معركة احتواء الأضرار

لافتة طريق تحمل سهمين يشيران إلى وجهي آيزنكوت ونتنياهو، اللذين يظهران على لوحات إعلانية كبيرة في الخلفية.
آيزنكوت ونتنياهو، أبرز المرشحين في انتخابات الكنيست. هنا لافتة دعائية لكليهما في تل أبيب، 18 أكتوبر/تشرين الأول. (Photo: Picture Alliance / AP | O. Balilty)

الإسرائيليون يتوجهون إلى صناديق الاقتراع الأسبوع المقبل، وسط منافسة بين معسكر نتنياهو وتكتل آيزنكوت المعارض. ويرى الصحفي جوناثان شامير أن المعارضة لا تسعى إلى تغيير الواقع القائم، بل إلى تحسين صورة إسرائيل دون إنهاء العنف ضد الفلسطينيين.

رأي: جوناثان شامير

المناقشات

عندما سُئل يائير لابيد، الزعيم الحالي للمعارضة البرلمانية، عن كيفية تحسين صورة إسرائيل دوليًا، قال أمام المجلس الأطلسي، وهو مركز أبحاث في واشنطن: "الخطوة الأولى واضحة: إحالة بنيامين نتنياهو ومجموعته من المتطرفين، الذين يمزقون نسيجنا داخليًا وخارجيًا، إلى التقاعد، وإبلاغ العالم بأن تلك كانت فترة جنونية، لكنها انتهت".

ويعكس تحليل لابيد قناعةً سائدةً لدى قادة أحزاب "كتلة المعارضة الصهيونية" في إسرائيل، مفادها أن تراجع شعبية البلاد دوليًا يعود إلى "إهمال الحكومة وغطرستها وافتقارها للكفاءة"، وليس إلى ممارسات العنف ضد الفلسطينيين، وهي ممارسات وُصفت وخاصة في قطاع غزة، وبشكلٍ وجيه، بأنها ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.

أما غادي آيزنكوت، حليف لابيد والمرشح الأبرز لقيادة حكومة بديلة في انتخابات الأسبوع المقبل، فقد حمّل المسؤولية الأكبر للوزيرين اليمينيين المتطرفين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، قائلًا: "إن تصرفات هذين الوزيرين، إلى جانب حوادث عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، تؤدي إلى فقدان إسرائيل لشرعيتها الدولية"، وأضاف، في كشفٍ واضح عن أولوياته، أنها "تُعرّض مشروع الاستيطان برمته للخطر".

ويتوجه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع في 27 أكتوبر/تشرين الأول، إذ يسعى "تكتل المعارضة الصهيونية"، إلى استبدال ائتلاف نتنياهو اليميني المتطرف، ولكنه لا يقدّم أيّ بديل حقيقي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. ويضمّ التكتل أحزابًا مثل "ياشار" (بقيادة آيزنكوت)، وحزب "ياحاد" (المرتبط بنفتالي بينيت ويائير لابيد)، وحزب "الديمقراطيون" (HaDemokratim) الصهيوني الليبرالي، وحزب "إسرائيل بيتنا" اليميني المتشدد.

وسارعت أحزاب المعارضة إلى إعلان رفضها لإقامة دولة فلسطينية، كبادرة على تشدد مواقفها في ظلّ تحول النقاش العام نحو اليمين. كما تدعم هذه الأحزاب، باستثناء حزب "الديمقراطيون، علنًا استمرار التوسع الاستيطاني، وتتبنى رؤىً مختلفة لضمّ أجزاء من الضفة الغربية المحتلة.

تتجذر العنصرية ضد الفلسطينيين بعمق لدرجة أن هذا التكتل السياسي رفض التعاون مع أيّ من القائمتين العربيتين الفلسطينيتين، بل وسعى لاستبعادهما من العملية الانتخابية. وذلك رغم ما يواجهه من صعوبة في تشكيل أغلبية دون دعم واحدة على الأقل من القائمتين. ما يعني دفع المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، الذين يشكلون نحو خُمس السكان، إلى خارج دائرة المشاركة السياسية (وإن كان هذا الموقف قد يشهد ليونةً ما، بالنظر إلى الحسابات الانتخابية). 

أما على صعيد السياسة الإقليمية، فتُبدي المعارضة براغماتية أكبر تجاه الحلفاء العرب، مثل مصر، وكذلك تجاه سلطة فلسطينية مُجرّدة من فاعليتها، وتسعى للعودة إلى نهج "إدارة الصراع". ويتناقض هذا مع نهج أحزاب الائتلاف الحاكم التي تدفع نحو "الهجرة الطوعية" للفلسطينيين من قطاع غزة، وتسعى لإشعال فتيل صراع واسع في الضفة الغربية تمهيدًا لتنفيذ مشروع مماثل هناك. وعلى مستوى الشرق الأوسط ككل، لا تقلّ المعارضة تطرفًا في طموحاتها؛ فهي تروج لأوهام تغيير النظام في إيران، وتصرّ على احتفاظ إسرائيل بحرية العمل العسكري في جميع أنحاء لبنان.

وبالتالي، فإن ما تطرحه المعارضة يتراوح بين محاولات أكثر تهذيبًا في مجال الدبلوماسية العامة، وبين إجراء تعديلات هامشية على السياسة الإسرائيلية، تهدف في جوهرها إلى الحفاظ على حالة الإفلات من العقاب التي مكّنت نظامًا قائمًا على التدمير والهيمنة.

تشويه إعلامي وإخفاقات في العلاقات العامة

يخاطب برنامج المعارضة رغبةً عميقة لدى الجمهور الإسرائيلي في تجاهل معاناة الفلسطينيين ويعززها في ذات الوقت. فمنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، دأبت وسائل الإعلام الإسرائيلية، التي تفتقر إلى الاستقلالية، على استحضار صدمة الهجوم الذي قادته حركة حماس بشكل شبه يومي، واختارت التركيز على رفع "الروح المعنوية الوطنية"، متجاهلةً بذلك واجبها الأساسي في نقل تبعات العمليات العسكرية للجيش في قطاع غزة ومسائلتها.

وقد سلّط يوفال أبراهام، مخرج فيلم وثائقي تناول عمليات القتل الجماعي التي ترتكبها إسرائيل في غزة، الضوء على هذا التناقض في مقابلة نادرة مع إحدى وسائل الإعلام الإسرائيلية، إذ أشار إلى أنه على مدى السنوات الثلاث الماضية، لم تتضمن التقارير الاستقصائية الإسرائيلية "ولو مادة واحدة تتناول سياسة إطلاق النار التي يتبعها الجيش في غزة، أو سياسة التعامل مع الأضرار الجانبية، أو تحقق بعمق في الأذى الذي يلحق بحياة الفلسطينيين الأبرياء".

لقد ساهم هذا النمط من استهلاك وسائل الإعلام في تشكيل واقع موازٍ ومعكوس للجمهور الإسرائيلي. ففي هذا الواقع، يمكن وصف فيلم وثائقي يتضمن شهادات لـ 24 ضابطًا في الجيش الإسرائيلي حول عمليات القتل الجماعي للفلسطينيين بأنه "تشويه لسمعة جنودنا الشرفاء"، على حدّ تعبير آيزنكوت، أو "افتراء دموي"، كما وصفه رئيس الأركان الحالي، أو حتى مقارنته بـ"عشرات الصواريخ الباليستية"، وفقًا لنتنياهو.

في المقابل، يُشاد بالمسلسل الدرامي الخيالي "فوضى" (Fauda)، الذي يستند إلى أحداث هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول، باعتباره عملاً يمتلك "الشجاعة لقول الحقيقة في عالم مليء بالأكاذيب ومعاداة السامية والجهل".

وعندما تظهر أدلة دامغة وضغوط دولية، كما حدث حين أطلق جنود إسرائيليون النار على 15 مسعفًا فلسطينيًا في رفح في مارس/ آذار 2025، تقوم وسائل الإعلام بتصوير عمليات الإعدام الفعلية على أنها مجرد "ضرر بصورة إسرائيل".

هكذا تتحول الحقائق إلى خيال، ويتحول الخيال إلى حقائق، وتُصوَّر الانتقادات على أنها حرب، بينما تُختزل أعمال الإبادة الجماعية في كونها "إخفاقًا في العلاقات العامة".

إسرائيل تفشل في السيطرة على السردية

خلافًا لما تراه المعارضة، أثبت سلوك إسرائيل أن المشكلة لا تكمن في "صياغة الرسالة"، بل في "انكشاف الحقيقة". فقد بذلت إسرائيل جهودًا غير مسبوقة للتحكم في تدفق المعلومات من قطاع غزة؛ إذ منعت الصحفيين الدوليين من الدخول، وبعد صدور شهادات تدينها من مراقبين دوليين آخرين من أطباء وعمال إغاثة، فرضت قيودًا أكثر صرامة وتعسفًا لمنع الوصول إلى القطاع.

لم يجد الفلسطينيون أمامهم خيارًا سوى تولي مهمة بث وقائع الإبادة الجماعية مباشرة، معرّضين حياتهم لمخاطر جسيمة، في حين عمدت إسرائيل إلى تشويه سمعة الصحفيين لتبرير قتلهم. وقد قتلت إسرائيل عددًا من الصحفيين يفوق ما سجلته أيّ دولة أخرى منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

باءت هذه الجهود للسيطرة على السردية بالفشل الذريع، وهو ما يتجلى في الارتفاع الحاد في معدلات عدم الرضا بين الشعوب الغربية، وإن لم يظهر ذلك بعد في أوساط نخبها السياسية. في المقابل، لجأت إسرائيل وجماعات الضغط التابعة لها في الولايات المتحدة وأوروبا إلى ممارسة ضغوط مناهضة للديمقراطية بشكل متزايد، في محاولة للحفاظ على ما تبقى من دعم لها.

وبات هذا جليًا في تصريح لنتنياهو؛ إذ قال إن على إسرائيل "الاستثمار بكثافة في... عمليات التأثير عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي"، وهو بالضبط ما فعله؛ فقد أنفقت إسرائيل مبلغًا قياسيًا بلغ مليار دولار على "الدبلوماسية العامة" منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

تضمنت هذه الجهود، وفقًا للتقارير، إبرام عقد بقيمة 46.5 مليون دولار مع شركة العلاقات العامة "كلوك تاور إكس" (Clock Tower X) لتوجيه كيفية حديث برمجيات الذكاء الاصطناعي (روبوتات الدردشة) عن إسرائيل، بالإضافة إلى ممارسة ضغوط على عمالقة وسائل التواصل الاجتماعي لتقييد المحتوى الداعم لفلسطين، فضلاً عن قيام مليارديرات مؤيدين لإسرائيل بشراء منصات تواصل اجتماعي ومؤسسات إعلامية.

لكن، ما دامت آراء الجمهور والخبراء لا تترجم بشكل كامل إلى سياسات حكومية في الغرب، فإن المكاسب التي تحققت بشق الأنفس في مجال المساءلة تظلّ عرضة للتراجع. وكما يشير عبد الجواد عمر بذكاء فقد كسب الفلسطينيون النقاش في كل المحافل تقريبًا، ومع ذلك لم يتغير شيء يُذكر. فالمشكلة لا تكمن في نقص الحقائق أو حتى في غياب التعاطف، بل في "شكل خاص من أشكال الإنكار"؛ ذلك أن "القبول الحقيقي لما يحدث في فلسطين يتطلب الاعتراف بأن النظام الدولي ليس سوى وهم، وأن الرخاء الغربي لا يزال مرتبطًا بممارسات وحشية وانتقائية تفتقر إلى الإنسانية".

هل نعود إلى وضع قائم يتسم بالإفلات من العقاب؟

إذا فازت المعارضة في انتخابات الأسبوع المقبل، فإن استعدادها المحتمل للحدّ من مظاهر التحريض العلني والقسوة الشديدين ينبع من رغبتها في تلميع صورة إسرائيل، وليس التعاطف مع الفلسطينيين. ومع ذلك، قد يؤدي فوزها إلى تخفيف حدة الظروف القاسية التي يعاني منها الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة. فخلافًا لنهج التشدد الذي يتبعه ائتلاف نتنياهو ذو النزعة "المسيانية" (الخلاصية)، فإن اهتمام المعارضة بصورة إسرائيل قد يمنح الحكومات الغربية، على الأقل، بعض أوراق الضغط. لكن ما إذا كانت الحكومات الغربية ستختار استخدام أوراق الضغط هذه، فذلك أمر آخر. 

ورغم عدم فهم المعارضة للأسباب الحقيقية وراء تراجع شعبية إسرائيل دوليًا، إلا أن جانبًا كبيرًا من رؤيتها يستند إلى الإشارات التي تبعث بها الحكومات الغربية. فلم تكن عمليات القتل الجماعي والدمار في غزة هي ما دفع الحكومات الغربية لاتخاذ إجراءات، بل كان ذلك بسبب التصريحات العلنية التي تدين أصحابها وتكشف عن نزعة سادية لدى وزراء مثل بن غفير، الذي بات محورًا رئيسًا في معركة العلاقات العامة.

فقد أدى بث بن غفير لمشاهد إساءة معاملة نشطاء من أسطول أوروبي إلى فرض فرنسا حظر سفر عليه، كما أن دعواته الصريحة لرفع حصيلة القتلى في غزة استدعت توبيخًا من المستشار الألماني. ومن خلال هذه الإجراءات الرمزية إلى حد كبير، يتضح أن أكثر ما يسعى السياسيون الغربيون إلى الحفاظ عليه هو وهم عودة الأمور إلى طبيعتها، أي إيجاد ذريعة لغضّ الطرف عما يحدث. أما الخطوات الأكثر تأثيرًا، مثل الحظر الذي قادته المملكة المتحدة على التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية، فقد تُشكل تحولًا حقيقيًا، لكن ذلك مرهون بترسيخ هذه الإجراءات وتوسيع نطاقها.

وفي حين يواجه نتنياهو مذكرة اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ويُعتبر شخصًا غير مرغوب فيه في أجزاء واسعة من أوروبا، يحظى آيزنكوت، الذي انضم إلى مجلس الحرب الإسرائيلي خلال الأشهر الأولى والأكثر وحشية من الهجوم على غزة، بتغطية إعلامية غربية متعاطفة. وبالمثل، يمكن ليائير لابيد أن يعتلي منصة في أحد مراكز الفكر الليبرالية في واشنطن، ويدافع عن السلوك العسكري الإسرائيلي، ليجد ترحيبًا حارًا.

وهكذا؛ فإن استبدال صورة الإبادة الجماعية القائمة على الانتقام، بنموذج "الفصل العنصري الليبرالي المهذب"، الذي تروج له المعارضة الإسرائيلية، لا يزال خيارًا قابلاً للتسويق.

 

ترجمه من الإنجليزية: سارة عرفة

قنطرة ©