"فلسطين تكشف حدود التضامن الدولي"

يقف طفلان بجوار لوحة تحمل صورتين لنيلسون مانديلا وياسر عرفات، وتوجد شموع أسفل الصورتين.
تكريم الزعيمين الراحلين نيلسون مانديلا وياسر عرفات جنبًا إلى جنب في فعالية بالقدس عام 2013. (Photo: Picture Alliance / dpa | M. Abu Turk)

لماذا يقف الجمهور الإفريقي بحزم مع فلسطين بينما يغازل العديد من حكوماتهم إسرائيل؟ يتتبع الباحث الجزائري رؤوف فرّاح الإجابة في ماضي القارة المناهض للاستعمار، وفي الفجوة بين التضامن الشعبي والدبلوماسية الرسمية.

حوار: نادية أديزيو

قنطرة: لماذا تحظى القضية الفلسطينية بهذا الصدى القوي لدى الحركات المناهضة للاستعمار حول العالم؟

رؤوف فرّاح: يوضح النضال الفلسطيني كيف يمكن للقوة الإمبريالية الاستيلاء على الأراضي وإعادة تشكيلها، وكيف يمكن للاستعمار الاستيطاني أن يعيد تشكيل الجغرافيا والتركيبة السكانية، في الوقت الذي يدمّر فيه البُنى التي يقوم عليها المجتمع.

ولهذا السبب، احتلت فلسطين منذ فترة طويلة مكانة محورية في المخيلة السياسية المناهضة للاستعمار في العالم العربي وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، بيد أنها أيضًا تكشف عن حدود وتناقضات التضامن الدولي.

تُعدّ الكاميرون مثالًا واضحًا على ذلك. إذ على الرغم من تاريخها المناهض للاستعمار، إلا أنها تُعتبر واحدةً من أقرب حلفاء إسرائيل في أفريقيا، كما أن القوة الأمنية الرئيسية، التي تحمي الرئيس بول بيا، تلقت تدريبًا وتجهيزًا بدعم إسرائيلي.

هذا التناقض مهم. فالتقنيات والأسلحة التي طُوّرت في سياق احتلال الفلسطينيين وقمعهم تُصدَّر لاحقًا إلى دول أفريقية، بما في ذلك أنظمة استبدادية.

رجل يواجه الكاميرا، وخلفه جدار عليه زهور.
كاتب وباحث

رؤوف فرّاح كاتب وباحث وناشط جزائري، يركز عمله على الجغرافيا السياسية لشمال أفريقيا ومنطقة الساحل، والأمن الإنساني، وأشكال التضامن العابر للحدود في أنحاء أفريقيا. وهو يشارك ثريا دادو في تحرير كتاب "النهوض من أجل فلسطين: أفارقة يتضامنون من أجل إنهاء الاستعمار والتحرر"، الصادر في مارس/آذار 2026.

ما الذي يميّز الحالة الفلسطينية عن تجارب النضال المناهض للاستعمار في أفريقيا؟

ما يميّز فلسطين، أولًا، هو أنها لا تزال واحدة من أوضح الأمثلة المعاصرة على مشروع استعماري استيطاني مستمر. فهذه ليست مجرد تجربة استعمارية تاريخية اختفت هياكلها الرسمية؛ بل إن عملية الاستعمار لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا.

وعلى خلاف معظم الدول الأفريقية، لا يزال الفلسطينيون يناضلون من أجل العناصر الأساسية لتفكيك الاستعمار: السيادة، والتحرر من الاحتلال، وحق العودة.

في الوقت نفسه، استفادت الحركة الفلسطينية تاريخيًا من حركات التحرر الأفريقية، مثلما استلهمت الحركات الأفريقية من فلسطين. وطورت منظمة التحرير الفلسطينية وفصائل فلسطينية أخرى علاقات واسعة مع حركات التحرر الأفريقية، بما في ذلك المؤتمر الوطني الأفريقي وجبهة البوليساريو.

تجادل عالِمة الاجتماع إيفا إيلوز بأن الصهيونية تنطوي على أبعاد استعمارية ومناهضة للاستعمار في آنٍ واحد، إذ نشأت كمشروع لتقرير المصير لشعب يهودي بلا دولة. فهل يعني ذلك أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ينطوي على مطلبين متنافسين بحق تقرير المصير؟

لا أصف الصهيونية بأنها حركة مناهضة للاستعمار. فقد نشأت في أوروبا التي اتسمت على مدى قرون بمعاداة السامية واضطهاد اليهود الأوروبيين، وصولًا إلى المحرقة. ويجب الاعتراف بهذه الحقيقة التاريخية اعترافًا لا لُبس فيه، لكن ذلك لا يمنح المشروع السياسي الذي بنتْه الصهيونية لاحقًا في فلسطين طابعًا مناهضًا للاستعمار.

يمكن لشعبٍ يتعرض للاضطهاد أن يسعى بصورة مشروعة إلى الأمان والكرامة والحماية السياسية، من دون أن يؤدي ذلك إلى تجريد شعبٍ آخر من حقوقه أو ممتلكاته. غير أن الصهيونية السياسية تطورت حول إحداث تحول ديموغرافي وإقامة دولة يهودية في أرض كان يسكنها بالفعل شعبٌ آخر.

وهذا يختلف اختلافًا جوهريًا عن حركات التحرر الوطني الأفريقية، التي سعت إلى تفكيك الهيمنة الاستعمارية على الشعوب التي كانت تعيش في أراضيها. أما الصهيونية، في المقابل، فسعت إلى الحصول على رعاية إمبراطورية لإقامة نظام إقليمي وديموغرافي جديد في فلسطين. ويُعدّ غياب موافقة الفلسطينيين عنصرًا أساسيًا في الطابع الاستعماري لهذه العملية.

Remote video URL

Here you can access external content. Click to view.

تناقش إيفا إيلوز - عند الدقيقة 12:44 - ما إذا كان يمكن اعتبار الصهيونية شكلًا من أشكال الاستعمار. وقد نُظمت هذه المناقشة عبر الإنترنت مع مايكل برينر من "معهد العلاقات الخارجية" (ifa) ونُشرت في ديسمبر/كانون الأول 2024. Youtube

غالبًا ما تستند المطالبات الفلسطينية بتقرير المصير إلى مفهومي الأصالة التاريخية للسكان الأصليين ونزع الملكية، لكن الصهيونية تستند أيضًا إلى الروابط التاريخية والأصولية اليهودية بالأرض. فكيف ينبغي لنا أن نقَيّم هذه المطالبات المتنافسة بحق تقرير المصير؟

بالنسبة لي، فإن التمييز الأساسي واضح ومباشر: لا يمكن للارتباط التاريخي أو الديني بإقليم ما، بحد ذاته، أن يُنشئ حقًا مشروعًا في السيادة. ولو كانت مثل هذه المطالبات كافية، لما وُجد حدّ متماسك للمطالبات الإقليمية في أيّ مكان من العالم.

إن القضية الفلسطينية، في جوهرها، ليست مسألة لاهوتية، بل هي قضية استعمار ونزع للملكية وإنهاء للاستعمار. وقد يحمل الارتباط التاريخي أهمية ثقافية عميقة، لكنه لا يمكن أن يبرر سيادة تتحقق من خلال الاستعمار أو الفصل العنصري أو التهجير القسري.

لذلك، فإن السؤال الملائم هو كيف يتحول الارتباط التاريخي إلى مطالبات بالسيادة والسيطرة على سكان موجودين أصلًا في الأرض. فقد امتلك الفلسطينيون روابط اجتماعية واقتصادية وسياسية وإقليمية متواصلة بهذه الأرض؛ ولم يكونوا سكانًا من خارجها يسعون إلى السيادة من خلال تهجير شعب آخر.

المسألة ليست في تحديد أيّ المطالبات التاريخية تضرب بجذورها في الماضي، بل في تحديد مَن تُنتهك حقوقه في الوقت الحاضر.

برزت جنوب أفريقيا بوصفها من أبرز المدافعين عن فلسطين، ومع ذلك، فإنها تحافظ على علاقات تجارية مع إسرائيل. كيف تفسّر هذا التناقض؟

تواصل العديد من الدول الأفريقية دعم حق الفلسطينيين في تقرير المصير على الصعيد الدبلوماسي، بينما تحافظ في الوقت نفسه على علاقات اقتصادية وأمنية وغيرها من العلاقات الثنائية مع إسرائيل. ويعكس ذلك توترًا أوسع بين الالتزام المناهض للاستعمار تجاه فلسطين، المتوارث تاريخيًا، وبين المصالح الوطنية للدول التي أصبحت أكثر براغماتية.

تُعدّ جنوب أفريقيا مثالاً بارزًا يجسّد هذا التناقض؛ إذ تمثل دعواها ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية تدخلاً سياسيًا وقانونيًا هامًا لدعم فلسطين، ومع ذلك، تستمر العلاقات التجارية قائمة.

وهنا تبرز أهمية التمييز بين التضامن الرمزي والتضامن الملموس (المادي). لا شك أن الاعتراف بالحقوق الفلسطينية ودعم القرارات الدولية وإصدار البيانات السياسية له أهمية بالغة، إلا أن التضامن يكتسب دلالة ملموسة وفعّالة عندما تترتب على المبادئ السياسية عواقب تؤثر في العلاقات الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية؛ وهذا هو المنطق الذي تقوم عليه حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS).

لقد سلطت حركة "الجيل زد" (Gen Z) في المغرب الضوء بوضوح على الفجوة القائمة بين الحكومات والمجتمع المدني؛ إذ يرفع المحتجون الأعلام الفلسطينية خلال المظاهرات المناهضة لحكومة أخنوش، رغم كون المغرب طرفًا موقعًا على "اتفاقيات أبراهام". فما الذي يخبرنا به هذا المشهد عن التباين بين الخيارات الدبلوماسية للحكومات الأفريقية وبين الدعم الشعبي للقضية الفلسطينية؟

تكشف الحالة المغربية عن اتساع الفجوة بين دبلوماسية الدولة والوعي السياسي الشعبي؛ فقد أصبح المغرب أحد أقرب حلفاء إسرائيل في القارة الأفريقية منذ توقيع "اتفاقيات أبراهام".

وارتبطت عملية التطبيع تلك ارتباطًا مباشرًا بقضية الصحراء الغربية؛ إذ تزامنت الاتفاقية مع اعتراف الولايات المتحدة بمطالب المغرب بالسيادة على تلك المنطقة. وبهذا المعنى، جرت مساومات جيوسياسية على حساب حقّ الفلسطينيين والصحراويين في تقرير المصير.

وفي الوقت نفسه، ومنذ اندلاع حرب الإبادة الجماعية في غزة، شهد المغرب بعضًا من أكبر المظاهرات وأكثرها استمرارًا دعمًا لفلسطين على مستوى العالم العربي وأفريقيا. ويكتسب التضامن الشعبي مع فلسطين في المغرب أهمية خاصة، لكونه يمثل أيضًا شكلًا من أشكال المقاومة للتغلغل الإسرائيلي المتزايد -سياسيًا وأمنيًا وتكنولوجيًا واقتصاديًا- في القارة الأفريقية.

ويقدّم المغرب مثالاً كاشفًا على هذا الحضور الإسرائيلي؛ فقد تم توثيق استخدام برنامج التجسس "بيغاسوس" (Pegasus)، الذي طورته شركة "إن إس أو" (NSO) الإسرائيلية، لاستهداف مدافعين عن حقوق الإنسان في المغرب والصحراء الغربية، بمن فيهم الناشطة الصحراوية أمينتو حيدر.

وبذلك، تشير الحالة المغربية إلى تناقض أوسع بين الخيارات الدبلوماسية للحكومات الأفريقية والتوجهات السياسية لمجتمعاتها. وإن استمرار هذا التضامن -رغم تعمق العلاقات بين بعض الحكومات الأفريقية وإسرائيل- هو بالضبط ما يضفي أهمية سياسية كبيرة على هذه الفجوة بين الدولة والمجتمع.

قنطرة ©