سوزي الأردنية و"الدولة الأخلاقية"

في مطلع أغسطس/آب الجاري، سيتعين على "مريم إبراهيم"، 18 عامًا، والتي ستُعرف لاحقًا بأكثر الأسماء شهرة على منصات التواصل الاجتماعي المصرية والعربية باسم "سوزي الأردنية"، أن تُخالف عرفها السائد ونمطها المعهود وتخرج في بث مباشر على منصة تيك توك مدته لا تزيد على عشر دقائق، بوجه شاحب، وعينين مذعورتين، ويدين مرتعشتين، وصوت متثاقل بدا صادمًا وأقرب إلى صوت من يطلب النجاة من الغرق بالنسبة لمتابعيها.
حذِّرت مما سمّته هي نفسها محاولة جعلها كبش فداء لبعض المتربحين بطرق غير أخلاقية عبر منصات التفاعل الاجتماعي، إذ قالت: "أنا بنت مش ولد عشان أتحبس، وأمي موظفة وأبويا موظف، مش متخيلين منظري ومنظر أهلي وهما شايفين بنتهم محبوسة في قضايا ممكن تمس سمعتي وتدمر مستقبلي".
لم تَمضِ سوى بضع ساعات على ذلك البث، حتى داهمت دورية مسلحة بيتها واقتادتها، إلى حيث عليها أن تبقى إلى تلك اللحظة، من أجل إخضاعها لتحقيق قانوني حول أسباب ثرائها المادي المفاجئ وصعودها الاجتماعي الغريب، رفقة سوء طالع آخرين فيما سيُعرّف لاحقًا –وسيظل راسخًا في البديهية الشعبية ربما إلى أبد الآبدين– بـ"حملة ملاحقة صانعي المحتوى الرقمي عبر تيك توك".
قبل خمس سنوات من ذلك التاريخ، حسن الذكر بالنسبة للبعض وسيئ لآخرين، عانت المؤثرتان حنين حسام ومودة الأدهم، من اللحظة نفسها، وربما بسبب الفكرة نفسها، إذ جرى اقتيادهما ليلًا من قبل قوة مسلحة داهمت بيتهما، حيث يجرى سجنهما لاحقًا بتهم عدة، أبرزها الاتجار بالبشر وتحريض الفتيات على ممارسة الدعارة غير المباشرة بهدف التربح المالي بالنسبة للأولى، وتقديم محتوى فاحش أخلاقيًا وخادش للأعراف الاجتماعية والمساهمة في إفساد الفطرة الإنسانية بالنسبة للثانية.
بعد ذلك بعامين، لم يسلم حتى صانعو المحتوى الكوميدي من الملاحقة، حين أُوقف خمسة شباب بسبب فيديو ساخر يحاكي معاناة زيارة سجين بأحد السجون المصرية. بينما تظل واقعة الراقصة المصرية الإيطالية سهيلة حجاج والمعروفة بـ"ليندا مارتينو" هي الأكثر شهرة، حين قبض عليها في مطار القاهرة، يونيو/حزيران الماضي، بالتهم نفسها تقريبًا.
الأخلاق كأداة لإخضاع المجتمع
ربما تختلف الوجوه، والأماكن، والأزمنة، والمضامين القانونية، والحيثيات اللغوية، لكن الخيط ينسل من البكرة نفسها: اتهامات مرنة، وملاحقات تسببها إدانات جماهيرية غيورة بتطرف على ما تسميه تشويه أخلاقنا الوطنية، وكاميرا هاتف صغيرة قادرة على فتح باب كبير لإحدى بوابات الجحيم: جحيم أن تكون مرئيًا، وربما ثريًا، دون أن يأذن لك الآخرون بذلك.
على امتداد التاريخ الإنساني، وعبر حقب متلاحقة، سعت الأنظمة السياسية، خاصة الحكومات "الستراتوقراطية"، إلى إيجاد سردية تُشرعِن بها وجودها في الفضاء الاجتماعي وتسمح لها بالتدخل للسيطرة على التراتبية الطبقية بالمجتمع. من هنا، يمكن فهم كتاب جمهورية أفلاطون، حول المدينة الفاضلة السقراطية، كأول محاولة لشرح تلك التراتيبية، والتي تكون فيه الدولة فوق رؤوس الجميع تراقب موضع كل فرد والمكان الذي يجب أن يكون فيه.
منذ ذلك الحين، لم تتوقف سلسلة آداب "اليوتوبيا"، التي وإن بدت تنظيرات سياسية أو أدبية، لم تكن سوى بطانة لمفهوم أشد وقعًا وأكثر كثافة: "الدولة الأخلاقية". فيوتوبيا توماس مور لم تكن هي نفسها يوتوبيا كارل ماركس، لكن جوهرها واحد: خلق رادار سلطوي يراقب التفاعلات بين شرائح المجتمع، وضبط موقع كل فرد وما لا يجب أن يكون.

من يحمي نساء إيران من وحشية "شرطة الأخلاق"؟
الأمم المتحدة تعرب عن قلقها إثر قمع السلطات الإيرانية للمظاهرات الاحتجاجية على وفاة الشابة الإيرانية مهسا أميني، وواشنطن تفرض عقوبات على "شرطة الأخلاق"، بينما اتهم الرئيس الإيراني رئيسي الغرب بـ"الكيل بمكيالين"، وأكد إجراء تحقيق بالحادثة.
في العالم العربي، ومصر خصوصًا، لجأت الأنظمة –أصولية كانت أم معتدلة– إلى صياغة أخلاق رسمية جديدة، أقل ارتباطًا بالسياسة وأكثر ميلًا اجتماعيًا حادًا، فألبست الأخلاق ثوب الدين والقانون والتقاليد. لم تعد هنا الأخلاق مجرد قواعد سلوك، بل أدوات سلطوية لإخضاع المجتمع: من الرقابة على الإعلام والمحتوى الرقمي، إلى مراقبة العادات الفردية، وصولًا إلى تحويل الطاعة والخضوع إلى فضيلة وطنية. يُقاس الولاء بالامتثال، وتُرسم الحدود بين الحرية والحرام، وبين ممارسة الحقوق ومخالفة الفضيلة.
حين يُعاقب النجاح الهش
سوزي الأردنية، الاسم المستعار الذي اختارته مريم تعبيرًا عن حلم أسرتها بالانتقال إلى الأردن كما فعل أعمامها، برزت بارتجالاتها الشوارعية المقفّاة وحضورها الهش أمام الكاميرا. مثل حنين حسام ومودة الأدهم وغيرهن من المؤثرات، صعدن بقدراتهن الخاصة إلى قمة اجتماعية غير متوقعة، وانتقلن من طبقة إلى أخرى في سنوات معدودة، ليجدن أنفسهن اليوم متهمات بالاعتداء على "قيم ومبادئ الأسرة المصرية"، وهي تهمة مثيرة للجدل قانونيًا منذ إقرارها عام 2018 في قانون جرائم تقنية المعلومات.
لم تكن سوزي مجرد ضحية لسلطة الدولة، بل لسلطة المجتمع أيضًا، الذي يرى في صعودها الفُجائي انعكاسًا لعجزه، ونجاحها الشخصي طعنة في كرامته الجمعية. فتجد من يتساءل: من أين جاءت هذه الفتاة التي لم تتلقَّ تعليمًا جديرًا بالاحترام، ولا تمتلك حتى لكنة تسمح لها بالتَّصنُّع كفتاة من "إيجيبت" (المصطلح الذي اشتهر مؤخرًا لطبقة الأثرياء)، ما الذي أعطاها الحق في أن تتخطى سلالم الصعود الطبقي البطيئة والمذلة بتلك السرعة؟
ذلك الغضب الاجتماعي الممزوج بالغيرة الطبقية كان الوجه الشعبي للأخلاق الرسمية التي تبنّتها الدولة، حتى إن نقابة المهن التمثيلية حذّرت أعضائها من التعامل معها في أي عمل فني، فيما بدا وكأنه استجابة لرغبات المجتمع والدولة. بدا المشهد كأن سلطة الدولة تحاصر الجسد، وسلطة المجتمع تحاصر الروح، فيما تقف سوزي في المنتصف، هشّة لكنها كاشفة، ضعيفة لكنها مُحرجة لنظام كامل من الأخلاق المزيفة.
التغطية على الفساد والقمع
الدولة لا تحاكم هؤلاء الفتيات حمايةً للقيم، بل لإعادة ترسيم حدود المسموح والممنوع. وتشير منظمات حقوقية مصرية إلى أن هذه المحاكمات تعكس توجه السلطات المصرية المعادي للاستخدام الحر للإنترنت، ومراقبتها لحسابات المستخدمين على وسائل التواصل الاجتماعي تحت ذريعة "حماية قيم الأسرة".
هذا الاستخدام للأخلاق ليس ابتكارًا محليًا؛ فقد قدّمت الفاشية والنازية مشروعيهما بوصفها "طهارة أخلاقية"، كما غلّفت الأنظمة الشمولية سياساتها القمعية بغطاء الفضيلة أو حماية الذوق العام. وفي العالم العربي، استُخدمت حملات استهداف فتيات "تيك توك" لصرف الانتباه عن الفساد والبطالة والقمع، إذ يثير التشهير براقصة تعاطفًا أسرع من مواجهة الأزمات الحقيقية.
منذ بدايات "تيك توك"، لم يُنظر إليه كمنصة لهو فقط، بل كإمبراطورية صنعت أثرياء من فراغ رقمي. الأمريكية شارلي داميليو، ذات الستة عشر عامًا، صارت الوجه الأشهر للتطبيق بملايين الدولارات، والسنغالي خابي لام القادم من الهامش أصبح أغنى من سياسيين بفضل سخريته الصامتة، متصدّرًا قائمة المتابعين.
لم يكونوا علماء أو فنانين كبارًا، لكنهم أدركوا أن الاقتصاد أصبح يمر عبر شاشة الهاتف، وأن "الرحب الإلكتروني" واقع لا مهرب منه. لكن حين يُترجم هذا الواقع إلى السياق العربي، يتحول إلى تهديد؛ فالأنظمة لا تحتمل تراكم الثروة خارج إذن الدولة، فتراها في كل بث شرخًا في شرعيتها، وفي كل إعلان تفلتًا من قبضتها.
قنطرة ©