مراكز البيانات الخليجية في مرمى الهجمات
المناقشات
بنت دول الخليج اقتصاداتها القائمة على الذكاء الاصطناعي في ظلّ أوقات السلم، لكن الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، خلقت واقعًا مختلفًا؛ إذ باتت مراكز البيانات، ومناطق الحوسبة السحابية، وروابط الأقمار الصناعية، ومسارات الكابلات تقع على مقربة من قواعد عسكرية نشطة ومواقع استراتيجية للطاقة.
تُستخدم هذه المرافق في دعم قطاعات حيوية مثل المصارف والمستشفيات والخدمات الحكومية، كما قد تُستخدم في مهام حسّاسة تتعلق بأمن الدولة، مثل معالجة البيانات الأمنية أو تخزين السجلات الحكومية السرية. وحين يخدم مرفقٌ ما كلا القطاعين المدني والأمني، يصبح تحديد طبيعته أمرًا معقدًا، وتتجاوز تداعيات أيّ عُطل فيه حدود ساحة المعركة.
ولم يعد هذا التحذير مجرد فرضية نظرية، فقد أشارت وسائل إعلام إيرانية إلى أن الأصول المرتبطة بالملياردير الأمريكي إيلون ماسك قد تصبح أهدافًا عسكرية، كما دعا معلّق إيراني آخر إلى استهداف البنية التحتية لشركة "سبيس إكس" في حال تعرضت البنية التحتية الإيرانية لهجوم. وقد اكتسبت هذه التهديدات زخمًا أكبر عقب تضرر مركز الحوسبة في جامعة "شريف" للتكنولوجيا في طهران.
وادعى الحرس الثوري الإيراني، في 21 يوليو/ تموز الماضي، أنه استهدف بنية تحتية تابعة لشركة "أمازون لخدمات الويب" في البحرين، واصفًا إياها بأنها جزء من شبكة استخبارات أمريكية. ورغم أن هذا الوصف يظلّ مجرد ادعاء إيراني، إلا أن التحول الأوسع بات جليًا؛ إذ بدأ الحديث عن البنية التحتية للحوسبة التجارية بلغة عسكرية.
ونشرت وكالة أنباء تسنيم، شبه الرسمية والمقربة من الحرس الثوري الإيراني، قائمة تحدد مكاتب وبنى تحتية تابعة لشركات تكنولوجيا أمريكية، مثل جوجل ومايكروسوفت وإنفيديا، بوصفها أهدافًا محتملة. ومؤخرًا، حذر محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، من أن إيران سوف تستهدف الكابلات الإقليمية ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي في حال تجدد القتال العنيف.
جبهة استراتيجية
قد يبدو نظام الذكاء الاصطناعي كيانًا غير ملموس على الشاشة، لكن ركيزته المادية تتسم بالثقل والهشاشة في آن واحد؛ فمراكز البيانات تتطلب إمدادات كهرباء مستمرة، وأنظمة تبريد، واتصالات عبر الألياف الضوئية، وقدرات أقمار صناعية، وكوادر صيانة متخصصة.
هذه المرافق في دول الخليج باهظة التكلفة، وتتركز في مواقع محدودة، كما أن استبدالها يستغرق وقتًا طويلًا. ويمكن لضربة واحدة أن تعطل الموقع بالكامل دون الحاجة لتدمير خوادمه؛ إذ يكفي إلحاق الضرر بمحطة فرعية، أو نظام تبريد، أو مسار للألياف الضوئية. كما تعتبر الكابلات البحرية نقطة ضعف إضافية؛ فهي تنقل أكثر من 99% من حركة البيانات الدولية، وقد تستغرق عمليات إصلاحها أسابيع.
واستثمرت دول الخليج، ولا سيما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، مبالغ طائلة في هذه التقنيات بهدف دفع عجلة عمليات التحول الرقمي. وتُبشّر شراكاتها مع شركات التكنولوجيا الأمريكية الرائدة بتحقيق النمو وإتاحة قدرات حاسوبية نادرة. ويُشكّل هذا التمركز الجغرافي، الذي يُسهم في خفض التكاليف من خلال البنية التحتية المشتركة للطاقة ووصلات الألياف الضوئية وخدمات الصيانة في الظروف العادية، أن يصبح ضمن قائمة مختصرة من الأهداف القيّمة خلال الحرب.
وتشير تقارير حديثة إلى أن الإمارات العربية المتحدة تعيد النظر بالفعل في إنشاء مجمع ضخم للذكاء الاصطناعي، مُفضّلة مرافق مُوزّعة وأكثر أمانًا، وذلك بعد أن ألحقت الهجمات الإيرانية أضرارًا بمراكز البيانات الإقليمية. وتمثّل هذه التطورات مرحلة جديدة في تخطيط الذكاء الاصطناعي؛ إذ بدأت هندسة الأمن تُؤثّر في بُنى الحوسبة.
هل تتجه دول الخليج إلى تنسيق استراتيجي أوسع؟
تعاني دول الخليج العربي من الهجمات الإيرانية، وتواجه تهديدًا لنموذج أعمالها الاقتصادي والاستثماري. مع ذلك، فهي ليست عاجزة عن الدفاع عن نفسها، بل بإمكانها أن تُرسّخ مكانتها كقوى مؤثرة في تشكيل مستقبل المنطقة، وهذا يتطلب التنسيق والوحدة
لدى إيران أسباب عملية تدفعها إلى ممارسة الضغط على هذه الشبكة. فهي لا تستطيع مجاراة الولايات المتحدة في التكنولوجيا أو القوة الجوية، لكنها قادرة على تهديد الثقة التي تعتمد عليها الاستثمارات الرقمية الضخمة. فحتى الاضطرابات المحدودة يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين، وتأخير أعمال البناء، ودفع العملاء إلى نقل أعباء العمل إلى جهات أخرى. وقد بدأت الأسواق المالية بالفعل في احتساب هذه المخاطر ضمن تقييماتها. وتحظى الشركات المرتبطة بإيلون ماسك باهتمام خاص، لأن الاتصالات عبر الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي وتقنيات الاتصال ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالعمليات العسكرية الحديثة. ولا يقتصر الأمر على ملياردير واحد.
عندما يتعرض مركز بيانات للهجوم، تصبح المسؤولية قضية محورية. قد يضمّ مركز بيانات خليجي أرضًا وكهرباء محلية، ورقائق وبرامج أمريكية، وقد يكون مملوكًا للقطاع الخاص، وعملاء حكوميين، ومستخدمين في عدة دول؛ فإذا تعرض للهجوم، فمن سيدافع عنه؟ أيّ دولة تقرر ما إذا كان الحدث حربًا أم تخريبًا أم خسارة تجارية؟ من يتحمل التكلفة عندما تفقد البنوك والمستشفيات والشركات الصغيرة الوصول إلى خدماتها؟ صُممت عقود الحوسبة السحابية وبوالص التأمين لتغطية حالات انقطاع الخدمة والجرائم الإلكترونية. أما الضربة الصاروخية فتخلق نزاعًا مختلفًا.
يزيد تداخل الملكية وتعدد الجهات المرتبطة من تعقيد معادلة الردع. فاستهداف قاعدة أمريكية يحمل رسالة سياسية واضحة، في حين تتيح الهجمات الإلكترونية السرية، أو إتلاف الكابلات، أو تنفيذ هجمات عبر وكلاء، هامشًا أوسع لإنكار المسؤولية. وبهذه الوسائل، تستطيع إيران رفع تكاليف المواجهة دون الدخول في صدام مباشر مع القوات الأمريكية. وفي المقابل، تجد واشنطن وحكومات الخليج نفسها تحت ضغط متزايد للرد، حتى قبل التحقق الكامل من الجهة المسؤولة، وطبيعة الملكية، ومدى الاستخدام العسكري للبنية التحتية المستهدفة. وقد يكبح هذا التأخير التصعيد، ولكنه قد يُشجع أيضًا على شنّ هجوم آخر.
ويمثل الضرر الذي يلحق بالمدنيين الخطر الأكبر؛ إذ تدعم مرافق الذكاء الاصطناعي أنظمة الدفع والنقل والرعاية الصحية والإدارة العامة. ولا يُلغي الاستخدام العسكري هذه الروابط المدنية، الأمر الذي يفرض على المُهاجم التحقق مما إذا كان الموقع المعني يُعدّ هدفًا عسكريًا مشروعًا، وما إذا كان الضرر المُتوقع على المدنيين مُفرطًا.
لذلك، يتعين على الحكومات والشركات وضع حدود أكثر وضوحًا بين الأنشطة الدفاعية الحساسة والخدمات العامة الأساسية. فبينما قد يُسهم الحفاظ على سرية قائمة العملاء في حماية المصالح التجارية خلال أوقات السلم، فإنه قد يثير الشكوك حول طبيعة المنشأة بأكملها في أوقات الحرب.
ما هي متطلبات القدرة على الصمود؟
ينبغي على حكومات الخليج التعامل مع مراكز البيانات باعتبارها بنية تحتية حيوية معرضة لخطر الحرب. ويتطلب ذلك إنشاء مرافق أصغر حجمًا وأكثر انتشارًا، وتوفير مصادر طاقة احتياطية وأنظمة تبريد، وخطوط كابلات متعددة، ونسخ احتياطية غير متصلة بالإنترنت، وإجراء تدريبات دورية لاختبار كفاءة أنظمة استعادة البيانات.
وتعتمد خدمات أمازون ويب في تنظيم بنيتها التحتية السحابية على مجموعات منفصلة من مراكز البيانات تُعرف باسم "مناطق التوفر". ومن شأن أيّ نزاع إقليمي أن يختبر مدى كفاية المسافات الفاصلة بين هذه المناطق لضمان استمرارية الخدمات، فضلًا عن قدرة العملاء على نقل بياناتهم إلى مواقع بديلة في حال إغلاق الحدود أو فرض الحكومات قيودًا على حركة البيانات.
تحتاج الحكومات أيضًا إلى قواعد واضحة للمرافق التي تخدم المستخدمين المدنيين والعسكريين في الوقت نفسه، ويجب فصل أحمال العمل الدفاعية الحساسة عن الأحمال التي تستخدمها البنوك والمستشفيات وشبكات النقل والهيئات العامة. ويجب على شركات التكنولوجيا توضيح الجهة المسؤولة عن حماية المواقع المملوكة للقطاع الخاص، واستعادة الخدمات المتضررة، وتعويض العملاء بعد أي هجوم. إذ لا يمكن تأجيل هذه القرارات حتى سقوط أول صاروخ.
ويجب على الولايات المتحدة وإسرائيل وشركائهما الإقليميين، ولا سيما دول الخليج، الامتناع عن مواصلة استهداف البنية التحتية الإيرانية، بما يشمل مرافق المياه والكهرباء والطاقة والأنظمة الرقمية العامة. فمثل هذه الهجمات قد تمنح طهران مبررًا لتصنيف منشآت مماثلة في أنحاء الخليج باعتبارها أهدافًا مشروعة، مما يُهدد الحماية التي يتمتع بها عادةً المدنيون والمنشآت المدنية بموجب القانون الدولي الإنساني، ويزيد من صعوبة التزام جميع الأطراف بضبط النفس ومنع اتساع نطاق التصعيد.
وستتوقف قدرة دول الخليج على تحقيق طموحاتها في مجال الذكاء الاصطناعي، في نهاية المطاف، على مدى قدرة خدماتها الأساسية على الصمود أمام الاضطرابات الكبرى. فالتوسع في إنشاء مراكز بيانات ضخمة لن يكون ذا جدوى حقيقية إذا كان هجوم واحد كفيلًا بتعطيل الخدمات المصرفية والصحية والحكومية في عدة دول.
ينبغي أن تتصدر الجهود الرامية إلى منع تحوّل البنية التحتية الحاسوبية المدنية إلى ساحة جديدة للصراع أولويات المنطقة في المرحلة الراهنة. فبالرغم من إمكانية إعادة بناء المنشآت المتضررة، فإن استعادة الثقة في منطقة الخليج بوصفها بيئة آمنة للتكنولوجيا والاستثمار ستتطلب وقتًا أطول بكثير.
ترجمته من الإنجليزية: سارة عرفة
قنطرة ©