صراع الذاكرة والإرث الاستعماري

في بلدة نائية من جنوب الجزائر، حيث الصّيف يطول ستّة أشهر، نصادف امرأة شابة ووالدها. ظاهريًا، تبدو العلاقة بينهما متينة، لكننا ندرك أنّها علاقة مشحونة مع توالي الأحداث، حيث تُتهم المرأة الشابة بقتل زوجها.
من خلال تلك الحبكة البوليسية، تنطلق رواية "أغالب مجرى النّهر" لسعيد خطيبي، لتقدم صورة معمّقة عن المجتمع الجزائري الذي لا يزال في صراع مع ذاكرته المليئة بالعنف والعنف المضادّ. ورغم محاولات الأفراد تجاوز إرث الآباء والأجداد، يجرفهم التاريخ مثل نهر، إلى مصير يناقض ما يحلمون به.
تستكشف الرواية، في 288 صفحة، التحولات التي عايشها المجتمع الجزائري منذ الحرب العالميّة الثّانية، ثم حرب التّحرير ضد الاستعمار الفرنسي (1954-1962) وما تلاها. وتنقسم الرواية، الصادرة عن دار النشر هاشيت أنطوان في بيروت، في سردها على علاقة الآباء والأبناء ببعضهم البعض، إذ يقدّم كلُّ منهما منظورًا مختلفًا للحكاية.
فهناك، منظور الأب "عزوز"، الذي يمثّل التناقضات التي تحكم موقع الأبوة في مجتمع ما بعد الاستعمار، ويُحمَّل تاريخًا مؤلمًا لا يملك القدرة على محوه، إذ تطارده "كيّة" على ظهره، وهو وشم يوصم به الذين يشتغلون بالعمالة مع المُستعمِر.
لا يلاحق الوصم، الأب وحسب، بل يمتد إلى ابنته عقيلة وابنه ميلود. وتصبح الأبوة محاصرة بالخزي بدلًا من الشرعية الرمزية التي يمنحها النّظام الأبوي التقليدي. بذلك، تطرح الرواية سؤالًا حول ما إذا كان الأب قادرًا على حماية هويته من التصدع، أم أنه -مثل ابنيه- ضحية لإرث الاستعمار الذي لا يمكن الهروب منه.

تقاليد صارمة
يعكس السرد الروائي صورة مجتمع الجزائر ما بعد الاستقلال بوصفه فضاءً مضطربًا نفسيًا بين هيمنة التقاليد ومشاعر الاستقلال، حيث تُشكّل التقاليد الاجتماعية الصارمة أيضًا قيودًا تُكبّل حرية الأفراد، وتحدّ من اختياراتهم. تتجلى تلك الاضطرابات في صورة تقديس سلطة الوالدين إلى حدّ يمنع مساءلتهما أو تجاوز نفوذهما.
هذه الطاعة المطلقة، الناجمة عن الخوف من المواجهة أو عواقب التمرد، تُحوِّل الأبناء إلى أسرى لإرث آبائهم، مما يؤدي إلى تفكك الروابط الأسرية. إذ يُنكر ميلود، ابنته غير الشرعية خوفًا من رد فعل والديه، تاركًا إيّاها تواجه مصيرًا مأساويًا. تُعدّ هذه المأساة تكرارًا لمعاناة والده عزوز، الذي سبق وتهرّب أيضّا، من تحمل مسئولية طفل أنجبه من علاقة غير شرعية.
يعبر عزوز عن تلك العلاقة المتوترة بقوله: "لا أحد يعرف أبناءه حق المعرفة"، وهو ما يعكس العزلة التي يعيشها الأبناء داخل إطار أسرهم.
أما الابنة "عقيلة"، طبيبة العيون، تجد نفسها عالقة بين سلطتين يفرضهما المجتمع: سلطة والدتها "قمرة"، التي ورثت تنشئة بطريركية من جهة، ومن جهة أخرى سلطة زوجها مخلوف تومي، الطبيب الشرعي الذي يُمارس العنف الجسدي والرمزي عليها.
تعبر عقيلة عن حالها مع أمها وأم زوجها، وتقول: "إنّ الأمهات يعاملن أبنائهنّ كغنائم حرب. يريدونهم خاضعين لا يجادلون". ومن خلال عقيلة، يطرح الكاتب سؤالًا فسلفيًا نادرًا ما تتناوله الرواية المعاصرة حول الرغبة في الأمومة وكيفية ممارستها، وهل يلعب الخطاب السائد دورًا في تشكيلها؟، وتقول عقيلة عن علاقتها بابنتها: "لم أحسم أمري: هل أحبّها (ابنتي) أم أنني أمارس أمومة بالفطرة؟ مع أنني تمنّيت في صغري أن أصير أمًّا".

حين يجبر الاستعمار المسلمات على خلع الحجاب بدعوى التحرر!
قبل قرن من الزمان طُرحت الحُجج القائلة إن الحجاب يعبِّر عن الاضطهاد الذكوري، الأمر الذي لا يتوافق مع الحضارة الغربية ونظامها القيمي. ثم تمَّ تحويل الكلام إلى أفعال في المستعمرات الفرنسية فأُجبِرت المسلمات على خلع الحجاب. رؤية تاريخية تقدمها الباحثة المختصة في شؤون المغرب العربي سوزانه كايزر لموقع قنطرة.
من جانب آخر، يتطرق الكاتب، إلى سطوة الأبوة حتى بين الفئات المتعلمة، ويتجلى ذلك في شخصية زوج عقيلة، الطبيب مخلوف تومي، الذي لا يختلف عن بقية أفراد مجتمعه في تمسكه بالنموذج التقليدي للأبوة. وتصف عقيلة زوجها مخلوف، قائلة: "تمنّى أن يُرزق بذكر، لكنني أنجبت أنثى، فصيّرني عدوّة له. يعلم أن الرجل هو من يحدد جنس الجنين، لكنه ينكر الأمر عن نفسه. سألته عقب الولادة عن اسم لابنتنا، فجاوب: الزواج الذي لا ينجب ذكرًا إنما مضيعة للوقت".
دور النساء في حرب التحرير
تناول المفكر الفرنسي فرانز فانون وعدد من المفكرين البارزين التحولات النفسية والاجتماعية التي شهدها المجتمع الجزائري عقب ثورة التحرير، ودور النساء في هذه المرحلة المفصلية. وسلطّوا الضوء على معاناة النساء اللاتي فقدن أزواجهنّ وتحملّن مسؤولية تربية الأبناء وحدهنّ، وهو ما أسهم في إعادة تشكيل ملامح العلاقات الجندرية داخل المجتمع.
غير أنّ رواية خطيبي تكشف أنّ الأدوار الجندرية ظلّت دون تغيير ملحوظ، بسبب غياب الوعي في العلاقات بين الجنسين داخل الأسرة، فضلًا عن هيمنة تيارات دينية متطرفة على بعض فئات المجتمع، مما أدى إلى تصدّع الأسر مع انتشار العنف والتمييز ضد المرأة.
وفي السياق، لم يفوّت خطيبي الإشارة إلى دور النساء في حرب التحرير، وذلك من خلال شخصية قمرة ديلي، التي رافقت الفدائيات، أو شهلة البرق التي يصفها الكاتب بأنّها: "كانت تنفّذ عملياتها بسرعة البرق، منطلقة إلى الأمام لا تلتفت خلفها. كانت فدائية في حرب التّحرير". وهنا، يشتبك السرد كذلك مع الصّور النمطية التي تجعل الرجل ممثلًا للعنف، بينما المرأة تمثّل العاطفة. فشخصية شهلة عذّبت من اٌتّهموا بالعمالة.
تستكشف "أغالب مجرى النّهر" أيضًا العلاقة المتوترة بين الطّب والدّين، قبل أن يلتقيا في تشكيل الوعي الجمعيّ ما بعد الاستعمار. فالطبيب، الذي كان فرنسيًا خلال الحقبة الاستعمارية، لم يكن مجرد معالج، بل كان رمزًا للسّلطة. يصبح الطّبيب في مرحلة ما بعد الاستقلال وريثًا لهذه السّلطة، لكنه يظلّ في صراع مستمر مع الدين، الذين يشغل موقعًا متقدّمًا في المجتمع الجزائري.

إرث مليء بالعنف
يأخذ الكاتب هنا مثالًا حول التبرع بالأعضاء البشرية لإنقاذ الأرواح، وهي قضية تغيب إلى حدٍ كبير عن الأدب العربي. إذ يؤدي ضعف ثقافة التبرع بالأعضاء في المجتمع الجزائري، إلى ممارسات غير أخلاقية مثل اختلاس أعضاء الموتى، فيستعين مخلوف تومي، الطبيب الشرعي، بزوجته عقيلة، لسرقة أعضاء الموتى مقابل أرباح مادية.
يتخذ هذا الاستغلال الجسدي للموتى بُعدًا رمزيًا، حيث يتم التّعامل مع الجسد كسلعة، في مجتمع تحرر لتوه من استعمار ترك إرثًا مليئًا بالعنف والاستغلال الجسدي.
تُعدّ الرواية امتدادًا لمشروع خطيبي الأدبي، إذ يركز في رواياته على نقد وتعرية جذور وأشكال الاستبداد والإقصاء داخل المجتمع الجزائري، سواء كانت ظاهرة أم مستترة، بأسلوب مشوّق.
وقد اختار لغة تتناغم مع حبكته مثل تعدد الأصوات، والمونولوج الداخلي، بالإضافة إلى المزج بين الأجناس الأدبية. إذ ارتكز السرد على ذاكرة شخصيتي الأب والابنة، بينما تتداخل الشخصيات الأخرى عبر مقاطع سردية قصيرة تقطع تسلسل الأحداث.
ومع غياب عناوين للفصول، يتطلب النص من القارئ تركيزًا مستمرًا لحلّ لغز القاتل، وفهم سياق التحولات الاجتماعية في هذه الحقبة التاريخية. فيما لم يكن التاريخ في الرواية مجرد خلفية، بل عنصر ديناميكي يُعيد إنتاج صراعات الحاضر مع الماضي، مما يفتح المجال لمساءلة البُنى القيمية والاجتماعية.
قنطرة ©