العذراء مريم في شوارع حلق الوادي

أشخاص يشاركون في موكب مريم العذراء في حلق الوادي، تونس.(Foto: Vanessa Barisch)
جانب من الموكب أمام الكنيسة في حلق الوادي، تونس. (Photo: Vanessa Barisch)

يرسّخ تقليد عريق حضوره في تونس، إذ يجمع موكب للعذراء مريم مسيحيين ويهودًا ومسلمين في شوارع حلق الوادي، حاملًا رسالة تعايش في بلد تشدد فيه السلطات قبضتها على المهاجرين.

تقرير: فانيسا باريش

ينتصب تمثال مريم العذراء وهي تحمل الطفل يسوع بين ذراعيها داخل قبو الكنيسة، في ضوء الشموع وترانيم الصلاة الخافتة، فيما ينتظر اثنا عشر رجلًا انتهاء القداس لحمل التمثال على أكتافهم، ويجوبون به شوارع حلق الوادي في ليلة صيفية خانقة.

احتفلت الجماعة الكاثوليكية في هذه الضاحية الساحلية من العاصمة تونس، في أغسطس/آب المنصرم، بعيد انتقال مريم العذراء إلى السماء، بمشاركة أشخاص من ديانات مختلفة، بناءً على طلب صريح من الجماعة الكنسية.

وقال الأب ناركيس دجيرامبيتي، كاهن كنيسة القديس أوغسطينوس والقديس فيديل بحلق الوادي، لـ"قنطرة"، إن "هذا العيد يجمعنا جميعًا، نحن الكاثوليك وأصدقاءنا وإخوتنا اليهود والمسلمين". وينحدر دجيرامبيتي من تشاد، ويتولى إدارة شؤون كاثوليك حلق الوادي منذ 13 عامًا.

تتشكل الاحتفالات من تقاليد متنوعة؛ إذ ترتدي نساء الجماعة تنانير زرقاء فاتحة تحمل صور العذراء مريم، ويرقصن في الممر الأوسط للكنيسة باتجاه المذبح، وهن يحملن سلال الهدايا بأيديهنّ.

تقول ناديا، القادمة من بوركينا فاسو، إحدى الراقصات: "إنها علامة جيدة أن أتمكن اليوم من إظهار شيء من ثقافتي علنًا"، وتضيف، دون أن تكشف عن اسم عائلتها لأسباب أمنية، أن إظهار إيمانها وثقافتها علنًا في تونس أمر استثنائي.

يتم إخراج تمثال للسيدة مريم من كنيسة. (Foto: Vanessa Barisch)
عاش مهاجرون من صقلية في هذه المنطقة بالسابق، أما اليوم فإن العديد من أفراد المجتمع في حلق الوادي (المعروفة بـLa Goulette) ينحدرون من دول أفريقية. (Photo: Vanessa Barisch)

تشنّ السلطات التونسية حملات تفتيش ضد المهاجرين غير حاملي الوثائق، وتنفذ عمليات ترحيل تنتهك حقوق الإنسان إلى مناطق صحراوية، منذ أن أبرمت تونس اتفاقًا بشأن الهجرة مع الاتحاد الأوروبي عام 2023. كما نظّم بعض السكان، حملات مطاردة وعنف ضد المهاجرين، إلى جانب حملات تحريض عبر الإنترنت.

في المقابل، يُعدّ موكب العذراء مريم، الذي يعود تقليده إلى ثمانينيات القرن التاسع عشر، رمزًا للتعايش السلمي الذي لا يزال قائمًا في تونس. وقد توقف الموكب لعقود، وظلّ تمثال العذراء داخل الكنيسة، قبل أن يُستأنف تنظيمه من جديد عام 2017.

البدايات في أوروبا

لطالما شارك في الموكب أشخاص هاجروا إلى تونس بحثًا عن حياة أفضل، إلا أن بدايته لم تكن في بلدان إفريقية أخرى، بل في أوروبا، وتحديدًا في مدينة تراباني الساحلية الصقلية.

ومن هناك، جلب صيادون نسخة من تمثال "عذراء تراباني" الشهير إلى حلق الوادي، وأهدوها إلى جماعة كنيسة القديس أوغسطين والقديس فيديل، التي كانت تتكون في معظمها من مهاجرين من صقلية ومالطا استقروا في تونس منذ بداية القرن التاسع عشر.

يشرح أستاذ اللغويات والكاتب الإيطالي-التونسي ألفونسو كامبيسي، الذي هاجر أجداده أيضًا إلى تونس: "في صقلية، كان الناس يموتون من الجوع بالعشرات في ذلك الوقت"، كما لعبت عمليات مصادرة الممتلكات من قبل المافيا دورًا في ذلك، وفق قوله.

ووجد الوافدون الجدد إلى تونس طلبًا كبيرًا على العمالة اللازمة لبناء البنية التحتية في ظلّ سلطة الحماية الفرنسية، وكان بإمكان العمال أن يتقاضوا أجورًا تبلغ ثلاثة أو أربعة أضعاف ما كانوا يحصلون عليه في صقلية.

ويرى كامبيسي أن التعايش السلمي بين الأديان في حلق الوادي استمر حتى ستينيات القرن العشرين، ولم يكن مقتصرًا على الموكب، واستعاد الكاتب الإيطالي-التونسي، من خلال مقابلات أجراها مع سكان سابقين، ملامح الحياة اليومية آنذاك.

ويصف كامبيسي المشهد حول بيوت الصيادين المطلة على الشاطئ الرملي، ذات الأبواب الزرقاء والأفنية النابضة بالحياة، قائلًا: "كان المسيحيون يدعون جيرانهم المسلمين إلى منازلهم في عيد الميلاد، وكان المسلمون يعدّون طعام الإفطار للجميع، وكان الناس يساعدون جيرانهم اليهود في إشعال شموع السبت".

ويرى كامبيسي أن ما جعل هذا التعايش ممكنًا في المدينة التونسية يعود إلى الانتماء الطبقي؛ فقد كان للصقليين في حلق الوادي القليل من الصلات بالإيطاليين الأكثر ثراءً في تونس، الذين كانوا على علاقة وثيقة بسلطات الحماية الفرنسية، وبالتالي كانوا مرتبطين في نظر السكان بالنظام الاستعماري. أما الصقليون فكانوا يعيشون في الأحياء نفسها التي يعيش فيها التونسيون، ويعملون في مهن متشابهة.

يحمل رجال تمثالاً للسيدة مريم عبر ساحة. (Foto: Vanessa Barisch)
جانب من الموكب أمام ساحة الكنيسة. (Photo: Vanessa Barisch)

حظر الموكب بعد الاستقلال

لكن سكان حلق الوادي الصقليين تأثروا أيضًا بالتغيير السياسي الذي أعقب استقلال تونس عام 1956، إذ مُنحت الأولوية للتونسيين في سوق العمل، وبالتالي فقد سائقو سيارات الأجرة الصقليون، مثلًا، تراخيصهم.

كما قيدت السلطات عام 1964 أيضًا ملكية غير التونسيين للأراضي، إذ كان يتعين عليهم التخلي عن نصف ممتلكاتهم لصالح شخص تونسي، أو الحصول هم أنفسهم على الجنسية التونسية، ولم يكن معظمهم مستعدين لذلك؛ لأن الحصول على الجنسية كان يعني التخلي عن جنسيتهم الأوروبية.

كما شعرت الجالية الصقلية بالقلق إزاء الأجواء القومية في تونس المستقلة، ولذلك غادر عدد كبير من الصقليين البلاد خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين، واستقروا في ميلانو أو مرسيليا أو نيويورك.

ومع ذلك، يقول كامبيسي، إن العديد من العائلات لا تزال حتى اليوم تشعر بارتباطها بموطنها السابق في تونس، وتحافظ على تواصلها، من خلال مجموعات دردشة على فيسبوك مثلًا، وتنظم رحلات جماعية إلى تونس.

وكان عام 1964 أيضًا عامًا حاسمًا بالنسبة إلى الكنيسة الكاثوليكية، إذ أبرم الفاتيكان اتفاقًا مع الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، أدى إلى إغلاق عدد كبير من الكنائس. ورغم أن كنيسة حلق الوادي بقيت مفتوحة، لم يعد مسموحًا بنقل تمثال عذراء تراباني إلى الشاطئ، بحسب الصحافي والكاتب التونسي حاتم بوريل.

ويفسر الصحفي والكاتب حاتم بوريل موقف الرئيس بورقيبة الناقد لدور الكنيسة الكاثوليكية في تونس المستقلة بعلاقة جماعة "الآباء البيض" الفرنسية بسلطة الحماية الفرنسية، فقد كانت مدارس الجماعة ودور الأيتام التابعة لها، إلى جانب خطابها الناقد للإسلام، تهدف إلى تنصير شمال إفريقيا بأكمله، وهو ما اعتبره القوميون التونسيون، ومن بينهم بورقيبة، هجومًا على الهوية التونسية.

مساحات من الحرية بعد الثورة التونسية عام 2011

ظهر تمثال العذراء من جديد تحت سماء حلق الوادي عام 2017، بفضل مساحات الحرية الجديدة التي أتاحتها الثورة التونسية عام 2011، التي جعلت إحياء الموكب ممكنًا من جديد بعد أكثر من نصف قرن.

كان هناك تغير آخر إلى جانب السياق السياسي: ففي حين كان الموكب في السابق يقتصر على أشخاص من أصول أوروبية، فإن الأغلبية اليوم تأتي من بلدان إفريقية، وتطبع تقاليدهم أيضًا الاحتفالات؛ فالرقصة التي تؤديها النساء باتجاه المذبح، وتسبق طقس الإفخارستيا، هي تقليد من ساحل العاج.

ويُحمل تمثال العذراء على هيكل خشبي إلى خارج الكنيسة في ختام القداس، حيث يتجمع مزيد من الأشخاص للمشاركة في الموكب الذي يقام في إحدى الضواحي الساحلية للعاصمة تونس. إلا أن عدد المشاركين هذا العام بدا أقل من السنوات السابقة، بعد أن أغلقت الشرطة الساحة وفرضت قيودًا على الدخول. وطلبت السلطات من بعض الراغبين في المشاركة إبراز دعوات، ومنعت آخرين من الدخول، بينما سمحت لغيرهم بالوصول إلى الساحة. كما مُنع بعض الصحفيين من التقاط الصور، رغم أن الجماعة كانت قد وجهت دعوة صريحة ومفتوحة للجميع للمشاركة في الاحتفالات.

وبينما يدور موكب تمثال العذراء والطفل يسوع ببطء حول الساحة، يردد الكورال صلاة المسابح، ويتنقل بين العربية والفرنسية والسواحيلية والإيطالية. وبين الحين والآخر، يتلو المصلون، صلوات شفاعة متعددة اللغات من أجل التسامح والتعايش السلمي، ربما أيضًا في إشارة إلى وضع المهاجرين.

فيما تفكر هيلين ب. من فرنسا، أثناء صلوات الشفاعة في إسرائيل وفلسطين، وتقول: "إن رسالة الأخوة بين الشعوب والأديان والثقافات تمسني كثيرًا، خصوصًا في ظل الإبادة الجماعية في فلسطين". وتلك هي المرة الثانية التي تأتي فيها للمشاركة في الموكب، بعدما كانت جدتها التونسية اليهودية تحكي لها كثيرًا عن الصيف في حلق الوادي.

يعود الموكب إلى داخل الكنيسة بعد الانتهاء من صلاة المسبحة، ويصطف بعض الحاضرين لالتقاط صورة سيلفي مع عذراء تراباني، بينما تتردد أصداء الترانيم الأخيرة للكورال على أرجاء جدران الكنيسة.

 

ترجمه من الألمانية بأدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي: محمد مجدي

قنطرة ©