"عالق بين قطبي مغناطيس"

يوقع جان دوست على كتابه، وتقف أمامه امرأة ترتدي الحجاب.
كتب دوست أكثر من 12 رواية باللغتين العربية والكردية، بينها خمس روايات عن الحرب في وطنه. (Photo: Promo | Dar Mayara)

تستكشف رواية "ممرّ آمن" للكاتب السوري الكردي جان دوست، تأثير الحرب الأهلية في سوريا على الأطفال. يتحدث دوست، لقنطرة عن أولى أعماله المترجمة إلى الإنجليزية، وسحر الكتابة باللغتين الكردية والعربية.

الكاتبة ، الكاتب: مارسيا لينكس كويلي

يتأرجح كاميران، الصبي البالغ من العمر ثلاثة عشر عامًا، الذي يحكي رواية "ممر آمن"، بين تصرفاته كرجل بالغ، وبين كونه طفلًا لا حول له ولا قوة. ولا يزال يعاني من مشكلة في التحكم بمثانته، فيسرق حفاضات شقيقته لإخفاء هذا، وينتقل المراهق الكردي وعائلته من مدينة إلى أخرى عام 2018، بحثًا عن "ممر آمن" للفرار من القتال في شمال سوريا. 

ورغم ذلك، ينضج كاميران، بسرعة غير عادية، ليتحول من صبي يتبول على نفسه في الليل، إلى مراهق يقيم علاقة جنسية مع جارته الأرملة بالنهار. 

وخلال رحلته، تبدأ بشرة كاميران بالتغير لتصبح أكثر خشونة وصلابة، كما لو كان يشيخ سنة تلو الأخرى. تتناول هذه القصة مرحلة البلوغ والساعة البيولوجية للصبية التي شوّهتها الحرب: فيبدو أن الزمن يتسابق للأمام والخلف في آن واحد. 

Jan Dost wearing glasses and a bowtie, smiling at someone.
روائي

جان دوست كاتب كردي سوري، وُلد في كوباني، سوريا. عمل صحافيًا ومترجمًا ومحررًا. كما ترجم العديد من الكتب إلى العربية والكردية. يكتب الشعر منذ صغره، وله دواوين شعرية وروايات، بعضها متوفر أيضًا بالفارسية، والإيطالية، والإسبانية، والتركية. في عام 2000، هاجر إلى ألمانيا وحصل لاحقًا على الجنسية الألمانية. 

وقال دوست، عبر البريد الإلكتروني، "إنّ الحروب تزيد من وعينا بالمآسي، ويكبر فيها الأطفال بسرعة، بسبب حساسيتهم المفرطة، حتى وإن كانوا ما زالوا أطفالًا، لكن وعيهم يفوق أعمارهم". 

أعادت الحرب، في العقد الماضي، تشكيل أعمال دوست الأدبية، وتُعد روايته "ممر آمن"، أول أعماله المُترجمة إلى الإنجليزية، وهي واحدة من خمس روايات حديثة له تدور أحداثها حول الحرب في شمال سوريا وجنوب شرق تركيا. ويقول إن العديد من هذه الروايات مستوحاة من تجارب عائلته.

الكتابة بالعربية والكردية

وُلد دوست في كوباني (عين العرب بالعربية)، وهي مدينة تقع في شمال سوريا، ونشأ في عائلة كردية متعددة اللغات، شغوفة بالكتب. 

وكان شقيقه الأكبر قد درس الأدب العربي ونظم الشعر، بينما درس شقيقه الأصغر، الذي كان يكتب الشعر أيضًا، الأدب الإنجليزي. فيما كانت أمه تحفظ القصائد الكردية الكلاسيكية "وتُلقيها عليه دائمًا". 

وطوال مسيرته المهنية، تنقل دوست، بين الكتابة بالعربية والكردية، وكتب أول قصيدة عربية له في العاشرة من عمره، وصدرت له أول "نشرة" في الرابعة عشرة من عمره، عندما أرسل عدة قصائد فكاهية تحت اسم مستعار، إلى برنامج أدبي على إذاعة دمشق. 

بدأ دوست الكتابة باللغة الكردية في العام التالي، وقال إنّ علاقته باللغة الكردية تختلف عن علاقته بالعربية، مضيفًا: "حاربت السلطات اللغة الكردية، وحاصرتها، ولم تسمح لها بالازدهار. كافحنا كثيرًا، وتعرضنا للكثير من المضايقات ومصادرة الكتب، ومع ذلك أصرّرنا على الكتابة باللغة الكردية". 

ويقول دوست: "كتبنا روايات ودواوين شعر بلغتنا الأم دون أن ندرسها في المدرسة أو الجامعة. وهذا ما أسميه أدب الظل". 

ومع ذلك، ورغم التزامه باللغة الكردية، واصل دوست الكتابة بالعربية أيضًا، يقول: "مع هاتين اللغتين، أشعر كقطعة حديد عالقة بين قطبي مغناطيس. لكل منهما قوة جذب هائلة". 

أدب الحرب

انتقل دوست إلى ألمانيا عام 2000، ونشر روايته الأولى "مجابة" بعد أربع سنوات، وتدور أحداث هذه الرواية، التي كُتبت باللغة الكردية، في فترة جمهورية كردستان قصيرة الأمد (يناير/كانون الثاني - ديسمبر/كانون الأول عام 1946). 

ومضى ليكتب أكثر من 12 رواية، باللغتين العربية والكردية. ومنذ عام 2012، انضم إلى كتّاب سوريين آخرين - سمر يزبك، وديمة ونوس، وخالد خليفة، وآخرين - وساهم في كتابة أدب الحرب. 

في عام 2013، نشر دوست، روايته الأولى التي تتناول الحرب الأهلية في البلاد بعنوان "دم على المئذنة"، ومع تفاقم الأوضاع - واستيلاء تنظيم داعش على مسقط رأس دوست - كتب روايته "كوباني"، التي نُشرت باللغة الكردية عام 2017، وباللغة العربية في العام الذي يليه. 

تدور أحداث روايته العربية "إنهم ينتظرون الفجر" الصادرة في 2022، حول تدمير المدن الكردية في تركيا عام 2015، فيما تُوثّق روايتاه المرتبطان "باص أخضر يغادر حلب" و"ممر آمن"، اللتان صدرتا بالعربية عام 2019، أحداث شمال سوريا في السنوات التي سبقت نشرهما. 

أما رواية "باص أخضر يغادر حلب"، وهي مقدمة لرواية "ممر آمن"، حول رجل مسن يبقى وحيدًا بعد أن فرّقت الحرب عائلته، ويقول دوست إنّ "الرواية انتهت، إلا أنّ فصولها واصلت تجليها على الأرض مع تعرّض مدينة عفرين الكردية لهجوم من فصائل عربية مرتبطة بتركيا. كانت مأساةً كبرى. هُجّر السكان، وشهدت المنطقة نزوحًا جماعيًا واسعًا، وقتلًا، وتدميرًا". 

وقال دوست إنه وفي وقت الهجوم على عفرين، كان العديد من الشخصيات التي ظهرت في رواية "باص أخضر يغادر حلب" لا يزالون في المدينة، ولم يستطع تركهم هناك. يقول: "لذلك قررتُ أن الرواية يجب أن تستمر، لتسليط المزيد من الضوء على هذه العائلة السورية - التي هي جزء من عائلتي الحقيقية. ونتيجةً لذلك، خرجت رواية 'ممر آمن' للنور". 

مع بداية الرواية ونهايتها، ينهمر المطر بغزارة، مهددًا بجرف خيمة كاميران المتداعية. يتردد صدى هذا الضعف في الرواية، إذ يحاول كاميران، الغارق في ضغوط الحياة، اجتياز تضاريس وعرة، بينما تهدد قوى خارجية باقتلاع كل شيء من حوله وجرفه بعيدًا في طريقها. 

الحكي من عيون طفل

تبرز أحداث عامي 2017 - 2018 بوضوح من خلال عيون مراهق صغير، وهي أحداث قد يعتاد عليها الشخص البالغ، أو قد يحاول تجاهلها، بينما كاميران يراها بشكل واضح ممزوجًا بالجروح. 

وكان عندما يزور أحد كبار الشخصيات السياسية مخيم اللاجئين الذي تقيم فيه عائلة كاميران، الذي يبدي اهتمامًا بهندمة شواربه الكثيفة ويده المشلولة بقدر اهتمامه بسياساته. وبينما يهتف الناس ويصفقون، يلجأ كاميران إلى عمه الذي يشرح له بيأس: "أكبر مصيبة هي ألا تدرك حجم مصيبتك في الواقع".

قال دوست إن كتابة هذه الرواية من وجهة نظر طفل لم تكن سهلة، "كان اختيار الراوي صبيًا صغيرًا صعبًا. فهو يلعن الحرب بكلمات بذيئة، ويعبّر عن كراهيته للمعارك بلغة طفولية تحمل غضب الأبرياء. كان عليّ تجسيد شخصيته، ولغته، ولعناته". 

سذاجة كاميران تُمكّنه من التساؤل عن أمورٍ مثل السياسة الحزبية ومعنى "الممر الآمن"، كما تُمكّنه من التركيز على مشاهد قد يغفل عنها الكبار، كأكوام الفضلات البشرية على طول طريق النزوح المكتظ باللاجئين. 

جوائز وقرّاء

حتى الآن، لم تحظَ روايات دوست القوية باهتمام دولي يُذكر، وفازت رواية "ممر آمن" بجائزة بيت الغشام دار العرب الأولى في ترجمة مارلين بوث عام 2024، وجزء من الجائزة هو نشرها باللغة الإنجليزية. 

وأُطلقت الترجمة خلال ندوة استمرت يومين في فبراير/شباط احتفاءً بالفائز بالجائزة لعام 2025. وفي دلالة على تزايد شهرته، أُدرجت رواية أخرى له، "السجين الفرنسي"، ضمن القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2025. 

قال دوست إن "الجوائز تلعب دورًا بالغ الأهمية في الترويج لأي رواية. آمل أن أفوز بجائزة مرموقة واحدة على الأقل حتى تتبوأ رواياتي مكانتها اللائقة"، مضيفًا أنه بدون بصمة الجائزة، "يضيع الأدب الجيد فيما يمكن تسميته بفوضى النشر". 

على أي حال، يواصل دوست، الكتابة بحماس باللغتين الكردية والعربية. وقد غيّرت الحرب علاقته باللغة الكردية، كما يقول، "غضبت من لغتي، ومن الأكراد الذين ارتكبوا مجزرة مدينة عامودا السورية عام 2013". لكنه يواصل سرد قصصه باللغتين. 

وقد أرسل دوست، في فبراير/شباط، النسخة الكردية من روايته الأخيرة "الجنرال في معركته الأخيرة" إلى دار نشره في إسطنبول، ومن المقرر نشرها باللغة الكردية خريف هذا العام، وأضاف: "ستنشر دار النهار في لبنان ترجمتها العربية، التي قمتُ بها بنفسي". تعود الرواية إلى بعض الموضوعات التي تناولها في بداياته، حيث تتتبع حياة الجنرال الكردي الملا مصطفى البارزاني (1903-1979)، وستكون متاحة باللغة العربية في ربيع عام 2026.  

ترجمة النص من الإنجليزية: سارة عرفة

 

ممر آمن  

جان دوست 

دار مسكلياني التونسية للنشر 2019 (النسخة العربية)

قنطرة ©