ألم المنفى وعبء الذاكرة
لا تُعدّ منطقة عين شمس، الواقعة شرق العاصمة المصرية، القاهرة، في فيلم "عائشة لا تستطيع الطيران"، وهو أول فيلم روائي طويل للمخرج المصري مراد مصطفى، مجرد مكان أحداث، بل شخصية بحد ذاتها. هناك، تربى مصطفى حتى سن الثالثة عشرة، وعايش قسوتها وفقرها عن كثب: "عين شمس مكان معقد للغاية"، يقول المخرج المصري في حوار مع قنطرة.
ويضيف: "على مرّ السنين، أصبحت عين شمس موطنًا لعدد متزايد من المهاجرين الأفارقة، ويصطدم هذا المجتمع الجديد بعصابات مصرية محلية. فالتوتر الناتج لا يتعلق بالعنصرية، بل بالسيطرة: من يسيطر على عين شمس؟".
انطلاقًا من هذه التجارب، يضع مصطفى بطلته عائشة "بوليانا سيمون أروب" بين الأطراف المتناحلة، وهي امرأة سودانية فرّت من وطنها بسبب الحرب الأهلية، تعيش وتعمل الآن في القاهرة.، ورغم أن فيلم "عائشة لا تستطيع الطيران" لا يذكر جنسيتها صراحةً، ولا يروي تفاصيل العنف الذي فرّت منه، إلا أن أصولها واضحة.
بقي السودان حاضرًا على الدوام في تفاصيل حياتها؛ يتسلّل إلى مكالماتها الهاتفية مع أهلها، حيث تتكرر الإشارات إلى سيطرة قوات الدعم السريع على مناطق كاملة، ويتجسّد في إحساسٍ عميقٍ وممتدّ بخسارةٍ لا أمل في استرجاعها، وتعيش عائشة بجسدها في مصر، حيث تعمل في مجال رعاية المسنين، لكن ذهنها معلّقًا في مكانٍ بعيد.
لا توفر لها بيئتها الجديدة سوى القليل من الحماية القانونية، ومثل العديد من المهاجرين، تُجبر على العمل غير القانوني، وتُستغل ليس فقط من قِبل صاحب عملها، بل أيضًا من عصابات محلية تسعى للتربح من إمكانية وصولها إلى مختلف المباني، وهناك أيضًا الرجل الذي كُلّفت برعايته، ويعاملها مثل العبيد، أكثر من كونها عاملة تساعده.
كان بحث مصطفى متجذرًا في الواقع: فقد نشأ في عين شمس، وكان على دراية بالحي، وتحدث مطولًا مع النساء المهاجرات أثناء اختيار الممثلين. قاده هذا البحث إلى ما وصفه بـ"مجتمع مظلم" للعمالة غير القانونية، ولا يُضفي الفيلم طابعًا مثيرًا على هذه الشبكات، ولكنه لا يتردد في إظهار وحشيتها أيضًا.
الطائر الذي لا يطير
ما يبدأ كصورة واقعية اجتماعية يتحول تدريجيًا إلى شيء أكثر إثارة للقلق؛ فيلم إثارة مع عناصر من الواقعية السحرية ورعب الجسد. يجد هذا التداخل تعبيره الأكثر وضوحًا في رمزية النعامة المتكررة (مفارقة القوة والضعف أو رفض أو مواجهة الواقع)، وتبدو لقاءات عائشة المتكررة مع طائر بحجمها رمزية ومؤثرة في آن واحد.
ويشرح مصطفى أن صورة الطائر العاجز عن الطيران تعكس حالة عائشة كامرأة سودانية في مصر، تنتمي إلى مجتمع العمال المهاجرين، لكنها تشعر دائما بالغربة عنه.
لطالما انزعج مصطفى من غياب الشخصيات غير المصرية في السينما المصرية، يقول: "لطالما تساءلتُ لماذا تقتصر الأفلام المصرية على المصريين فقط. في فرنسا أو ألمانيا، نرى أفلامًا عن المهاجرين باستمرار. لماذا لا نرى ذلك هنا؟".
فيلم "عائشة لا تستطيع الطيران" ليس محاولته الأولى لمعالجة هذا الغياب، فقد ركزت العديد من أفلامه القصيرة السابقة، مثل "عيسى" و"حنة ورد"، على مجتمعات من خارج مصر، وسمح له هذا الفيلم الروائي الأول بتوسيع اهتماماته إلى شكل أكثر تعقيدًا وتجاوزًا للأنماط السينمائية.
لكن جوهر الفيلم العاطفي نابع من لقاء عابر في الواقع، إذ يتذكر مصطفى، جلوسه في حافلة عامة في القاهرة بجوار شابة كانت غارقة في نوم عميق قبل أن تستيقظ صارخة باكية، "بدأتُ أفكر في كوابيسها، في أحلامها، في حياتها بالقاهرة"، وشكّلت تلك اللحظة عالم عائشة الداخلي، مانحةً الفيلم طابعه التأملي الهادئ، حيث يغلي العنف تحت السطح بدلًا من أن يطغى عليه.
من خلال وضع تجربة امرأة سودانية في صميم فيلمه، يُصرّ مصطفى على ذاتيتها بدلًا من اختزالها إلى مجرد رمز، ويفتح فيلم "عائشة لا تستطيع الطيران" آفاقًا جديدة لعرض القصص السودانية خارج نطاق السينما السودانية، ليس فقط كأزمات بعيدة، بل كحقائق حميمية تتكشف في قلب مدينة كبرى.
ذكريات حقول القطن السودانية
إذا كان فيلم مصطفى يستكشف الحياة السودانية المعاصرة من خلال المنفى والنزوح، فإن سوزانا ميرغني، التي غادرت السودان إلى قطر في سن المراهقة، تُؤسّس فيلمها الروائي الطويل الأول على الذاكرة والأسطورة. فيلم "ملكة القطن"، وهو أول فيلم سوداني روائي طويل من تأليف وإخراج امرأة، مستوحى من ذكريات طفولة ميرغني عن حقول القطن السودانية، ويروي قصة عن العائلة والصدمات النفسية والجندر وإرث الاستعمار البريطاني.
بعيدًا عن قسوة القاهرة وظلالها، تدور أحداث "ملكة القطن" في وضح النهار، بمناظر طبيعية خلابة مُصوّرة بألوان زاهية، ويتمحور الفيلم حول المراهقة نفيسة "مهاد مرتضى"، التي تعمل في جمع القطن بقرية زراعية سودانية، التي تربت على سماع قصص الست التي ترويها جدتها عن مقاومة الإنجليز، وشكّلت هذه القصص فهمها لهويتها، وأصولها، وما هو متوقع منها كامرأة.
عندما يصل رجل الأعمال "نادر" واعدًا بالتغيير من خلال القطن المعدل وراثيًا، تجد نفيسة نفسها متورطة في صراع على السلطة، وتُستخدم كأداة في مفاوضات بين سلطة الست ورؤية نادر، ويُعامل جسدها ومستقبلها كورقة مساومة، فتبدأ بالتمرد على التقاليد، مؤكدةً استقلاليتها.
من خلال التركيز على ثلاثة أجيال من النساء السودانيات، يتناول الفيلم التوقعات الجندرية المتوارثة عبر الطقوس والحكايات وحتى الصمت.
ويستند فيلم "ملكة القطن" إلى فيلم ميرغني القصير "الست" الذي نال استحسان النقاد عام 2020، حيث تتوسع فيه لتستكشف تداعيات الاستعمار البريطاني والاستعمار الجديد المعاصر الذي يهدد بنية القرية التقليدية.
يتناول الفيلم تمكين المرأة وتحررها في سياق صراع الأجيال، فبالنسبة للجدة، تُملي الخرافات ما يُسمح للفتاة فعله وما لا يُسمح، ويتجلى هذا التوتر بوضوح في موضوع متكرر: إصرار الفتيات الصغيرات على حريتهنّ بالذهاب للسباحة في النيل متى شئن.
يضيف تاريخ إنتاج الفيلم بُعدًا آخر. فقد أجبرت الحرب الدائرة في السودان ميرغني على نقل موقع التصوير إلى مصر، وكانت قد بدأت بالفعل في بناء الفيلم من الذاكرة، مصورةً بلدًا ربما لم يعد يطابق ذكرياتها، والنتيجة صورة للسودان من منظورين مختلفين: صورة مُنتقاة عبر الذاكرة ومُصوّرة خارج حدود البلاد.
يكشف فيلما "عائشة لا تستطيع الطيران" و"ملكة القطن"، عند مشاهدتهما معًا، عن نمطين مختلفين من السرد القصصي السوداني؛ أحدهما عن المنفى، والآخر عن الذاكرة، وسواءً أكانت أحداثهما تدور في مصر أم ذلك بفعل الظروف، فإن كلا الفيلمين يُشيران إلى وضع أوسع: فالقصص السودانية تُروى بشكل متزايد من أماكن أخرى، ومشاهدتهما تعني التفاعل ليس فقط مع تاريخ السودان وحاضره، بل أيضًا مع الظروف الهشّة التي تسمح للسينما السودانية وقصص المهاجرين بالوجود والظهور.
قنطرة ©