نساء يتأرجحن بين الخوف والتمرد في مجتمع درزيّ
افتتحت الأديبة اللبنانية حنين الصايغ، دربها الإبداعيّ بغواية الشعر، بإصدار دواوين ثلاثة، "فليكن" (2016)، "روح قديمة" (2018)، و"منارات لتضليل الوقت" (2021)، ومنها انعطفت إلى حقل الرواية بخطىً مرصوفةٍ بدقّة الصائغ، معجونةٍ بشاعريةٍ لا تتجاوز ارتهانها لخدمة المعنى.
اجتذبت روايتها الأولى "ميثاق النساء" (دار الآداب اللبنانية 2023)، الأنظار في بلاد الضاد، وكذلك بنسختها المترجمة إلى الألمانية، إلى أن وصلت القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية 2025. وصدرت روايتها الثانية "ثمرة النار" أواخر العام المنقضي، كروايةٍ متصلة، تُكمل فيها ما بدأته في "ميثاق النساء" من رصدٍ لأحوال المرأة الدرزية وقضاياها في ريفٍ لبنانيٍّ قصيّ، مانحةً صوتها لنساء تُغلق على مجتمعهن أسيجة الفقر والمنعزل العقائدي والجغرافي، والسلطة الدينية والأبوية.
"ثمرة النار" رواية، الأناة، المهل، والتأمل. أربعة أجيال من النساء، يتنقّل سرد "ثمرة النار" بينهنّ في ذهابٍ وإياب، منذ أربعينات القرن العشرين إلى يومنا الحاضر، بقلقهنّ وهواجسهنّ وتململهنّ، وأساليب إدارتهنّ لهذا الخوف. عبرهنّ، تمضي الكاتبة في نسج معاني الحياة والموت، والحب والألم. ليس الألم بمعناه الفيزيولوجي الجسدي، بل ذاك الصغير الكامن، المتخفّي خلف انفعالاتٍ ومكابداتٍ غير مرئيّة، اسمها: الخوف الذي يؤثث أركانه منذ الطفولة، خوفٌ من الأهل والحاضنة المحيطة، ثم من الجماعة إن ناداه الإبداع للطيران خارج سربها، وخوفه من فقد الذات إن لم يفعل، وليس انتهاءً بالخوف من فقد الأهل بفعل الموت.
"جرثومة" الخوف
تشبّه الصايغ، هذا الخوف بـ"جرثومةٍ متحوّرة، لا يمكن التخلص منها إلا بقتل كلّ ما تقتات عليه". رحلةٌ قد تستغرق العمر كله، من غير وعود أكيدةٍ بالنجاة، حتى عندما يهاجر بنات وأبناء هذا الريف اللبناني إلى مدن مثل بيروت ودبي وبرلين وفلوريدا وملبورن، حيث يمتد مسرح الرواية، يحملون مخاوفهم على ظهورهم، ولا يفلحون في رميها عند أعتابها.
"مهيبة"، ممثّلة الجيل الأول، امرأةٌ مسكونةٌ بالخوف، يُخرس فيها مشاعر الحبّ وحتى الرحمة، فتحرِم كبرى بناتها من الزواج وتجربة الأمومة، وتفرط في توبيخ وتأنيب ابنتها الوسطى حتى تُفسد عليها حياتها.
تنجو "نبيلة"، الصغرى ورّبانة "ثمرة النار"، إلى حدٍّ بعيدٍ من استلاب أمها. لم تكمل نبيلة تعليمها الابتدائي، ولم تغادر قريتها يومًا. داهمها حبٌّ (مستحيل) لشابٍّ من خارج طائفتها، فلجأت إلى تدوين مشاعرها على دفتر، وسيقت إلى الزواج برجلٍ آخر، لا تعرفه، وأنجبت منه بناتها وظلّت تداوي نفسها بصناعة الخُبز لتعيل أسرتها، وصنع عالمها السريّ.
من رحلة الأرغفة، بدأت نبيلة تدرك ببطء أنّ "مقاومة المشاعر السيئة هي الطريقة المثلى لتعزيزها". درّبت نفسها على إخفاء الحبّ القديم، كما دفن حبيبها "مهنّد" مشاعره بالصمت وامتهن صناعة الفحم، ليُضمر جماره على أهبة الاشتعال بصمت، بلا دخان، تمامًا.
استبسال امرأة
عايشت نبيلة هذا الردم البطيء والعميق الذي يغطّي شروخ حياتها مع زوجٍ مشغولٍ بنفسه ورضى رجال الدين عن سلوكه، لكنها لن تستسلم. تدرك أنه ليس بوسعها وحدها اختراع حلولٍ جذرية، فتثابر على توسيع حدود عالمها الداخلي إلى ما يتجاوز منطق الأنثى الضحية. تخترع حيلاً ذكية تُبقي حياتها سائرةً باختلالٍ أقلّ. تُحاور رجل الدين. تُطلّ عبر الراديو باسمٍ مستعار لتقدّم برنامجًا عن الطبخ. تقتحم عالم "فيسبوك" لتنفذ إلى عقل زوجها باسم عاشقة الظلّ، وأخيرًا "تصبح قادرةً على الغفران حين لم تعد تريد منه شيئًا".
تُجسّد الصايغ شخصية نبيلة كتمثالٍ منحوتٍ خارج الصورة النمطية لامرأةٍ صابرة على مظالمها بصمت. شهدت نبيلة انكسار النساء حولها تحت وطأة الخوف أو سطوة السلطة، وظلّت تتمسّك، باستبسال، بجوهرها الإنسانيّ؛ بالعطاء بلا ادِّعاء، والغفران بلا بطولة مصطنعة، لكنّ هذا التمثال، على جماله، لا يخلو من واقعية قاسية، تظهر عليه الشقوق وآثار التعب، ويظلّ يقاوم إغراء التقديس المفسد لسرديات الأمومة بوصفها ملحمةً خاليةً من الندوب والشكوك.
تمضي "أمل بو نمر"، صغرى بنات نبيلة، أبعد من خطط أمها التكتيكية. تحدّت تقاليد مجتمعها حتى أنجزت ثورتها الناعمة بإكمال تعليمها حتى التخرّج بشهادة الأدب الإنجليزي في الجامعة الأمريكية في بيروت، ودفعت ثمنها بالطلاق حين حال الزوج بينها وبينه. إلى جانب عملها معيدة في الجامعة نفسها، بدأت مشروعها التنويريّ بإعداد تقرير وثائقي مصوّر ليُبثّ على شاشةٍ فضائية. يضيء التقرير على شخصياتٍ درزية مبدعة، رجالٌ ونساءٌ عاقبهم المجتمع بالنبذ أو الإبعاد جرّاء كسرهم لطوق الطاعة: الفنان التشكيلي مكرم، لارتدائه تيشيرتات ملونة وحبه للرقص وإظهاره ميولاً جنسية مختلفة، والخال ذوقان، رجل الأعمال الناجح، لزواجه من خارج الطائفة.
شهوة السلطة
في ثمرة النار، لا تقارب الصايغ العقيدة الدرزية من باب التشريع والشعائر، بل من سلوك بعض رجال الدين، وتقدم نموذجين متخيّلين منهما: الشيخ الروحاني أبوطاهر، الزاهد العازف عن المال والسلطة، وخليفته الشيخ ريدان الذي يتخذ من الدين أداة للسيطرة على كل كبيرة وصغيرة في القرية، في إشارة واضحة إلى أن المشكلة لا تكمن في النصوص بقدر ما تكمن في شهوة السلطة التي يقع بعض الرجال في إغوائها ويساهمون في عزلة وعناء المؤمنين، بينما تتبعهم باقي الجموع طائعةً، ثم متطوّعةً لتخوين كل متمرّد، تنبذه في حياته ولا تترحم عليه بعد مماته.
لا تبدو أمل منحازةً لطرفٍ أو لآخر بقدر ما هي مشغولة بطرح الأسئلة: لماذا يُفرض على الإنسان الرضوخ لأحد خيارين، إما كسب ذاته بالاحترام أو خسرانها لصالح رضى مجتمعه عنه؟ فكما من حقّ المحافظين أن يكسبوا طمأنينتهم بإغماض العيون واتّباع الجموع، فمن حق المتمردين أيضًا أن يقولوا كلمتهم من دون خوف.
"ثمرة النار" لحنين الصايغ
دار الآداب 2025
374 صفحة
قنطرة ©