مصر بحاجة ماسة إلى عملية تحول ديمقراطي

وفضلا عن ذلك ظلّ تعامل النظام مع مطلب إطلاق سراح المعتقلين محدوداً للغاية، بل وجرت اعتقالاتٌ جديدة منذ دعوة الحوار في إبريل/ نيسان 2022. هذا بخلاف أنه لم تُطرح مسألة الإفراج عن المعتقلين الحاصلين على أحكام قضائية أمام محاكم لم تتوفّر فيها سمات النزاهة والشفافية والاستقلال أو في قضايا مسيّسة، بما في ذلك المعتقلون والمحكوم عليهم من التيارات الإسلامية.
وفضلا عن ذلك ظلّ تعامل النظام مع مطلب إطلاق سراح المعتقلين محدوداً للغاية، بل وجرت اعتقالاتٌ جديدة منذ دعوة الحوار في إبريل/ نيسان 2022. هذا بخلاف أنه لم تُطرح مسألة الإفراج عن المعتقلين الحاصلين على أحكام قضائية أمام محاكم لم تتوفّر فيها سمات النزاهة والشفافية والاستقلال أو في قضايا مسيّسة، بما في ذلك المعتقلون والمحكوم عليهم من التيارات الإسلامية.

في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية في مصر وانغلاق الأفق السياسي بسبب سياسات القمع والاعتقالات السياسية يطرح السؤال التالي نفسه: كيف يمكن إنقاذ أكبر دولة عربية في الشرق الأوسط من مصير لن يكون في استطاعت أحد تحمل عواقبه؟ تعليق تقادم الخطيب.

الكاتب، الكاتبة : تقادم الخطيب

منذ انقلاب الثالث من يوليو 2013 تزداد الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في مصر تعقيدا بسبب النهج السياسي لنظام الرئيس عبد الفتاح السيسي. فالأوضاع الاقتصادية علي سبيل المثال تردت عما كانت عليه، فقد استلم الرئيس السلطة، وسعر الدولار 8 جنيهات، بينما اليوم يتراوح سعره بين ال 35 وال40 جنيها، إلي جانب قلة الاحتياطي منه، كعملة أجنبية مهمة، في استيراد أهم السلع في دولة مثل مصر، يقوم اقتصادها علي الاستيراد وليس علي التصدير.

في ذات الوقت مع تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2014 زادت شهية الاقتراض الخارجي لترتفع من 46.1 إلى 74 مليار دولار عام 2017، بزيادة قدرها 27.9 مليار دولار، قبل أن ترتفع إلى 157.8 مليار حتى نهاية مارس العام الماضي. وبحصول مصر على قرض تسعة مليارات دولار سيرتفع إجمالي الديون الخارجية إلى 166 مليار دولار تقريباً، بخلاف الديون الداخلية التي نمت بنسبة 1324 في المئة على مدار العشرين عاماً الماضية.

هيكل الديون المصرية يتوزع بين ديون تصل إلى 52 مليار دولار من 20 مؤسسة إقليمية ودولية أبرزها صندوق النقد والبنك الدوليان، إضافة إلى 36 ملياراً من 22 دولة، و29 ملياراً إصدارات سندات في الأسواق الخارجية، و12 ملياراً من بنوك أجنبية وخليجية، إلى جانب 26 ملياراً ديون قصيرة الأجل من دول ومؤسسات إقليمية.

لقد نجح الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ توليه السلطة قبل عشر سنوات في إنهاك كاهل الاقتصاد المصري، وتحميله المليارات من الدولار من خلال تبديد الاحتياط النقدي، وكذلك القروض التي حصل عليها في مشاريع وهمية لا تدر إنتاجا علي الاقتصاد المصري، وإنما فقط تخدم الرئيس وطموحاته الشخصية، التي لا تتفق مع الواقع الاقتصادي للدولة المصري، فالرجل ينفق وكأنه زعيم لدولة نفطية. ومع الاستمرار في تبديد الموارد اضطر السيسي في نهاية المطاف أن يجعل الاقتصاد المصري رهينة لصندوق النقد الدولي، الذي اشترط تعويم العملة المحلية، وكذلك رفع دعم الدولة عن السلع المختلفة، مما وضع المواطن المصري تحت ضغوط معيشية واقتصادية غير مسبوقة.

ومع تراكم القروض وفرائدها، وعدم القدرة على السداد، اضطر السيسي إلي اللجوء إلى بيع أصول الدولة حتى يتمكن من توفير النقد الأجنبي في محاولة لتوفير السلع الأساسية للمواطنين، إلى جانب إنقاذ سلطته التي تواجه سخطا شعبيا متزايدا.

 

"الحياة السياسية المصرية تعاني من التصحر بسبب الآلة القمعية التي ينتهجها النظام الحالي"

 

هذا على الصعيد الاقتصادي، أما على الصعيد السياسي، فالأفق السياسي مغلق، ولا حل يلوح في الأفق لهذا التصحر السياسي، الذي أصاب الحياة السياسية المصرية، تحت الآلة القمعية التي ينتهجها النظام الحالي.

يؤمن الرئيس السيسي أن هامش الحرية، الذي أتاحه الرئيس السابق مبارك للمعارضة هو الذي أدي إلى ثورة يناير 2011، وبالتالي فإنه لن يقوم بارتكاب الخطأ الذي ارتكبه الرئيس السابق حسني مبارك بمنح المعارضة أي هامش، خوفا من تكرار ما حدث في يناير، وهو ما يجعلنا نفهم سبب تجديد السيسي الهجوم على ثورة يناير في كل مناسبة.

لم تتوقف الأزمة السياسية عند هذا الحد، بل استمرت سياسة الاعتقال، التي انتهجها الرئيس منذ 2013 وكذلك الانتهاكات البشعة لحقوق الإنسان في أقسام الشرطة والسجون، مع زيادة أعداد المعتقلين ليتخطى عددهم الى 60ألف معتقل سياسي طبقا لتقارير مختلفة للمنظمات الدولية لحقوق الإنسان.

 

 

حملة الاعتقالات شملت عدد من اصدقاء وانصار النائب احمد طنطاوي واعضاء دائرته الانتخابية الى جانب عمه وخاله وتم التحقيق معهم اليوم بنيابة امن الدولة ومن بينهم:

احمد جميل عبد القادر

حمدي حمدون

كمال سعيد ابو الجدايل

هاني حسين عبد العليم

تامر فتح الله حسن

علي محمد الحداد

وآخرين

— hossam bahgat حسام بهجت (@hossambahgat) May 4, 2023

 

 

وعلي ما يبدو من أحاديث الرئيس المختلفة أن سياسته لن تتغير، وأنه مستمر في السلطة، وقد بدا واضحا ذلك في الحوار الوطني الذي دعت إليه سلطة الرئيس، والذي بدا واضحا أنه ليس أكثر من مكلمة، يراد منها اكتساب المزيد من الوقت، فالحوار الوطني رفع شعار اللاءات الأربع، ومن بينها عدم تعديل الدستور، حتى لا يتم الحديث عن مدد الرئاسة، أو محاولة تعديل أي شيء قد يمس استمرار الرئيس في السلطة.

الآن وفي ظل هذه الأزمة الطاحنة في مصر، والانفجار الذي يقترب مع الوقت، لا بد من طرح السؤال الحالي: ما هو الحل لإنقاذ أكبر دولة عربية في الشرق الأوسط من مصير لن يكون في استطاعت أحد إقليميا ودوليا تحمل عواقبه؟

في البداية وقبل الحديث عن شكل الحل الذي طرحه العديد من الباحثين في العلاقات المدنية العسكرية ومن بينهم الدكتور عبد الفتاح ماضي، أستاذ العلوم السياسية والباحث في المركز العربي، بقطر، فلابد أن نعلم أن ما مرت به مصر، ليس جديدا، فقد مرت به دولا عديدة من قبل، مثل، دول أميركا اللاتينية، وتركيا، وإسبانيا، وكوريا الجنوبية، مع الأخذ في الاعتبار الاختلافات الجوهرية بين كل تجربة وأخري. إلا أن الحل الأفضل لمصر، هو عملية تحول ديمقراطي، على غرار تلك التحولات التي حدثت في هذه الدول، فالدول التي مرّت بمراحل صراعية وأزمات حادّة كان عليها أن تمرّ بمرحلة انتقالية تديرها حكومة من خارج الأحزاب المتصارعة، بضمانات أو آليات إقليمية ودولية للمراقبة والمتابعة.

ويبدأ التحول أولا بوضع نهاية لسلطة الرئيس عبد الفتاح السيسي (وليس لدي التصور الأمثل، لمعرفة كيفية وضع حد لسلطته، إلا أن المؤسسة العسكرية هي الوحيدة القادرة على ذلك، فقد أتت به للسلطة وهي الوحيدة في ظل الوضع القائم، القادرة على إزاحته ووضع حد لسلطته).

وبموجب هذا التصور، تتولى إدارة البلاد حكومة وطنية انتقالية من خبراء (حكومة تكنوقراط) لمدة سنتين أو ثلاثاً، السمة الأساسية لهؤلاء الخبراء أنهم غير منتمين للأحزاب القائمة، إلى جانب ممثل أو أكثر للمؤسسات العسكرية والأمنية. وتكون للحكومة غاية أساسية، هي إعداد البلاد للانتقال إلى نظام ديمقراطي حقيقي من خلال: وضع الأطر الدستورية والقانونية الكفيلة بإنجاز هذا الانتقال؛ وإطلاق سراح المعتقلين، وإسقاط الأحكام الجائرة، وإدارة البلاد، ومعالجة ما يمكن معالجته من تداعيات السياسات السابقة.

وتتولّى الحكومة الصلاحيات التنفيذية والتشريعية كاملة، ويكون لها السيادة كاملة، فلا رقابة عليها لا من القضاء ولا من الجيش. ومن ضمانات حياد هذه الحكومة ألا يُسمح لأعضائها بخوض الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية دورتين كاملتين، ويمكن أيضاً الحصول على ضماناتٍ إقليمية ودولية من جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي. بجانب تعهّد الأحزاب ومؤسّسات الدولة بدعمها، طالما جرى ائتمان مجموعة من الشخصيات القادرة على القيام بهذه المهمة. ومع نهاية المرحلة الانتقالية، تُجرى أول انتخابات ديمقراطية تتنافس فيها كل القوى السياسية، تحت سقف الدستور الديمقراطي الجديد، لتنبثق عنها سلطة منتخبة تشريعية وتنفيذية.

السؤال الآن حول واقعية هذا الطرح، وإمكانية تطبيقه، حيث إنه سيحتاج إلي توافق إقليمي، بين القوي الإقليمية المختلفة، خاصة الخليجية، التي أصبح لها نفوذ واضح في الاقتصاد المصري، إلي جانب المؤسسة العسكرية التي هي اللاعب الرئيس في هذه المسألة، فهل سترضي بهذا الحل، لأن هناك أمر مهم لابد من الإشارة إليه وهو السيناريو الذي علي أساسه سيتم إخراج الرئيس الحالي من السلطة، إلي جانب قبول المؤسسة العسكرية بهذا الأمر كما أشرت، فالمؤسسة العسكرية متوافقة علي أنه لا يصلح لمصر سوي الحكم العسكري، فهل ستجبرها الظروف والأيام علي تغيير هذا الاعتقاد.

 

تقادم الخطيب

حقوق النشر: موقع قنطرة 2023

 

 

 

 

مصر: رئيس بلا شعبية أو ظهير سياسي

توسيع الاقتصاد العسكري في مصر

الاحتفاظ بالقدرة أم إعادة الهيكلة أم التجريد؟ خيارات سياساتية للاقتصاد العسكري المصري

إعادة هيكلة المدن حل جذري لهواجس نظام السيسي الأمنية؟ 

مصر: انتفاضة شعبية مصرية على قصور السيسي الرئاسية؟

الحكم الرشيد وليس الاستبداد هو المفتاح إلى الاستقرار في الأمد البعيد