واقع يستدعي السيريالية
يتتبع المخرج مراد مصطفى في فيلم "عائشة لا تستطيع الطيران"، قصة ممرضة سودانية تعمل في حيّ عين شمس بالقاهرة، وفي لحظات هادئة، وخاصة في الليل، ترى عائشة نعامة، ثابتة ومهيبة، مثيرة للقلق وشاعرية في آن واحد، تقف أمامها؛ صورة محيرة في السينما المصرية، لكنها لم تعد حالة معزولة.
لطالما التزمت السينما العربية بالواقعية الاجتماعية، مركزةً على الحياة اليومية للناس العاديين: كفاحهم من أجل البقاء، وتمرد النساء على النظام الأبوي، وعواقب الفساد والإسلام السياسي والهجرة القسرية بسبب الفقر، لكن في الآونة الأخيرة، انتشرت صور سريالية وسط هذه القصص الواقعية: تعبير عن خيال نشأ في أدب أمريكا اللاتينية، ويُطلق عليه اسم "الواقعية السحرية".
يبدو أن الخيال يمثل موجة جديدة تجتاح العالم العربي: ففي الفيلم التونسي "أغورا" للمخرج علاء الدين سليم، الحائز على جائزة الفهد الأخضر في لوكارنو عام 2024، يظهر أشخاص يُعتقد أنهم ضائعون في البحر فجأة بعد عاصفة رملية ويحاولون مواصلة حياتهم السابقة بسلاسة.
أما فيلم "معطر بالنعناع" للمخرج محمد حمدي، وهو إنتاج مصري عُرض لأول مرة في مهرجان البندقية عام 2024، فإنه يصوّر شابًا في عيادة الطبيب ينبت النعناع من جسده. فيما ينسى إمام مسنّ ومُعالج روحاني مشهور تعاويذ طرد الأرواح الشريرة التي تُساعد المُصابين بالمسّ، في فيلم "رقية"، الذي قدمه المخرج الجزائري يانيس كوسيم في مهرجان البندقية عام 2025.
الخيال ورعب الجسد
يأتي صعود الفانتازيا في السينما العربية المستقلة مع نجاح أفلام "رعب الجسد" في السينما الغربية المستقلة، حيث تتكاثر الأجساد بشكل لا يمكن السيطرة عليه، وتُستبدل الأدمغة. وتُعدّ أفلام جوليا دوكورنو "تيتان" (2021)، و"أشياء مسكينة" (2023)، و"المادة" (2024) أمثلة بارزة على ذلك.
يُظهر الجانب الفانتازي في السينما العربية كيف يتبنى صُنّاع الأفلام في المنطقة الاتجاهات العالمية ويساهمون بفعالية في تشكيلها، ومن خلال رؤيتهم، يُسهمون في "السينما العالمية": رؤى يُمكن تحقيقها بطريقة جذابة بصريًا باستخدام تقنيات رقمية فعّالة من حيث التكلفة وصناديق الإنتاج المشترك، كما تلعب منصات البث دورًا هامًا في هذا الصدد، إذ تُتيح مشاركة أوسع وتبادلًا متبادلًا بين الثقافات السردية العالمية.
في الوقت نفسه، تبقى هذه المشاركة العالمية خاضعة لسيطرة إقليمية، وهو موضوع تناولته الأفلام المذكورة آنفًا، إذ تتناول صورها شيئًا لم يُفصح عنه من قبل، لأنه لا يمكن التعبير عنه بلغة السينما "العادية"، ويتحدى التعريف الواضح. كما أن هناك رقابة تفرض قيودًا صارمة، تمنع التطرّق إلى بعض الموضوعات الحساسة أو المحرّمة في ظل أنظمة استبدادية قمعية.
يتوقف نمو النعناع من الجسم عند تدخين الحشيش، في فيلم "معطر بالنعناع"، لما له من تأثير مخدر، وبالتالي قمعي. وعليه، يكثر تدخين الحشيش في الفيلم، لذا، قد يرمز نمو النعناع غير المرغوب فيه إلى الأفكار النقدية، والذكريات المؤلمة، والرغبات والآمال المكبوتة التي لم يكن لها مكان في مصر خلال عهد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
"الصدمة سوف تصفعك على وجهك"
يوسع يانيس كوسيم نطاق السرد في فيلم "رُقية" ليغطي عدة عقود من التاريخ الجزائري: في المستوى السردي الأول؛ عام 1993، يعود أحمد، رب أسرة، إلى منزله بعد حادثة ورأسه ملفوف بضمادة، وبسبب فقدانه لملامحه، لا يتذكر شيئًا؛ وفي الليل، تظهر له أشكال غريبة، تصدر أصواتًا غير مفهومة.
أما على المستوى السردي الثاني، تدور أحداث الفيلم في الوقت الحاضر، حيث يدخل الإمام المسن الذي كان معروفًا سابقًا بقدرته على طرد الأرواح الشريرة إلى القصة، لكنه يصاب بالخرف ويصبح عاجزًا عن طرد الشياطين، فتحدث جرائم مروعة نتيجة لذلك.
يشير الفيلم إلى مواضيع التذكر والنسيان، والهوس وطرد الأرواح، وهي تعكس تاريخ العنف في الجزائر؛ إذ شهدت البلاد خلال التسعينيات حربًا أهلية مروعة أسفرت عن عشرات الآلاف من القتلى، ولا تزال الصدمات النفسية غير المعالجة كامنة في اللاوعي حتى اليوم.
يقول المخرج كوسيم: "إذا لم تعالج الصدمة، فلن تختفي، مع مرور الوقت، ستطفو على السطح وتصدمك"، إذ تجد المشاعر المكبوتة طريقها إلى الحاضر، ويمكن للسينما والفن أن يساعدا في التعبير عنها.
كما يتضح في فيلم "رقية" أن أشباح وشياطين الماضي والحاضر مرتبطة ببعضها البعض من خلال حقيقة أن كلا الرجلين، الأب المصاب وطارد الأرواح الشريرة، يفتقدان إصبعًا.
لكن كوسيم يعود إلى ما هو أبعد من الحرب الأهلية، ويرى صلات بتاريخ الجزائر الاستعماري: "إذا قمت بوضع خريطة لجرائم الاستعمار الفرنسي فوق خريطة للمجازر التي وقعت في التسعينيات، فإن المواقع تتطابق. هذا أمر لا يصدق".
الجمود السياسي، والعرقلة الفردية
أما في فيلم "عائشة لا تستطيع الطيران"، وهو فيلم مصري تدور أحداثه حول نعامة، تمتزج الإشارات الاجتماعية الملموسة مع التأثيرات الأسطورية وعناصر "رعب الجسد"، أي الاغتراب عن الجسد، وعندما تعبث عائشة بورم قبيح ومنتفخ على بطنها، يظهر شيء يشبه الريش.
كونها امرأة سوداء ولاجئة، تعاني عائشة من الاستغلال والعنصرية وجرائم المخدرات، وقد صوّر الفيلم هذه المعاناة بواقعية مدهشة، وفي الوقت نفسه، أظهر الفيلم إرادتها القوية على البقاء، إذ تنمو داخلها طاقات ومشاعر متضاربة، دوافع قوية، وإحباطات، وغضب، وتحتاج جميعها إلى متنفس للتعبير عنها.
قد يُجسّد هذا الأمر خير تجسيدٍ صورة النعام، وهو حيوانٌ عاجزٌ عن الكلام، طائرٌ أبكم لا يستطيع الطيران. ويمكن عقد مقارنات بين حالة عائشة الفردية المُعيقة والجمود السياسي في مصر.
فيما يروي فيلم "ريش" للمخرج عمر الزهيري، الذي صدر عام 2021، قصة رجل يتحول إلى دجاجة، ويختفي في دوامة البيروقراطية المصرية، وهنا، يبدو الفرد مجهول الهوية تمامًا كالدجاج المحتجز في مزارع الإنتاج المكثف.
السريالية من إسرائيل وفلسطين
يستحضر الصراع في الشرق الأوسط بتاريخه المستمر وسياسات احتلاله العبثية، بدوره صورًا سريالية، إذ يروي فيلم "بيت في القدس" (2023) للمخرج مؤيد عليان قصة أب وابنته اللذين هاجرا من لندن إلى القدس، وفي منزلهما القديم الذي اشترياه حديثًا، تظهر فتاة فلسطينية تُدعى رشا للابنة.
إن الإشارات إلى النكبة واضحة؛ فقد قام المخرج عليان وشقيقه رامي موسى، اللذان ساهما في كتابة السيناريو، بإدراج قصة طرد عائلتهما، بعد اضطرارها إلى مغادرة حي عيمك رفائيم في القدس عام 1948، الذي يمكن ترجمة اسمه إلى "وادي الأرواح".
فيما يروي الفيلم القصير "المفتاح" (2023) للمخرج ركان مياسي قصة مخيفة مماثلة عن عائلة إسرائيلية تسمع أصواتًا غريبة بعد انتقالها إلى منزل جديد: أشباح الملّاك الفلسطينيين السابقين.
لطالما وُضعت ثلاث محظورات رئيسية أمام السينما العربية: الجنس، والدين، والسياسة. ويمكن إضافة محظور آخر: الذاكرة، أي التوفيق بين التاريخ والتاريخ الحديث. ويتناول المخرجون المستقلون هذا المحظور حاليًا، باحثين عن أساليبهم التعبيرية الخاصة، التي تتأرجح بين العناصر التقليدية والرموز العالمية. إنه تطور مثير للاهتمام!
قنطرة ©