فصل لم ينته
لا يزال صدى حكم قضية مقتل الشابة الجزائرية رحمة عياط مستمرًا، ولم يتوقف عند حدود قاعة المحكمة، ففي 8 فبراير/شباط 2026، نظّمت شبكة مناهضة قتل النساء، ومجتمع الشابات في هانوفر، فعالية لإحياء ذكراها، بحضور داعمين وناشطين ألمان.
تناثرت الورود وأُضيئتِ الشموع على طاولة خشبية بإحدى المراكز المجتمعية بالمدينة الألمانية، حول صورة الشابة الراحلة، غير أن اللقاء لم يكن مناسبة لتأبينها فحسب، بل منصة لإعادة قراءة الحكم الصادر في 23 يناير/كانون الثاني 2026 ضدّ الجاني، وتقييم ما تحقق قانونيًا من سجنه مدى الحياة، واستبعاد "الدافع العنصري" لارتكابه الجريمة وهو ما لا يزال محلّ اعتراض ونقاش.
من هي رحمة عياط؟
رحمة عياط، شابة جزائرية درست العمارة، 26 عامًا، وصلت ألمانيا عام 2023 بتأشيرة مربية أطفال ضمن برنامج إقامة مؤقتة لعام، قبل أن تقرر البقاء وتتطوع في مستشفى قريب من سكنها بحي هيمنغن قرب هانوفر حتى حصولها على عقد تدريب مهني لتصبح ممرضة.
كانت ستبدأ تدريبها في أغسطس/آب 2025، لكن هذا الحلم لم يكتمل، إذ باغتها جارها "ألكسندر. ك" (31 عامًا)، على حين غرة بعد طرق باب شقتها، في 4 يوليو/تموز 2025، ووجّه إليها عدة طعنات في القلب والصدر والبطن، بدعوى وجود إزعاج صادر من هذه الشقة. تمكنت من الزحف بجراحها إلى الدرج لطلب المساعدة، ليعثر عليها الجيران هناك قبل أن يطلبوا خدمات الطوارئ، لكنها فارقت الحياة قبل وصول الإسعاف.
منذ ذلك اليوم، تحرّك مساران متوازيان: مسار قضائي انتهى بحكم المؤبد على الجاني، ومسار مجتمعي تقوده الأسرة ومبادرة "العدالة من أجل رحمة" وشبكة مناهضة قتل النساء، يركز على توصيف الجريمة، وضمانات المحاكمة، وإبقاء القضية في المجال العام.
قالت شقيقتها آمال، لقنطرة، إن رحمة كانت قد تحدثت معها سابقًا عن مضايقات شعرت بها من جارها، مرتبطة بنظرات وتصرفات اعتبرتها متصلة بحجابها. وهي الشهادة التي أدلت بها أمام النيابة العامة الألمانية، وطُرحت خلال النقاش العام حول دوافع إقدام الجاني على قتل رحمة، لكن لم تكن كافية للمحكمة لإثبات دافع "الكراهية".
تفاصيل الحكم القضائي
أتت الأسرة، الأم والأب والابنة، من الجزائر إلى ألمانيا مطلع يناير/كانون الثاني لمتابعة جلسات المحاكمة، مثقلةً بالفقد، ومحاطةً في الوقت نفسه بدعم الجالية الجزائرية ورفاق رحمة والشبكة النسوية الألمانية، وفي يوم الحكم 23 يناير/كانون الثاني، خيّم التوتر على الأجواء بمحكمة هانوفر الإقليمية؛ اكتظّت القاعة بالحضور فيما اصطفت في الخارج صفوف تنتظر المشاركة، لكن لم يُسمح لها بالدخول بعد اكتمال العدد.
داخل القاعة، ضمّت الأم زهرة بن سليمان يدي ابنتها آمال، التي سمحت لها القاضية، على نحوٍ استثنائي، أن تتحدث، فقالت: "أتمنى أن ينال الجاني أقسى عقوبة، ويجب أن يتأكد أن هناك عدالةً إلهية تنتظره، حين تسأله رحمة: لماذا قتلتني؟". قضت المحكمة، بالسجن المؤبد بحق الجاني، بعد إدانته بالقتل، مع إمكانية مراجعة الإفراج المشروط 15 عامًا. وأكدت القاضية، عدم وجود دليل على "موقف كراهية للنساء أو كراهية للأجانب" لدى الرجل المدان، وتوصلت إلى قناعة بأن الجريمة كانت ستقع، حتى لو كان شخص آخر خلف الباب: "الفعل الذي وقع هنا لا يحتاج إلى وصف، إنه أمر مروع للغاية".
جدل بعد الحكم
بيد أن هذا التوصيف شكّل محور الجدل بعد الحكم؛ إذ أوضحت مبادرة "العدالة من أجل رحمة"، التي أسسها رفاق رحمة ومتضامنين مع الأسرة، أن الحكم في شقه الجنائي حقق أقصى عقوبة ممكنة بالقانون الألماني، وهو ما اعتبرته استجابة لمطلب المحاسبة، لكنها في الوقت نفسه، أشارت إلى أن توصيف الدافع بقي نقطة غير محسومة من وجهة نظر العائلة، وأن هذا الجانب يمثل "الجزء غير المكتمل" في مسار العدالة.
وقال متحدثة من المبادرة، فضّل عدم ذكر اسمه، لقنطرة، "عندما لا يتوفر دليل على هكذا دوافع، فالقضاء ملزم أخلاقيًا بعدم أخذ أي قرار مناقض لذلك. نحن نحترم هذا الأمر، ولكننا كمبادرة ملزمون أيضًا بالاستماع إلى رأي عائلة رحمة ولا يمكننا أن نتغاضى عن حقيقة أن رحمة نفسها قد عبرت لأختها آمال بأنها لا يمكن أن تفسر نظرات الكره والمضايقات من قبل القاتل إلا كونها متعلقة بمظهرها وهويتها!".
وأعلنت أسرة رحمة، أن محاميتها توبجا سيزار ستواصل المسار القضائي، بهدف الطعن في توصيف الدافع، والسعي إلى ضمان استمرار احتجاز الجاني لأطول فترة ممكنة ضمن الإطار القانوني المتاح. إذ ترى الأسرة أن الحكم الجنائي، رغم شدته، لا يغلق الباب أمام مراجعة الجوانب المتعلقة بالخلفيات ودوافع الجريمة.
علّقت متحدثة مبادرة "العدالة من أجل رحمة": "الكثير من القضايا التي تم تداولها كقضايا ذات طابع عنصري أو كاره للنساء كانت في البداية غير واضحة الدوافع أيضًا ولم تثبت مثل تلك الدوافع إلا بعد سنوات. لذلك نحن نأمل ألا تخفى عنا وعن القضاء أي تفاصيل من شأنها أن تغير الحكم إن وجدت!".
في الوقت نفسه، تبنت شبكة مناهضة قتل النساء بهانوفر موقفًا في هذا السياق؛ ففي فعالية التأبين التي نظمتها في فبراير/شباط، شددت على أن مقتل رحمة ينبغي اعتباره جريمة قتل نسويّة (فيميسايد) وليس حادثة فردية منعزلة. وأشارت إلى أن حصر الفيميسايد في إطار العلاقات العاطفية أو الزوجية يُضيّق المفهوم، داعية إلى تبني فهم أوسع يأخذ في الاعتبار السياق الاجتماعي الذي تتعرض فيه النساء ككل للعنف بشكل غير متناسب.
كما انتقدت ما وصفته بالتركيز الحصري على غياب أدلة رقمية مباشرة تثبت كراهية عنصرية أو عداء للنساء في حيثيات الحكم، معتبرة أن العنف القائم على النوع الاجتماعي لا يشترط إعلانًا صريحًا بالكراهية. وأردفت الشبكة: "في حالة رحمة، يجب النظر إلى الفيميسايد بشكل تقاطعي، إذ يتقاطع التمييز الجنسي مع العنصرية الموجهة ضد المسلمين. إذ كانت رحمة تُقرأ اجتماعيًا كامرأة مسلمة، ما جعلها أكثر عرضة للعنف وأقل حماية، وأقل تقديرًا لقيمتها الإنسانية".
كفاح عائلات هاناو المرير
يحتفي صنّاع الفيلم الوثائقي "الألمانيون" بعرضه الدولي الأول في مهرجان برلين السينمائي "برليناله" لهذا العام، بالتزامن مع الذكرى السنوية الخامسة للهجوم العنصري بمدينة هاناو. رافق المخرج مارسين فيرزكوفسكي عائلات الضحايا منذ اليوم الأول.
"أتمنى أن يظل اسمها حاضرًا ولا يُنسى"
برزت مسألة إجرائية، إلى جانب جدل التوصيف، خلال المحاكمة أثارت قلق الأسرة، بحسب الشبكة: أفراد العائلة أشاروا إلى أن الترجمة لم تكن بالمستوى الذي يتيح لهم متابعة التفاصيل الدقيقة للإجراءات.
وأعربت الشبكة، عن نيتها مخاطبة الجهات المعنية بشأن تحسين معايير الترجمة في القضايا التي تكون أطرافها من خارج البلاد، باعتبار أن الفهم الكامل للإجراءات جزء أساسي من العدالة الإجرائية، فضلًا عن حثّ وسائل الإعلام على إعادة تعريف اللغة المستخدمة حول جرائم قتل النساء لتكون واضحة كجرائم قتل نسائية.
عادت العائلة إلى الجزائر بعد الحكم، تحمل ألم غياب رحمة، تقول الأم لقنطرة: "رحمة كانت تعني كل شيء للعائلة فهي طفلتي الأولى". "أتمنى أن يظل اسمها حاضرًا ولا يُنسى. أريده أن يتحول إلى رمز ليعبّر عن كل شاب وشابة يأتون إلى هذا البلد حاملين آمالهم وطموحاتهم. أرى رحمة في كل واحد منهم، ولا أريد أبدًا أن يتكرر ما جرى لها مع أي شخص آخر".
قنطرة ©