نهاية وبداية جديدة في آن واحد
"لا مزيد من إراقة الدماء". عبارة أيقظت الجميع ودفعت الأطراف في نهاية المطاف إلى التراجع، بعد ثلاثة أسابيع من التصعيد في شمال شرق سوريا، شهدت اشتباكات عسكرية، وانتهاكات لحقوق الإنسان، ونزوح عشرات الآلاف من المدنيين. ومع تعثر المفاوضات، وفشل اتفاقات وقف إطلاق النار، وتصاعد خطاب الكراهية، أعلن الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي التوصل إلى اتفاق جديد.
يمثل اتفاق 30 يناير/كانون الثاني عمليًا نهاية الحكم الذاتي الكردي واستعادة سيادة الدولة المركزية على شمال شرق البلاد، مع الإبقاء على الهياكل المحلية ودمجها بدلاً من تفكيكها.
استبق الشرع الاتفاق، بإصدار مرسوم خاص يضمن المساواة القانونية والثقافية للأكراد السوريين، بما في ذلك الاعتراف باللغة الكردية كلغةً وطنية، غير أنه من وجهة النظر الكردية، ينبغي تضمينها بالدستور أيضًا.
علاوة على ذلك، يضع الاتفاق الجديد إطارًا عمليًا لدمج الإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة السورية، ويتضمن بنودًا أولية تراعي مصالح الجانبين. وقد جرى التوصل للاتفاق بضغط أمريكي وبدعم من فرنسا وإقليم كردستان العراق، على أن تضطلع هذه الأطراف بضمان ومراقبة تنفيذه، وبتواجد ميداني مباشر، وفقًا لتقدير قوات سوريا الديمقراطية.
بعد مضي أكثر من عام على سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، تخطو سوريا الجديدة خطوة هامة نحو استعادة اللُحمة الوطنية بعد أن كان ثلث أراضي البلاد، أي شمال شرقها الغني بالموارد، الذي يضم احتياطيات من النفط والغاز ومساحات زراعية شاسعة، خاضعًا لسيطرة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا (AANES) ذات الأغلبية الكردية، وكانت تحت حماية قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وشرطتها (الأسايش).
والآن، يجري دمج القوات العسكرية والإدارة المدنية في الحكومة المركزية السورية، إذ ستدخل قوات سوريا الديمقراطية الجيش ضمن أربع ألوية (ثلاثة في الحسكة وواحد في حلب) تتبع وزارة الدفاع، فيما تخضع الأسايش لسيطرة وزارة الداخلية.
كما ستتولى دمشق إدارة المعابر الحدودية مع العراق وتركيا، مطار القامشلي، وحقول النفط والغاز، وسيحتفظ الموظفون المحليون بوظائفهم، على أن تدفع دمشق رواتبهم من الآن فصاعدًا؛ بهدف توحيد الإدارة بدلاً من وجود هياكل متوازية.
أخطاء استراتيجية
ما عجزت عنه شهور من من المفاوضات، فرضه الشرع بالقوة العسكرية، إذ أخطأت قوات سوريا الديمقراطية في حساباتها، وتجاهلت التحولات السياسية في موزاين القوى، وارتكبت أخطاء استراتيجية، ما استنزف صبر الأطراف الأخرى. ولم تعد الحكومة الانتقالية مستعدة للتخلي عن ثلث البلاد، فهي تحتاج موارده لإعادة الإعمار، كما تحتاج وحدة القرار واحتكار السلاح لتثبيت سلطتها.
علاوة على ذلك، لم تعد الولايات المتحدة تميل إلى تقديم دعم مفتوح لسوريا بقدر ما تسعى إلى ترتيبات وصفقات، وقد اختارت الشرع شريكًا أساسيًا لها، لا سيما بعد انضمامه إلى التحالف الدولي ضد تنظيم داعش. وبذلك تراجع الدور السياسي لقسد في الحسابات الأمريكية، وبقيت شريكًا عسكريًا لا حليفًا سياسيًا.
كان جزء كبير من السكان العرب في شمال شرق سوريا يتطلع إلى الانضمام سريعًا إلى الحكومة الجديدة بعد سقوط الأسد، لكن قسد واجهت إعلانات الولاء هذه بالقمع، الأمر الذي جعلهم أشبه بالمحتلين في نظر سكان الرقة ودير الزور، وهذا يفسر سبب انشقاق عناصر قوات سوريا الديمقراطية العرب، وجرأة بعض العشائر على الاحتجاج مع تقدم قوات الحكومة الانتقالية إلى الشمال الشرقي.
الكردية كلغة حياة
بعد أن كان يخجل من هويته وهو طفلا، صمّم اللّغوي والمترجم مروان شيخو، على خلق واقع مختلف لطفليه، مفتتحا بدايته في عالم النشر بثلاثة كتب ثنائية اللغة للأطفال. في هذه الحوار يتحدث شيخو لقنطرة عن بدايته ورحلته وأحلامه.
على وقع هذا الضغط الهائل، ومع وجود مقاتلي الشرع الإسلاميين على أعتاب المنطقة، ودون دعم أمريكي، ونفور العديد من السكان المحليين، رضخ مظلوم عبدي في نهاية المطاف، وقبل تسوية أتاحت على الأقل تسليمًا منضبطًا يحفظ ماء الوجه في المناطق الكردية الكبرى بالحسكة والقامشلي وكوباني، من دون مواجهات واسعة.
وبينما احتفى كثير من العرب بهذا التطور باعتباره نهاية "احتلال حزب العمال الكردستاني" وإعادة توحيد البلاد مع دمشق، ينظر سكان الشمال الشرقي الأكراد إلى المستقبل بقلق؛ فهم يخشون نظامًا عربيًا سنيًا مركزيًا قد يكون أسوأ من حكم البعث السابق، لأن الشرع يدمج شكلًا من أشكال الإسلام السياسي مع القومية العربية.
فهل يمكن أن يندمج ما فُرض توحيده؟ أم أن ما يُراد جمعه اليوم غير منسجم أصلًا مع طبيعة الدولة الجديدة؟
وعد لم يتحقق
أيّ اندماج حقيقي يتطلب الاعتراف باختلاف وجهات النظر على أرض الواقع. إن تصوير شمال شرق سوريا بأكمله كنموذج ديمقراطي يحمل اسم كردي "روج آفا" يتجاهل ما روجته الإدارة الذاتية (AANES) نفسها في: أنها ليست مشروعًا كرديًا، بل إدارة لجميع السكان. كما أن "روج آفا" (كردستان الغربية) جغرافيًا لا تشمل سوى المناطق السكنية التاريخية للأكراد في عفرين وكوباني والجزيرة.
كما أن الإدارة الذاتية، التي يهيمن عليها حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، كانت قد أبرمت اتفاقًا مع نظام الأسد خلال الحرب، قمعت بموجبه الاحتجاجات واضطهدت المعارضين السياسيين. بالنسبة لأكراد المعارضة، كانت الإدارة الذاتية نظامًا أحادي الحزب؛ أما أولئك الذين تعرّضوا لهجمات بالبراميل المتفجرة والصواريخ وغاز الكلور في مناطق أخرى من سوريا، فقد اعتبروا اتفاق عدم الاعتداء الذي أبرمه حزب الاتحاد الديمقراطي مع الأسد خيانة؛ وبالنسبة لسكان محافظة الحسكة، فقد جنّبهم ذلك المعاناة والدمار.
كان حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) يطمح إلى تطبيق "الكونفدرالية الديمقراطية" في شمال شرق سوريا، وهو نظامٌ صاغه عبد الله أوجلان أثناء سجنه في تركيا، الذي يقوم على التعايش المتكافئ بين جميع الفئات الاجتماعية داخل الدول القومية القائمة في تركيا والعراق وإيران وسوريا. وكان مؤسس حزب العمال الكردستاني قد تخلى عن فكرة قيام دولة كردية قبل عشرين عامًا؛ ولم يسعَ حزب الاتحاد الديمقراطي ولا قوات سوريا الديمقراطية إلى الانفصال بشمال شرق سوريا.
من إرهابي إلى صانع سلام
أعلن حزب العمال الكردستاني، الأسبوع الماضي، وقف إطلاق النار مع تركيا استجابة لدعوة زعيمه المسجون عبد الله أوجلان إلى نزع السلاح. فهل ينجح أوجلان هذه المرة في إنهاء الصراع الذي بدأه قبل 47 عامًا؟
منحت الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا (AANES) هامش حرية أكبر للمجتمع المدني والإعلام مقارنةً بمناطق سورية أخرى، لكنها ارتكبت أيضًا انتهاكات عديدة، منها تجنيد قاصرين، واعتقال معارضين وتعذيبهم، واحتجاز غير قانوني لشباب.
علاوة على ذلك، أخفقت الإدارة الذاتية في الوفاء بوعدها بالمشاركة الديمقراطية الشعبية؛ فمع وجود هياكل لامركزية، بقي القرار النهائي بيد كوادر حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD). ولذلك، بدت الإدارة الذاتية بالنسبة للسكان العرب حكمًا أجنبيًا فُرض عليهم، حتى وإن قبلوه في البداية كأهون الشرور مقارنةً بحكم الأسد وداعش.
أما كثير من الأكراد فاعتبروها حكومة أمر واقع ليست مثالية؛ لأنها كانت استبدادية وفاسدة، لكنها سمحت لهم بإظهار هويتهم الكردية، وتحولت الكرمانجية من لهجة تُتحدث في الأماكن الخاصة إلى لغة التعليم، تُدرَّس في المدارس وتُستخدم في المكاتب الحكومية - وهو إنجاز كبير لشعب بلا دولة.
في الوقت نفسه، أُهمل تدريس العربية في المدارس الكردية، مما ترك العديد من الشباب في القامشلي يفتقرون إلى المهارات العربية الكافية للدراسة في حلب أو اللاذقية أو دمشق. وفي هذه الجزئية، ستلعب قضية التعليم وازدواجية اللغة دورًا حاسمًا في المفاوضات المستقبلية.
كما أن للمشهد بُعدًا تاريخيًا ودوليًا: فقد لعبت قسد دورًا رئيسيًا، بدعم أمريكي، في هزيمة داعش ميدانيًا، وتولت حراسة عشرات آلاف المقاتلين وعائلاتهم منذ 2019. ويُعدّ التخلي عنها الآن، مرة أخرى، بمثابة خيانة للأكراد في جميع أنحاء العالم، وهو ما يفسر موجة الاحتجاجات العابرة للحدود خلال الأسابيع الأخيرة.
لا ثقة في الشرع
في نهاية المطاف، يبقى نجاح دمج شمال شرق سوريا مرهونًا بتحسّن الحياة اليومية للسكان، واستقرار الأسعار، وتوفر الكهرباء، وانتظام دفع الرواتب. فمعظم موظفي القطاع العام والمعلمين ورجال الشرطة سيحرصون على الاحتفاظ بوظائفهم، بصرف النظر عن الجهة التي تصرف أجورهم.
كما يجب أن تستفيد المنطقة وسكانها من الاستثمارات في النفط والزراعة، لا أن تحتكرها نخبة في دمشق كما كان الحال في عهد الأسد، وأن تُحاسب الانتهاكات دون تحميل جماعات كاملة المسؤولية.
حصل الشرع على ما أراده في شمال شرق سوريا: السيادة والمؤسسات والموارد، دون الموافقة على نظام دولة لا مركزي. لكن الأكراد فقدوا ثقتهم بقواته بعد المجازر الطائفية والعرقية التي وقعت العام الماضي.
لذا، يجب على الشرع الوفاء بوعده وإثبات أن الأكراد متساوون حقًا وآمنون في سوريا الجديدة. فالوحدة لا تُفرض بقرار إداري، بل تنمو بالثقة والعدالة، لهذا سيراقب الدروز في السويداء والعلويون في الساحل عن كثب ما ستؤوال إليه الأوضاع في الشمال الشرقي.
ترجمه من الألمانية: محمد مجدي
قنطرة ©