"وريث الفاتورة لا الميدان"

تُظهر هذه الصورة، التي التُقطت في 24 أغسطس/آب 2023، منظرًا لساحة التحرير في وسط القاهرة، مصر. (Photo: picture alliance/Xinhua/Sui Xiankai)
هنا اندلعت الثورة: ميدان التحرير قلب القاهرة النابض يظهر مختلفًا عن الشكل الذي عُرف به عام 2011. (Photo: picture alliance/ Xinhua/Sui Xiankai)

بعد 15 عامًا على ثورة 25 يناير، يعود السؤال: ماذا تبقّى من مطالبها؟ أربع ناشطات وناشطين كانوا أطفالًا ومراهقين وقت الثورة يروون لـ"قنطرة"، كيف شكّل الميدان وعيهم، وكيف يُعاد اليوم تعريف المقاومة في زمن الكلفة الباهظة.

تقرير: محمود هاشم

حين اندلعت ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني عام 2011، كانت ماجي وليد، ويوسف الصاوي، ومروان محرز، ويوسف طوبيا، يرقبون العالم بعيون الصغار؛ دون أن يدركوا حجم الحدث. اليوم، وبعد 15 عامًا على الثورة وهم في العشرينات، يجدون أنفسهم ورثةً لتركةٍ ثقيلة من الأحلام المجهضة، يواجهون تحديات تختلف جذريًا عن جيل الثورة الأول؛ فهم لا يصطدمون بنظام قديم وحسب، بل بواقعٍ أمني واقتصادي معقد، ومجتمعٍ أنهكه اليأس، بالنسبة لهم، لم يعد سؤال التغيير السياسي مطروحًا بصيغته المباشرة، بل تحوّل إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف يمكن للفرد أن يحتفظ بقدرته على الفعل المحدود، داخل واقع مغلق ومثقل بالقيود؟ 

خطفت الثورة المصرية، الأنظار بين موجة ثورات "الربيع العربي" كحراك شبابي عفوي، قبل أن يتعثر مساره سريعًا؛ فالعفوية التي منحت الثورة شرعيتها، تحولت في غياب قيادة موحدة، إلى نقطة ضعف قاتلة؛ هذا الفراغ أتاح للقوى السياسية التقليدية، على رأسها جماعة الإخوان المسلمين والمؤسسة العسكرية، تصدر المشهد.  

فقد وصلت الجماعة إلى السلطة عبر انتخابات 2012، لكن أخطاءها في إدارة البلاد والاستقطاب الحاد الذي رافق حكمها أدّيا إلى إزاحتها في 30 يونيو/حزيران 2013، لتعود المؤسسة العسكرية فاعلًا أوحد في السلطة، ويُغلق القوس الذي فتحه حراك يناير ذلك الحين. 

"جيلنا عاش الكلفة أكثر مما عاش الثورة"

كان مروان محرز، 21 عامًا، ناشط طلابي من القاهرة، في السادسة من عمره وقت اندلاع الثورة. يجسد مروان أيضًا جيلًًا "ورث الفاتورة لا الميدان"، كما يقول لقنطرة، حيث تبخرت الوعود الرومانسية للثورة في "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، وبقيت التبعات الاقتصادية والأمنية الباهظة. 

شاب يرتدي نظارة ويجلس على حافة كوبري وخلفه مجرى مياه، ومبان شاهقة
مروان محرز. (Photo: Private)

يرى مروان أن مصر اليوم تعيش استقطابًا حادًا وترديًا اقتصادًا حوّل مطالب 25 يناير إلى أداة للتخويف بمضي السنوات، إذ يرى أن الثورة لم تكن سردية بطولية يحتفى بها، بل واقعًا أمنيًا خانقًا داخل الجامعات، "جيلنا عاش الكلفة، أكثر مما عاش الثورة"، مشيرًا إلى قضايا الرأي التي تلتهم أعمار شباب خلف القضبان بسبب منشورات على منصات التواصل الاجتماعي.  

أمام هذا الواقع، بات حلم الهجرة الذي يراود أقرانه أكثر واقعية من حلم الوطن الحر، وذلك نتاج تجربة قاسية بدأت في 2012 نتيجة فشل المسار السياسي للثورة وسيطرة أنظمة لا تنتمي للثورة على الحكم، وانتهت بانهيار السلم الاجتماعي، ومع ذلك، يتمسّك مروان بفكرة العيش بكرامة داخل الوطن، رغم إدراكه أن الإرادة الجمعية للتغيير تبدو اليوم مشلولة. 

"الجميع يعيش في ظلال الثورة"

يمثّل يوسف طوبيا، 27 عامًا، صيدلي من أسيوط، صوتًا يعبّر عن خصوصية المشهد في الجنوب المصري؛ حيث تتخذ السياسة هناك أشكالًا أكثر تعقيدًا وأقل صخبًا، ويعتقد أن التفاوت العمري داخل كتلة الشباب الذين قاموا بالثورة وجيل زد يذوب أمام حقيقة أن "الجميع يعيش في ظلال الثورة، تلك التي صاغت شخصياتهم ورؤيتهم، رغم مآلاتها السياسية المتعثرة"، كما يصف لقنطرة. 

ورغم ذلك، يصف يوسف جيله بـ"الجيل الضائع": جيل تشكّل وعيه في فجوة بين زمنين، زمن أحلام يناير الرحبة، وواقع مسدود، إذ يبدو هذا الجيل عالقًا بين قيم ثورية لم تعد موجودة، وشروط بقاء قاسية يفرضها النظام الحاكم حوّلت النضال إلى مقاومة يومية من أجل البقاء.  

يوسف طوبيا. (Photo: private)
يوسف طوبيا. (Photo: Private)

يضيف أن الثورة لم تسقط لأن أهدافها "عيش، حرية، عدالة الاجتماعية" كانت خاطئة، بل لأنها اصطدمت بموازين قوى غير متكافئة؛ فالثوار امتلكوا "الحلم" بينما امتلكت الدولة العميقة "الأدوات"، وتمكّنت عبر السيطرة على الإعلام والقضاء والمؤسسة العسكرية من تحويل مسار التغيير إلى استعادة السيطرة الأمنية، وترسيخ النظام القائم، الذي بات يُحيي ذكرى 25 يناير بوصفها "عيد الشرطة" مع إشارة بروتوكولية للثورة.  

من خلال تطوعه كمبرمج أفلام في "الوكالة"، وهي مبادرة شبابية مستقلة بالصعيد تسعى لخلق شاشة بديلة ومساحة آمنة للنقاش الحر، يلمس يوسف، العضو الشاب في الحزب الشيوعي المصري، كيف انتقل ثقل الصراع من الميادين إلى الشاشات، ويرى في نتاج المبدعين الشباب بالجنوب "تجسيدًا حيًا للمقاومة؛ فهي سينما لا تهرب نحو الترفيه، بل تنبش في الأزمات البنيوية التي خلفتها سياسات حكومات ما بعد الثورة".  

في الوقت نفسه، "تمثل هذه الأفلام البسيطة، وثائق بصرية ترصد التهميش الاقتصادي والاجتماعي، لكنها تُحول الفن إلى أداة ناعمة لاستعادة القدرة على الفعل في زمن الانسداد السياسي"، بحسب يوسف. 

"البحث عن المساحات السياسية المتبقية"

يبدو المشهد المصري اليوم لماجي وليد، 25 عامًا، ناشطة من الإسكندرية، ارتدادًا نحو الأسوأ على كافة الأصعدة؛ سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وترفض القراءات السطحية التي تربط جيلهًا قسريًا بجيل يناير، بل ترى في أبناء جيلها "حالة نقدية حادة لهذا المسار ومآلاته". إذ تشبه الثورة بـ"'حلم الصيف'؛ تلك اللحظة الخاطفة التي استشعر فيها الجميع إمكانية بزوغ مستقبل مشرق، قبل الاستيقاظ على واقع 'دولة الصوت الواحد'".  

تتأمل في ماضٍ ما قبل الثورة: "حتى في ظلّ نظام مبارك، كانت هناك مساحات محدودة من التعددية السياسية الشكلية والنقاش الثقافي، أما اليوم، تلاشت هذه المساحات لصالح إعلام أحادي النبرة، ومجال عام يلاحق كل من يخرج عن السطر".  

تضيف: "لم يعد التضييق يطال النشطاء السياسيين فقط، بل امتدّ إلى صنّاع المحتوى والمؤثرين والكتّاب، في محاولة لفرض إيقاع واحد مسموح به". 

هذا الانسداد السياسي أورث جيل ماجي فلسفة ما تسميه "النجاة الفردية"؛ كاستجابة طبيعية لانهيار الأمل في التغيير، وفاتورة الخسائر النفسية والاجتماعية الباهظة التي استنزفت جيلها. ورغم ذلك، تواصل النضال على طريقتها الخاصة: "تثقيف الذات والبحث عن المساحات السياسية المتبقية هو الرد الوحيد على واقعٍ يدفع نحو الانكفاء أو الهروب". 

"الفعل ضروري من أجل التغيير"

يمتلك يوسف الصاوي، 20 عامًا، طالب بكلية الحاسبات بجامعة المنصورة، ذاكرة غائمة لطفل سار في الميدان صحبة والده، شعر برهبة لم يدرك وقعها حينها، لكنها غدت بوصلة نضجه. يقول يوسف، إننا "نعيش اليوم امتدادًا مشوهًا لما قبل يناير، حيث يتخذ الاستبداد شكلًا عمرانيًا يعكس قطعية طبقية".    

الشاب يوسف الصاوي. (Photo: private)
يوسف الصاوي. (Photo: private)

يشير يوسف إلى سياسة التحول العمراني التي تنتهجها الحكومة الحالية نحو التوسع في بناء المدن المغلقة أو الكومباوندات، فهي "ليست مجرد تطوير عقاري، بل رمز لسياسة العزل المكاني التي تهدف لتكريس انفصال النخبة الحاكمة عن واقع الشعب الذي يزداد فقرًا".  

"ذلك الجدار الخرساني هو أداة النظام لغلق المجال العام وتأميم الوعي السياسي، مع ترسيخ الفردانية والسطحية الساحقة لعزل المواطن عن قضايا وطنه"، كما يقول يوسف.  

يمارس يوسف وهو عضو بحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، نشاطه من فلسفة "الواجب الأخلاقي"؛ فالسياسة بالنسبة له وسيلة لرفض التحوّل إلى مجرد مفعول به. تجلى ذلك في يونيو/حزيران 2025، حين قاد مع عدد من زملائه حراكًا تضامنًا داخل جامعة المنصورة مع ليلى سويف أثناء إضرابها الطويل للإفراج عن نجلها الناشط السياسي علاء عبد الفتاح، وهو ما كلفه استجوابًا في أحد مقرات الأمن، لكنه رسّخ قناعته بأن "الفعل، مهما بدا محدودًا، يظل ضروريًا من أجل التغيير".  

© قنطرة