حب بلا اتفاق
المناقشات
يكتب كريمي في مستهل كتابه "جمال المسيحية" (Die Schönheit des Christentums)، أن اليهودية والمسيحية والإسلام "تستمد من بعضها بعضًا، حتى في مواطن اختلافها". ويرى أن التعرف إلى الأديان الأخرى وفهمها يجعل إيمان الإنسان أكثر وعيًا ومسؤولية؛ لأن فهم الدين بعمق يتطلب معرفة جذوره التاريخية والتقاليد التي نشأ منها.
يتجاوز اهتمام كريمي بالمسيحية حدود الفضول الفكري؛ فعنوان كتابه الفرعي هو "إعلان حب من مسلم". فعلى امتداد أكثر بقليل من مئة صفحة باللغة الألمانية، وبأسلوب يتراوح بين اللغة الشاعرية تارةً، والمعالجة المقالية النقدية والنفاذة تارةً أخرى، يستكشف كريمي كيف تُحرّك المسيحية، من منظور مسلم، مشاعره وتثير تساؤلاته وتدعوه إلى التريث والتأمل، بل وتدفعه إلى مراجعة ذاته.
لكن كريمي يوضح أن المحبة لا تعني بالضرورة الاتفاق، ويقول: "الحب هو أن تعيش إلى جانب الآخر من دون أن تسعى إلى امتلاكه". ويبدو هذا التوضيح مهمًا بالنظر إلى موقع كريمي الأكاديمي والفكري؛ فهو أستاذ للفلسفة الإسلامية في جامعة مونستر، ويُعدّ من الأصوات البارزة التي تدعو إلى بلورة إسلام يتسع للتعددية. غير أن الجامعة التي يعمل فيها تواجه انتقادات من الأوساط الإسلامية المحافظة، التي تنظر إلى كليتها اللاهوتية باعتبارها مركزًا لما تصفه بـ"إسلام الدولة الألماني" ذي التوجه الليبرالي المفرط.
ويمكن النظر إلى كتاب كريمي باعتباره امتدادًا لكتاب سابق أصدره في وقت سابق من هذا العام بعنوان "جمال اليهودية: رسالة حب من مسلم"، تناول فيه أوجه التشابه والقواسم المشتركة بين اليهودية والإسلام، متطرقًا إلى الصراعات الراهنة.
أما في كتابه الجديد، فقد جاء الدور على المسيحية لتكون محور تأملاته.
ويكتسب الكتاب أهمية خاصة بالنسبة لي ككاتب لهذه المراجعة، بالنظر إلى تجربتي الشخصية؛ فقد اعتنقت الإسلام بعد المسيحية؛ للزواج من شريكتي السابقة، وهي مواطنة إيرانية. وكان اعتناقي للإسلام إجراءً شكليًا فرضته قوانين إيران، ولم يكن نابعًا من قناعة دينية أو إيمان حقيقي بالعقيدة الإسلامية. ومع ذلك، أنا قادر على التعبير عن محبتي لهذا الدين، حتى من موقعي النقدي تجاهه.
ويعبّر كريمي عن هذه الفكرة بالقول: "لا أستطيع أن أؤمن بما يؤمنون به (المسيحية)، لكنني في الوقت نفسه لا أستطيع الادعاء بأن ما يؤمنون به بلا معنى. قد لا أتفق معهم، لكن يمكنني أن أتأثر بما يؤمنون به. وربما تكون هذه هي بالضبط نقطة البداية لإعلان الحب".
الاختلاف شرط أساسي للمحبة
قد يشعر القارئ الذي ينتظر من هذا الكتاب محاولة للتوفيق بين الإسلام والمسيحية وتقريب وجهات النظر بينهما بخيبة أمل. فكريمي لا يركز على نقاط الالتقاء بين الديانتين، بل يتناول الاختلافات الجوهرية بينهما، مثل تجسّد الله في صورة بشر، وصلب المسيح وما ارتبط به من إهانة ومعاناة، وعقيدة الثالوث. وهي مسائل غالبًا ما يرفضها المسلمون باعتبارها مفاهيم خاطئة، أو يتجاوزونها أحيانًا بالقول إن الأديان الثلاثة تؤمن في نهاية المطاف بالإله نفسه.
لكن كريمي يختار نهجًا مختلفًا، يصفه بأنه "شكل من أشكال الانفتاح الداخلي على الآخر". فهو لا ينكر الاختلاف بين الديانتين، ولا يرفضه، بل يواجهه ويتأمل فيه، لأنه يطرح تساؤلات تتحدى فهمه الخاص للإيمان.
أدرك جيدًا الحيرة التي تثيرها عقيدة الثالوث لدى المسلمين. وأستذكر موقفًا حدث معي عندما اعتنقت الإسلام، حين علّق الإمام قائلًا: "أخيرًا، مسيحي أدرك مدى سخافة فكرة وجود ثلاثة آلهة". ففي الفهم الإسلامي الشائع، لا يُنظر إلى الثالوث باعتباره علاقة داخلية مع الإله الواحد، بل يُرفض بوصفه شكلاً من أشكال الشرك.
لكن كريمي لا يذهب إلى حد توجيه مثل هذا الاتهام للمسيحية، وإن كان لا يُخفي حيرته أمام هذه العقيدة. وبصراحة واضحة، يشرح حجم التحدي الذي تمثله بالنسبة إليه فكرة التجسد، أي أن يصبح الله بشرًا، ويقول: "هذا المفهوم غريب عن إيماني. فالله واحد لا مثيل له ولا شبيه. وهو منزّه عن كل تصور بشري أو تجسيد مادي أو صورة، ويتجاوز كل محاولة لحصره في حدود العالم المادي المحدود".
وينطبق الأمر نفسه على رواية صلب المسيح. ففي التصور الإسلامي، يمثّل الصلب إهانة لا يمكن تصورها لنبي يحظى بمكانة عظيمة. فالقرآن يؤكد بوضوح: "وما قتلوه وما صلبوه". ومن هذا المنطلق، يطرح كريمي على نفسه تساؤلاً: "كيف يمكن أن يكون هذا هو الله؟ وكيف يمكن للحقيقة الإلهية أن تنحدر إلى هذا الحد من المهانة؟".
ومع ذلك، لا يقتصر موقف كريمي على الرفض والحيرة، بل يمتزج أيضًا بشيء من الدهشة والتأمل. فهو لا يستطيع ببساطة اعتبار صورة الإله المصلوب مجرد فكرة خاطئة، ويقول: "إن المعاني التي تحملها هذه الصورة بالذات أعمق من أن تُتجاهل؛ فهي تجسد الاستسلام الكامل، وكرامة الإنسان الجريح، وما يفرضه الإيمان من مطالب لا تضع المعاناة على هامش الحياة".
تكمن جمالية المسيحية في نزعتها الإنسانية
يعود كريمي مرارًا وتكرارًا لهذه الفكرة، أي البحث عن القواسم المشتركة بين الديانتين، وهي في الوقت نفسه أبرز ما يميز هذا الكتاب. فهو لا ينكر الاختلافات بين الإسلام والمسيحية، بل يحاول اكتشاف ما يجمع بينهما من خلال هذه الاختلافات نفسها. فكلتا الديانتين، رغم تباينهما، تطرحان السؤال نفسه: إلى أي مدى يمكن أن يكون الله قريبًا من الإنسان؟
يقول القرآن الكريم: "وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد". وتسعى الديانتان، كلٌّ بطريقتها، إلى تحقيق القرب من الله، لكن بينما يظل الله في التصور الإسلامي عظيمًا ومنزهًا عن العالم البشري، تتخذ المسيحية منحى أكثر جذرية؛ إذ لا يقتصر الأمر فيها على أن يصبح الله إنسانًا، بل يمتد إلى أن يعيش، من خلال هذا التجسد، أقصى درجات الألم والمعاناة البشرية.
وهنا يبدأ كريمي، بصفته مسلمًا، في مواجهة تساؤلات داخلية حول هذه الفكرة: هل تكمن قوة هذه الصورة في قدرتها على البحث عن الله ليس في الأعالي فحسب، بل "أيضًا في المواضع التي يرقد فيها الإنسان مثقلاً بالمعاناة"؟
إن الجمال الذي يراه كريمي في المسيحية، من موقعه كمسلم، يتمثل في بعدها الإنساني الذي يعتبره جزءًا أصيلًا من جوهر هذا الدين. ففي مختلف صورها، سواء في تجسد الله أو الطفل الراقد في المذود أو مشهد الصلب، تضع المسيحية الإنسان بكل تعقيداته ومعاناته في قلب التجربة الدينية.
وليس من قبيل المصادفة أن تترك صورة الإله المتألم أثرًا عميقًا لدى المفكرين العلمانيين والإنسانيين أيضًا، فصرخة المسيح على الصليب: "إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟" تشكل محورًا رمزيًا أساسيًا في رواية "السقوط" للكاتب الفرنسي ألبير كامو. أما الكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكيس يرى أن رفض يسوع للموت على الصليب، وهو التصور الأقرب إلى الرواية الإسلامية لما حدث، كان آخر وأعظم إغراء واجهه المسيح.
وبصفته مسلمًا، لا يستطيع كريمي تبنّي الدلالات اللاهوتية لهذه الرواية، لكنه يتفق مع ما تحمله من قيم إنسانية. ولعل أبرز ما يميز كتابه أن مؤلفه، رغم تمسكه بإيمانه الإسلامي، ينجح في تقديم رؤية قد تساعد المسيحيين أنفسهم على اكتشاف جوانب من الجمال والعمق في دينهم ربما لم يتأملوا فيها من قبل.
ترجمته من الألمانية: م. تايلور
(صدر باللغة الألمانية) "جمال المسيحية – إعلان حب من مسلم"
أحمد ميلاد كريمي
أغسطس/ آب 2026
112 صفحة
قنطرة ©