قرون من صراع المضايق
ارتبط اسم مضيقي هرمز وباب المندب ارتباطًا وثيقًا بالتنافس الجيوسياسي على مدى الأشهر القليلة الماضية منذ اندلاع حرب إيران في فبراير/ شباط؛ فمن يسيطر على هذه الممرات المائية الضيقة يتحكم في تدفق حركة الملاحة البحرية من بحر العرب والبحر الأحمر إلى المحيط الهندي، وما يتبع ذلك من سيطرة على جزء حيوي وبالغ الأهمية من التجارة العالمية.
ومع ذلك، فإن الصراع على هذه المضايق يكاد يكون قديمًا قدم التجارة البحرية الحديثة نفسها، إذ تُعد المواجهة القائمة بين الولايات المتحدة وإيران حول هذه الممرات الاستراتيجية مجرد فصل أحدث في تاريخ يمتد لقرون من محاولات القوى الخارجية (من خارج المنطقة) التأثير على الشرق الأوسط أو الهيمنة عليه عبر البحر.
وتُقدم الصين في عهد أسرة "مينغ" أحد أقدم الأمثلة على سعي قوة خارجية لفرض نفوذها واستعراض قوتها من خلال القدرات البحرية والدبلوماسية. ففي عام 1405، انطلق الأدميرال والمستكشف والدبلوماسي الصيني المسلم "تشنغ خه" في أولى رحلاته السبع عبر المحيط الهندي. وقاد أساطيل ضمّت أكثر من 300 سفينة، ووصل إلى بلدة هرمز قرابة عام 1414، ثم إلى عدن في اليمن، عابرًا مضيق باب المندب نحو البحر الأحمر.
لم تفرض حقبة "السلام الصيني" تلك سيطرتها المباشرة على المضايق، بل أسست لحضور تجاري قوي ارتكز على استعراض القوة البحرية، والبعثات الدبلوماسية، وتبادل الهدايا القيمة. وعلى النقيض من القوى الاستعمارية التي ظهرت لاحقًا، لم يُؤسس "تشنغ خه" مستعمرات في هرمز أو على طول الساحل العربي، بل انخرط في النظام التجاري القائم الذي وضع أسسه تجار المنطقة من العرب والفرس والهنود وسكان شرق أفريقيا.
تُظهر هذه الرحلات أيضًا حدود القوة البحرية التي تتجاوز قدراتها المستدامة، فبعد الحملة الأخيرة التي قادها "تشنغ خه" في ثلاثينيات القرن الخامس عشر، أدى تغير الأولويات في عهد أسرة "مينغ" إلى وضع حد لتلك الرحلات. إذ لم تكن الدولة راغبة في الاستثمار في أسطولها البحري أو تحمل تكاليف صيانته.
واليوم، تستحضر الصين رحلات "تشنغ خه" لإضفاء شرعية تاريخية على العلاقات الصينية-الشرق أوسطية. وتقدم بكين استثماراتها الحديثة في مجالات البنية التحتية والطاقة والموانئ، مثل ميناء "غوادر" في باكستان، باعتبارها إحياءً لعلاقة قديمة وسلمية تمتد جذورها إلى حقبة "طريق الحرير" التاريخية.
غير أنه في القرن السادس عشر، أدى تزايد حركة الشحن العالمية ووصول القوى الاستعمارية الأوروبية إلى تحول سريع نحو مساعٍ أكثر عنفًا وعدوانية للسيطرة على المضائق البحرية.
الهيمنة البحرية البرتغالية
كان البرتغاليون روادًا في الابتكار البحري، إذ أدخلوا شكلًا أكثر قسوة من القوة البحرية يعتمد على استخدام مدافع ثقيلة على متن السفن المخصصة للملاحة في المحيطات. وفي عام 1513، شنّ "أفونسو دي ألبوكيرك" هجومًا على عدن في محاولة للسيطرة على الممر المؤدي إلى البحر الأحمر، لكنه فشل في الاستيلاء على المدينة البريّة المحصنة التي كانت محاطة بتضاريس جبلية وعرة.
وكما أدركت الولايات المتحدة بعد قرون، فإن التفوق البحري لم يكن يُترجم بالضرورة إلى نصر فوري على اليابسة؛ إذ كان بوسع السفن الحربية البرتغالية تدمير السفن وقصف الموانئ، لكن السيطرة على المياه المحيطة بالميناء لم تكن تعادل السيطرة على الأراضي الواقعة خلفه.
ومع ذلك، نجح "ألبوكيرك" في عام 1515 في الاستيلاء على مدينة هرمز، حيث فرض نظام "الكارتاز"، وهو تصريح مدفوع الأجر كان يتعين على التجار الحصول عليه للإبحار عبر الخليج والمحيط الهندي. وفي جوهر الأمر، فإن هذا التنظيم لحركة التجارة يماثل ما تحاول إيران تحقيقه حاليًا من خلال فرض رسوم عبور المضيق.
اتسمت حقبة "السلام البرتغالي" هذه بطابع أكثر عنفاً مقارنةً بسابقتها الصينية؛ ففي عام 1622، تضافرت جهود القوات التابعة للدولة الصفوية الإيرانية وسفن شركة الهند الشرقية الإنجليزية لطرد البرتغاليين من هرمز وفتح المجال أمام حركة التجارة.
الاستيلاء البريطاني والهولندي
تنافست قوى عثمانية وصفوية وعُمانية وهولندية وإنجليزية للسيطرة على المنطقة، عقب طرد البرتغاليين. وقد هيمنت على هذا النظام السفن الأوروبية القوية، إلى جانب الحكام المحليين الذين سيطروا على الموانئ وعلى السلع المتدفقة عبرها.
ودخلت شركة الهند الشرقية الهولندية هذه المياه عام 1614، وبدعم من سفن مدججة بالسلاح، رسخت وجودها في ميناء المخا باليمن.
وبعد طرد البرتغاليين، حصل الهولنديون على امتيازات تجارية عام 1623، ونافسوا التجار البريطانيين في بندر عباس، التي كانت تُعدّ المحطة التجارية الرئيسية في الخليج والمقابلة لهرمز.
وفي حين اشتهر البريطانيون بتجارة الشاي، هيمن الهولنديون على تجارة البن. فبعد أن كانت هذه التجارة حكرًا على التجار المتمركزين في المخا، كسر الهولنديون احتكار اليمن لها من خلال تهريب شتلات بن "أرابيكا" إلى جزيرة جاوة الإندونيسية، حيث تمت زراعتها على نطاق واسع.
وهكذا، أثبت الهولنديون أن موازين القوى البحرية يمكن أن تتغير من خلال السيطرة على الإنتاج والتجارة، وليس بالضرورة عبر المدافع والإكراه.
ومع ذلك، فبمجرد استيلاء البريطانيين على عدن عام 1839، أحكموا قبضتهم على المنطقة؛ إذ أبرموا اتفاقيات مع الحكام والقبائل المجاورة في جنوب اليمن منحتهم سيطرة فعلية على مضيق باب المندب مع بزوغ فجر العصر الصناعي.
وسرعان ما تحولت عدن إلى محطة بحرية لتزويد السفن بالفحم ومركز للاتصالات، حيث ارتبطت بالهند عبر كابلات التلغراف. وعند افتتاح قناة السويس عام 1869، بسطت بريطانيا هيمنتها أيضًا على هذا الممر الاستراتيجي الحيوي، نظرًا لأن البحر الأحمر كان يوفر أقصر طريق بحريّ لمستعمرتها التابعة للتاج البريطاني في الهند.
وقد استندت الهيمنة البريطانية لاحقًا إلى السفن الحربية والموانئ التي تعمل بالطاقة البخارية، فضلاً عن القروض والمعاهدات. وقد دعم وكلاء محليين هذه الهيمنة على امتداد الساحل، من عدن وحتى الكويت.
أكثر من مجرد مضيق
عاد مضيق هرمز إلى صدارة التوترات الجيوسياسية مع الحرب على إيران، لكن الساحل الجنوبي للبلاد يكشف وجهًا آخر، حيث تتلاقى التأثيرات الأفريقية والهندية والعربية في نسيج ثقافي يكسر الصورة النمطية عن إيران بوصفها دولة ثيوقراطية متجانسة.
دروس للولايات المتحدة اليوم
تحول ميزان القوى مرة أخرى بعد الحرب العالمية الثانية؛ إذ حلّت الولايات المتحدة محل المملكة المتحدة معتمدةً على القواعد العسكرية، ومجموعات حاملات الطائرات، ومبيعات الأسلحة مقابل الحصول على نفط الخليج. وفي عام 1980، أعلن الرئيس الأمريكي جيمي كارتر أن أيّ محاولة سوفيتية للسيطرة على الخليج ستُعتبر هجومًا على المصالح الأمريكية وستُواجَه بالقوة العسكرية.
وبعد مرور 45 عامًا، نجد أن الرئيس دونالد ترامب قد فكك فعليًا -وإن كان ذلك ربما عن غير قصد- "مبدأ كارتر". ورغم وجود السفن البحرية الأمريكية حاليًا في مضيق هرمز لحماية حرية الملاحة، إلا أن الحرب التي شنّها ترامب في فبراير/ شباط 2026 هي التي عرضت حركة الملاحة للخطر في المقام الأول، ودفعت إيران إلى عرقلة تجارة الخليج ردًا على ذلك.
والدرس التاريخي المستفاد هو أن الهيمنة البحرية للقوى القادمة من خارج المنطقة، وإن كانت ممكنة، تظلّ مؤقتة وزائلة، شأنها شأن الأمواج التي تحملها. فقد تخلت الصين عن أساطيلها، وفقدت البرتغال سيطرتها على هرمز، وركز الهولنديون اهتمامهم على جاوة، وغادرت بريطانيا عدن. لقد انتقلت الهيمنة عندما أفرطت القوى المهيمنة في توسيع نفوذها، وتغيرت التقنيات، وأعيد تشكيل التحالفات المحلية.
أما إيران والحوثيون -الذين استولوا مؤخرًا على المخا- فلا يحتاجون إلى أساطيل من حاملات الطائرات؛ بل إن صواريخهم وألغامهم وطائراتهم المسيرة تحول تكاليف التأمين البحري إلى سلاح ضاغط. ورغم كل قوتها البحرية، لا تستطيع الولايات المتحدة إلغاء الدور الفاعل للمجتمعات المحلية المحيطة بمضيق هرمز وباب المندب. لقد أدركت كل إمبراطورية سبقت ذلك أن السيطرة على ممر استراتيجي حيوي لا تعني بالضرورة السيطرة على العالم السياسي والإرادة المحيطة به.
أعيد نشر هذا المقال من موقع "ذا كونفرسيشن" بموجب ترخيص المشاع الإبداعي. يمكن قراءة المقال الأصلي من هنا.
ترجمه من الإنجليزية: سارة عرفة
© The Conversation/CC