتبارها القلب الاقتصادي والحضري للبلاد، تحتضن العديد من الأنشطة الفنية ذات الطابع التاريخي والسياسي، وقد تأثرت بشكل واضح بالاحتجاجات التي قادها الشباب العام الماضي، التي كشفت عن عمق الانقسامات الاجتماعية في أنحاء البلاد. أما مراكش، فعلى النقيض من ذلك، بقيت إلى حدّ كبير بعيدة عن هذه الاضطرابات، إذ واصل مشهدها الفني التركيز على السياحة واستقطاب الجمهور الدولي.

مراكش: مركز إقليمي للفن المعاصر

يُعدّ معرض "لوفت" من أبرز الفضاءات في قلب المشهد الفني المعاصر في مراكش، وتديره ياسمين برادة، المنحدرة من عائلة شغوفة بجمع الأعمال الفنية، وقد أسّسته مع شقيقتها عام 2009. انطلقت تجربة المعرض أولًا في الدار البيضاء، قبل أن يتوسّع إلى مراكش في فترة كان فيها سوق الفنّ المغربي مختلفًا إلى حدّ كبير عمّا هو عليه اليوم.

لوحتان معلقتان على جدار في معرض فني.
أعمال للفنان التونسي وليد العرْضَاوي في معرض "لوفت" للفنون في مراكش. (Photo: Naima Morelli)

تشرح ياسمين: "كان هناك العديد من تجار الفن، ولكن عدد قليل جدًا من المعارض التي تقوم بأعمال فنية منظمة. لقد كان سوقًا محليًا للغاية: فالمغاربة يشترون الفنّ المغربي فقط ولا يشترون الفنّ الأجنبي. وبالمثل، لم يشترِ هواة جمع الأعمال الفنية الأجانب الكثير من أعمال الفنانين المغاربة".

ويُعزى توسع سوق الفن المغربي على الصعيد الدولي جزئيًا إلى مشاركة المعارض والفنانين المغاربة في المعارض والفعاليات العالمية، لكنه يرتبط بالدرجة الأولى بصعود مراكش كمركز إقليمي متصل بمدن تمتد عبر أفريقيا والخليج وأمريكا اللاتينية وغيرها.

ومنذ أواخر القرن العشرين، دأبت السلطات المغربية والنخب المحلية على الترويج للمدينة كوجهة عالمية للسياحة الثقافية والرفاهية، مستثمرةً في البنية التحتية وترميم التراث والفعاليات الدولية. وقد اجتذبت هذه الاستراتيجية المقيمين الأجانب وهواة جمع الأعمال الفنية والمؤسسات الثقافية، مما ساهم في دعم المتاحف والمعارض الفنية، مثل معرض 1-54، وجعلها فعليًا المدينة الأمثل في المغرب لتتبوأ مكانة رائدة كمركز رئيسي للفن المعاصر في أفريقيا.

يحمل المشهد الفني في مراكش أيضًا بُعدًا أكثر انخراطًا سياسيًا، يتجلّى في فضاءات مستقلة مثل "LE 18" الواقع في المدينة القديمة. وبطابعه السياسي، ركّزت برامجه مؤخرًا على موضوعات مثل سياسات الماء وشاعريته، وإحياء الذاكرة الجمعية من خلال الفنون الشفوية، وثقافة الطعام.

مجموعة من الأشخاص يشاهدون عرضًا تقديميًا، تم تصويره من الأعلى.
"LE 18"، فضاء فنيّ في مراكش يركز على التوجّه السياسي. (Photo: courtesy of LE 18)

كما يقدّم متحف الفن الأفريقي المعاصر (MACAAL) رؤية أوسع لقضايا إنهاء الاستعمار، والطموحات الجمعية، والتعايش بين الثقافات والتقاليد. وهو متحف خاص يطمح إلى بناء جسر يربط بين السرديات الأفريقية المتنوعة وأوروبا، كما تتجاوز مجموعته الدائمة التصنيفات الزمنية والجغرافية التقليدية، ويستغني عن وضع لوحات تعريفية للأعمال الفنية، في محاولة لتحدي علم المتاحف الغربي التقليدي. 

الفن في الدار البيضاء: سياسي ومتجذر في المجتمع

وفي الوقت نفسه، تتمتع مدينة الدار البيضاء الساحلية، أكبر مدينة في المغرب وقوتها الاقتصادية، بتاريخ سياسي مميز وطاقة ساهمت بشكل طبيعي في تشكيل تطورها الفني. 

وفي ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، قادت مدرسة الدار البيضاء، على يد فنانين ومهندسين معماريين مثل فريد بلكاهية ومحمد مليحي ومحمد شبعة في مدرسة الفنون الجميلة، توجّهًا نقديًا مناهضًا للاستعمار، سعى إلى تطوير ممارسات حداثية متجذّرة في التراث المغربي. ومن خلال رفضها للاقتداء الحرفي بالنماذج الغربية وتفاعلها المباشر مع واقع ما بعد الاستقلال، أسهمت هذه المدرسة في ترسيخ ثقافة فنية على مستوى المدينة، حيث غدا الفن جزءًا أساسيًا من الحياة الاجتماعية والسياسية.

ويضفي هذا كله الروح الحيوية على المدينة القديمة، حيث يقع فضاء "شارع طنجة " الذي يديره فنانون. ويتناول معرضهم الأخير "شؤون مشتركة" الحياة في المدينة من خلال هياكل مرتجلة، وإيماءات يومية، والتحولات المستمرة في دورة حياة المواد الحضرية. ويستكشف الفنانون المشاركون، عبر وسائط فنية مختلفة، جماليات وإمكانيات المواد المهملة، وكيف يمكن أن تفتح آفاقًا إبداعية جديدة.

مجموعة من الزجاجات وأشياء أخرى موزعة في غرفة. وعلى الحائط نص بعنوان "شؤون مشتركة".
""شؤون مشتركة" في فضاء "شارع طنجة"، الدار البيضاء. (Photo: Naima Morelli)

ويعقب الفنان والمهندس المعماري قيس عوش، وهو جزء من مجموعة كيميا التي تدير المكان: "في مشاريعنا، نريد أن نتفاعل مع سكان المدينة، وننشئ أرشيفات جماعية، ونتعاون مع الشباب للحفاظ على ذاكرة المدينة القديمة".

وقد عاد عوش إلى الدار البيضاء بعد دراسته للهندسة المعمارية في ميلانو، يقول: "عند عودتي، شعرتُ بأن المدينة تزداد حيويةً على الصعيد الثقافي. وقد حفّزني هذا على الرغبة في المساهمة في المشهد الثقافي، الذي يقوم هنا على التعاون والتكاتف".

وتتواجد معظم المعارض التجارية في الأحياء الراقية بالدار البيضاء، مثل حيّي غوتييه وراسين، بما فيها "أتيليه 21" ومركز الفنون الأمريكي. كما توجد منصات مستقلة، منها "ثينك آرت" التي تُعنى بالإرث التاريخي لمدرسة الدار البيضاء، ومساحات مثل "سينيا" المخصصة للنشر الجماعي والأرشيف. 

"وغالبًا ما تتعاون المساحات المستقلة مع بعضها البعض هنا في الدار البيضاء"، كما تشير الفنانة يماني فاخر، التي أسست أيضًا منصة مهمة أخرى هي "ريزيدانس داريه"، مضيفة أن "النظام البيئي الإبداعي في الدار البيضاء يزدهر بفضل هذه الشبكات الارتجالية".

ويُقدّم مركز داريه إقامة فنية ممتدة لمدة عام كامل، تجمع بين السكن والعمل، للفنانين المغاربة الصاعدين الذين غالبًا ما يواجهون صعوبات في التنقل والدعم الهيكلي. وتوضح فاخر: "أُنشئ مركز داريه لسدّ الفجوة بين التدريب الأكاديمي والمسار المهني للفنانين. وينهي الفنانون فترة الإقامة بفكرة واضحة عن مشروعهم ونصٍّ يشرح أعمالهم، ما يُمثّل لهم نقطة انطلاق".

ومن الطابق الخامس في مبنى داريه، الواقع في حي المارشال أمزيان التاريخي، تتجلى كثافة المدينة بوضوح، فمن هذه النقطة، يمكن ملاحظة الحركة المتواصلة التي تصوغ إيقاع الحياة الحضرية. إنها زاوية نظر فريدة، لا تكتفي بكشف واقع المدينة، بل تفتح أيضًا أفقًا لما يمكن أن تصبح عليه.

 

ترجمته من الإنجليزية: م. تايلور

قنطرة ©