بديل بنكهة سياسة

A crowded room full of people. On a screen at the front, the words "Palinale" and a logo.
انطلاق باليناله في قبو أركاودا، برلين، 12 فبراير/شباط 2026. (Photo: Palinale / Marie-Alice Morel)

على وقع الجدل المتجدد حول موقف مهرجان برلين السينمائي من القضية الفلسطينية، يعود مهرجان باليناله في دورته الثانية ببرنامج موسّع من الأفلام والمعارض والحوارات الدولية. ينقل شايان رياض انطباعاته من ليلة الافتتاح.

تقرير: شيان رياض

بينما افتتح مهرجان برلين السينمائي الدولي "برليناله"، الخميس الماضي، دورته الحالية بفيلم شهربانو سادات الكوميدي الدرامي "لا رجال صالحون" الذي تدور أحداثه في كابول، كان مهرجان سينمائي آخر، على بُعد أربعة أميال، يُعلن عن نفسه بقوة: مهرجان باليناله.

يُقدّم مهرجان باليناله، الذي يُقام للعام الثاني على التوالي، نفسه كمنصة مستقلة للسينما الفلسطينية وغيرها من وجهات النظر المهمشة، وتُنظّمه مبادرة مقرها برلين، رد فعل على ما يصفه أعضاؤها بالقمع المستمر للأصوات الفلسطينية والعاملين في المجال الثقافي المؤيد للقضية الفلسطينية داخل صناعة السينما الألمانية وخارجها.

تأسست المبادرة نهاية عام 2024، وتمكنت من وضع برنامج الدورة الأولى للمهرجان في فبراير/شباط 2025، بمساعدة متطوعين في معظمهم: مخرجين، ومنسقين، وإعلاميين، ونشطاء، ومنظمين سياسيين. وكان من اللافت أن يُعلن مهرجان عن نفسه في مثل هذه الفترة القصيرة ويسجل حضوره بثقة، رغم تزامنه مع أكبر حدث سينمائي سنوي في العاصمة الألمانية.

هذا العام ليس استثناءً، إذ وسّع باليناله برنامجه بشكل ملحوظ، على صعيد نطاق عروضه ومعارضه وحلقات النقاش. وصرّح مسؤوله الإعلامي لـ "قنطرة"، بأن باليناله "مستقل عن التمويل الحكومي أو تمويل الشركات أو التمويل العسكري". ويعتمد بدرجة كبيرة على التبرعات، "باعتبار العمل الثقافي شكلاً من أشكال الرعاية الجماعية، مع السعي لإزالة الحواجز الاقتصادية التي تعوق المشاركة".

السينما الفلسطينية التأسيسية

يتجلى تباين "باليناله" مع مهرجان برلين السينمائي (برليناله)، بوضوح في اختيار أماكن العرض، فبينما تُقام عروض مهرجان برلين في دور السينما الرئيسية بالمدينة، تُقام فعاليات باليناله في أماكن مجتمعية أصغر وأكثر دفئًا.

انطلقت ليلة الافتتاح في أركاودا بمنطقة نويكولن، بعرض الفيلم الوثائقي "الذاكرة الخصبة" للمخرج ميشيل خليفي (1981)، الذي يتناول قصة امرأتين فلسطينيتين من جيلين مختلفين، تخوضان غمار قضايا الوطن والنسوية.

Here you can access external content. Click to view.

بدا الفيلم اختيارًا مناسبًا للافتتاح بعد أكثر من أربعة عقود على إنتاجه، إذ لاقى صدى لدى الجمهور المتفاعل في قبو أركاودا الممتلئ بالكامل. ومن خلال إعادة تقديم عمل تأسيسي في السينما الفلسطينية، ربط باليناله بين نضالات الماضي والحاضر على الأرض والهوية والفاعلية السياسية.

ومع ذلك، يؤكد المهرجان أن اهتمامه لا ينصب على معاناة الفلسطينيين ونضالهم فحسب، وشدد أحد أعضاء الفريق أثناء تقديمة فيلم "الذاكرة الخصبة"، على أن باليناله مهتم أيضًا بإفساح المجال للفرح الفلسطيني. وعكس البرنامج هذا من خلال فيلم آخر من أفلام خليفي، وهو الفيلم الروائي المتميز لعام 1987 "عرس في الجليل"، الذي يتمحور حول حفل زفاف في قرية فلسطينية، ويصور الحياة الفلسطينية اليومية بطريقة نادرة الظهور على الشاشات الدولية في وقت إصداره.

ومن أبرز الأفلام أيضًا الفيلم الوثائقي "ضايل عنا عرض" (2025)، من إخراج أحمد الدنف ومي سعد، اللذين تواصلا عبر المكالمات الهاتفية بين غزة ومصر، ويتناول تجربة فرقة "سيرك غزة الحرة" ودورها في إدخال لحظات من الفرح والضحك لأطفال غزة.

Here you can access external content. Click to view.

ثقل موازن لمهرجان برليناله

تأسس مهرجان باليناله مدفوعًا برغبة إبراز الأصوات الفلسطينية بالمشهد الثقافي الألماني وإظهار التضامن مع نضالهم. ولم يكن مهرجان برلين السينمائي الدولي، وإن كان ذلك غير مقصود، ليقدّم مثالًا أوضح على الدافع وراء إنشاء باليناله، ففي افتتاح دورة هذا العام الـ76 لمهرجان برلين، وعندما سُئل رئيس لجنة التحكيم، فيم فيندرز، عن "التعاطف الانتقائي" – أي سهولة إظهار التضامن مع إيران أو أوكرانيا مقارنة بغزة - صرّح بأن على صانعي الأفلام "الابتعاد عن السياسة" وأن يكونوا "ثقلًا موازنًا لها".

يعكس هذا التصريح على أهمية مشاريع مثل باليناله، إلا أن العلاقة بين المهرجانين أكثر تعقيدًا من مجرد اختلاف وجهات النظر.

فهذا العام، وكما فعل في دورتيه السابقتين، عرض مهرجان برلين السينمائي، أفلامًا فلسطينية أو أفلامًا عن فلسطين، مثل "وقائع زمن الحصار" و"من قتل أليكس عودة؟". ورغم أن المهرجان لم يتخذ موقفًا صريحًا بشأن الموقف السياسي الألماني من غزة خلال دوراته الثلاث الأخيرة، إلا أنه لم يستبعد أبدًا صناع الأفلام الفلسطينيين من عروضه.

يرى النقاد أن المشكلة لا تكمن في اختيار الأفلام بقدر ما يعتبرونه عزوفًا عن التفاعل الصريح مع السياق السياسي الذي تُعرض فيه هذه الأعمال، خلافًا لما يفعله المهرجان عادةً مع الأفلام الإيرانية والأوكرانية. وتؤكد تعليقات فيندرز هذا النقد، مانحةً منظمي مهرجان باليناله فرصة لإظهار أن مهرجانهم يوفر مساحةً لمثل هذا التفاعل.

Here you can access external content. Click to view.

تبقى مسألة تحوّل مهرجان باليناله إلى حدث دائم رهن السنوات المقبلة، لكنه بالطبع يمثل إضافة قيّمة إلى أجندة برلين الثقافية، الغنية أصلًا بالمهرجانات السينمائية المتخصصة.

من أبرز نقاط قوة باليناله نطاقه الواسع الذي يتجاوز فلسطين؛ إذ يتضمن برنامج دورته الثانية أفلامًا وثائقية عن السودان والعراق، وحلقة نقاش حول جمهورية الكونغو الديمقراطية، وأفلامًا عن نضالات العمال في ظلّ الاستعمار الجديد في البرازيل ولبنان، ونظرة على أوضاع الصحافيين الغزيين في مصر، وغير ذلك.

قد يظل مهرجان برلين السينمائي مركز عالم السينما في فبراير/شباط، لكن باليناله يثبت أن المهرجانات الصغيرة تحمل أهمية سياسية، وتستحق اهتمام الجمهور بالقدر نفسه.

 

ترجمه من الإنجليزية: محمد مجدي

قنطرة ©