ناقد الصوفية الشرس الذي صان روحانيتها

Buchcover mit arabischer Schrift.
غلاف كتاب "تلبيس إبليس". (Photo: private)

في القرن الثاني عشر الميلادي، ألّف العالِم ابن الجوزي كتابه "تلبيس إبليس"، للتحذير مما اعتبره "بدعة" التصوف، غير أنّ الكتاب، مع مرور الزمن، يكشف مفارقة لافتة؛ إذ يبدو من جهة نقدًا صارمًا، ومن جهة أخرى توثيقًا ثريًا ومشوّقًا لتجارب الصوفية وتعاليمهم.

تقرير: عبد الرحمن عفيف

 

 

كان الإمام أبو الفرج عبدالرحمن بن الجوزي، (توفي عام 1197 م)، نجمًا إعلاميًا لامعًا في بغداد خلال العصر العباسي (750-1258م)؛ خطيبًا بارعًا ألهب حماس الجماهير، ومدافعًا لا يكلّ عن  المذهب الحنبلي، كانت أداته الأقوى، وأشهر أعماله كتيبًا ينتقد روح العصر بعنوان: "تلبيس إبليس" (خداع الشيطان).

كان هدفه تطهيرًا فكريًا، إذ أراد فضح ما اعتبره "انحرافات" الصوفية، وتصويرهم كضحايا تلاعب شيطاني. واليوم، يُنشر كتاب "تلبيس إبليس" باللغتين العربية والإنجليزية وعدة لغات أخرى، غالبًا في سياق معياري متأثر جزئيًا بالفكر السلفي، يبرز نية ابن الجوزي الأصلية، ويستخدم كنص تحذيري من "الانحرافات" الصوفية.

في الوقت نفسه، يبرز اتجاه معاكس في الدراسات الإسلامية الأكاديمية وبين المهتمين بالتاريخ الفكري؛ إذ يُقرأ الكتاب بشكل متزايد كمصدر تاريخي أساسي يقدم نظرة ثاقبة على الممارسات واللغة وعلم النفس الصوفي المبكر. من هذا المنظور، يُعدّ كتاب "تلبيس إبليس"، بما يحتويه من تفاصيل جدلية ثرية، أرشيفًا لا غنى عنه للتاريخ الروحي الإسلامي.

موسوعة غير طوعية

ومن المفارقات أن هذا الكتاب نفسه، الذي كان يُقصد به التحذير من الصوفية، يُقرأ الآن وكأنه إشادة شغوفة بعالم التصوف. وبفضل البُعد التاريخي، تحوّل ابن الجوزي إلى جسر يفتح للقارئ نافذة عميقة، شبه حميمة، على البُعد الإنساني للتصوف. 

وفي النقد الأدبي، نميز غالبًا بين نيّة المؤلف والأثر الفعلي لنصه؛ إذ أراد ابن الجوزي فضح "الزنادقة"، ولكن في حماسه لتوثيق كل خطأ من أخطائهم دون ترك ثغرات، عمل بدقة صحفية تكاد تكون حديثة: فقد سجل أقوالهم، ووصف طقوسهم، وأرشف سيرهم الذاتية بأدق تفاصيلها.

والنتيجة؟ بدلاً من مجرد توجيه الاتهامات، رسم صورةً بانوراميةً نابضةً بالحياة، وحفظ جوهر الروحانية لدى خصومه دون قصد، ليُصبح الكتاب أحد أهم المصادر لفهم التصوف لا كعقيدة مجردة، بل كتجربة معيشية، ويتجلى هذا بوضوح في وصفه للزهّاد الأوائل.

زهّاد ذوو إرادة حديدية

لم يستطع ناقدٌ حادّ مثل ابن الجوزي أن يغفل إخلاص الزهّاد الأوائل، أولئك الروّاد الذين مهدوا لظهور التصوف، فهو يصوّر شخصيات أعرضت عن الدنيا بزهدٍ جذري يبعث القشعريرة في نفوس القراء حتى يومنا هذا.

إذ يروي قصة أبي عبد الله المقري الذي ورث ثروة قدرها خمسون ألف دينار، فتصدّق بها كلها على الفقراء، أو قصة عبد الله بنخفيف الذي وبخ خادمه لأنه أحضر له خمس عشرة زبيبة بدلًا من العشر التي طلبها ليفطر بها.

قد يصف ابن الجوزي هذا السلوك بأنه "تقوى مفرطة"، لكنه بالنسبة للقرّاء، يرسم صورة لأشخاص يتمتعون بقوة داخلية لا تُقهر؛ إنها صورة لضبط النفس البطولي الذي يثير الإعجاب لا الاشمئزاز.

يكمن جوهر التصوف في جهاد النفس، أيّ الصراع مع الأنا والذات، ويعرض ابن الجوزي حكايات هذا الصراع الداخلي بوصفها دليلًا على الاضطراب والالتباس، لكنها تُقرأ اليوم كدراسات نفسية آسرة، نابضة بالعمق والتوتر الإنساني.

لنأخذ مثلًا قصة أبي حمزة الصوفي، الذي كاد أن يُجنّ لكبح جماح تعلّقه المحرَّم بشابٍ ما، أو ذاك الزاهد الذي انهمرت دموعه عند رؤية الجمال الإنساني، لأنه كان يبحث فيه عن الخالق. أراد ابن الجوزي أن يفضح "ضلالهم"، لكن ما بقى في النهاية هو شهادة مؤثرة على وعيٍ ذاتيّ عميق، وعلى صراع إنساني درامي.

قوة الاقتباس

لعلّ أكبر مخاطرة يواجهها أيّ ناقد هي أن يقتبس من خصمه حرفيًا، وهذا ما فعله ابن الجوزي تمامًا. فقد عدّ "الشطحات" أي الأقوال الصوفية الوجدانية، الصادرة عن أعلام مثل أبو يزيد البسطامي أو الحلاج تجديفًا، فنقلها ودوّنها بقصد إدانتها.

غير أن كلماتٍ مثل قول البسطامي: "سبحاني، ما أعظم شأني!" تحمل قوةً شعرية طاغية تُلقي بظلالها على أي حكمٍ فقهي أو قضائي، فهي تنقل إحساس الفناء، تلك الحالة من التلاشي التام التي يندمج الفرد مع الإله. وهنا يغدو ابن الجوزي، من حيث لا يدري، قيّمًا على طليعة روحية؛ إذ تتجلّى القوة الأدبية للشعر الصوفي في كثير من الأحيان أشدَّ تأثيرًا من النقد العقائدي الذي يريد أن يؤطره.

بدا ابن الجوزي في نقده مدافعًا لا يلين عن الدين، لكن الأدلة التي جمعها ضد التصوف أصبحت اليوم أثمن ما عُرض فيه. لم يتحول كتاب "تلبيس إبليس" إلى كرة هدم، بل إلى صرحٍ خالد، والتفاصيل التي كانت تهدف إلى الردع باتت اليوم آسرة، والقصص التي كانت تحذر من الخداع تُوقظ شوقًا إلى هذه التجربة الروحية العميقة. أراد ابن الجوزي أن يدفن التصوف، لكنه بدلاً من ذلك شيّد له متحفًا أبديًا.

قنطرة ©